أحدث الأخبار
عاجل

اللاعقلاني في حركة الحداثة

+ = -

بقلم : د. بتول قاسم ناصر بغداد
الحداثة من الناحية الآيديولوجية تجاوز وقطيعة مع القديم دون أن ترتبط صفة القدم بالزمن فقط ولهذا فهي ليست قطيعة مطلقة مع الماضي فقد تحتفظ بالجوانب التي تراها منسجمة معها ، الجوانب المضيئة منه وما يمثل عناصر حياة فهي استمرار له في هذه الجوانب ، فأوربا عندما تجاوزت الماضي أبقت على العوامل الايجابية فيه وطورتها لاسيما في الفلسفة والقانون والطب .
ومن الناحية التاريخية فإن الحداثة تحولات مهمة مر بها العالم الغربي منذ القرن الخامس عشر متعددة الأبعاد تمتد لتشمل الحداثة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والتقنية .. إن أبرز ما تميزت به الحداثة في الغرب تمثل ببروز نزعة عقلانية صارمة في مجال المعرفة والعمل فقد أصبح العقل سيدا وموجها للحياة والفكر . والعقلانية التي احتفت بها الحداثة في اوربا منذ بزوغ عصر النهضة هي العقلانية الوضعية التي مصدرها العقل الإنساني والمرتبطة بالحياة والواقع لأن الحداثة سعت الى السيطرة على الطبيعة فلا ينبغي للعقل الانصراف عن الواقع والارتماء في أحضان الغيبيات والميتافيزيقا . لقد ازدهرت التيارات الفكرية الوضعية والنزعات التجريبية وهذا ولد نظرة تضعف من شأن الأفكار الغيبية والتي تبحث في ما وراء الوجود كالفلسفة والميتافيزيقا خاصة لكونها معرفة غير علمية تجريبية فنظر اليها نظرة تنقص من قيمتها حتى أخذت الفلسفة تشعر باستصغار نفسها مما دفع بعضها الى أن تتسمى بالعلمية . وهكذا قوي الإيمان بالتجربة في العلوم الطبيعية وتم اختيار طريقة في البحث مؤسسة على الاختبار الصارم والملاحظة الدقيقة واعتماد الطريقة الاستقرائية التي يصعد بها العقل من الجزئيات الى الكليات . ونظر الى هذه الطريقة المبنية على التجريب الواقعي بأنها أكثر إيصالا للحقيقة وحتى الحقائق المطلقة فهذه يتوصل اليها من خلال دراسة الظواهر الطبيعية واستخلاص قوانينها الخاصة والانتقال منها الى القوانين العامة التي هي بمنزلة البديهيات التي تتصل بكل العلوم والتي يمكن من خلالها دراسة ومعرفة الحقائق الكلية والمعرفة الميتافيزيقية للكون .
ومن مظاهر هذه النزعة العقلانية إعطاء العقل أولوية على العواطف والانفعالات والانصراف عن الخرافات والأوهام والميثولوجيا . و مما تميزت به الحداثة والذي هو من أبعاد النزعة العقلانية ما يسمى ( التاريخانية ) أي إرجاع الأحداث الى مسبباتها التاريخية الواقعية لا الى عوامل تعلو على الواقع وقدرات العقل الإنساني . ومن مظاهر هذه العقلانية : الابتعاد عن التفسيرات والأحكام المطلقة في الفلسفة وفي غيرها لأن فكر الحداثة هو فكر الوضعية والنسبية والفردية . ومن هنا تميزت الحداثة ببروز النزعة الإنسانية التي تعطي الإنسان قيمة سيادية ومركزية في العالم والدعوة الى القيم الإنسانية الرفيعة التي تسعى الى تحريره وتكفل له الكرامة والحياة العزيزة كالعدالة والمساواة والمواطنة وكل الحقوق الفردية . وهذه القيم الأخلاقية مصدرها العقل الإنساني لا العقل الغيبي إذ نظر الى العقل بأنه مصدر المعرفة ومنها المعرفة الأخلاقية فالعقل هو مصدر الأخلاق ، بالعقل يضع الإنسان مبادىء الأخلاق ، والعقل هو الذي يحارب الظلم والشر ويعرف الخير والفضيلة ويختارهما وهذا ما قرره سقراط منذ فجر التفكير الفلسفي فقد وضع قواعد المعرفة على أساس العقل ورد أصولها اليه لأن الناس يلتقون على أحكامه بلا خلاف وهو قدر مشترك بينهم وإرث إنساني عام تلتقي على أحكامه البشرية ، فهو يضع تعريفا للفضائل والأخلاق ، وهو يؤكد أفكار العدالة والخير والفضيلة والتقدم والتحرر وهذه القيم وليدة العقل الذي يحارب الشر والظلم كما يحارب الأوهام والخرافات ، فالإنسان العادل والفاضل هو الإنسان العاقل ، والإنسان الظالم وغير الفاضل هو الذي يجانب العقل . بالعقل يعي الإنسان وبه يحدد غاياته ويصل إليها ، فهو أداة المعرفة والتطور والتجاوز والنفي …
لقد أعطت الحداثة السيادة للعقلانية فالعقل هو الذي يحكم الحياة وكل شيء يعرض على العقل وما لا يتفق معه يضرب به عرض الحائط ويوضع موضع التساؤل والاعتراض حتى ما هو مقدس . وبهذا لم يعد للدين وللغيبيات السطوة كما كان الحال في عهد الإقطاع الذي تسانده الكنيسة بل للاتجاه العلماني وللفصل بين الدين والدولة . فالمعرفة تستمد من العقل الإنساني الوضعي لا من العقل المطلق الذي يقول به الدين . وأصبح العقل الوضعي لا يعترف بالحقائق التي يأتي بها الدين ولا يعمل بها ولا بالحقائق الميتافيزيقية التي تبحث في الماوراء وتؤيد الحقائق الدينية فالحقيقة ما خضعت للتحقيق والتجريب الواقعي ولم تعد للدين سلطته القديمة على الوعي وعلى السلوك والأخلاق وتعرضت نصوصه التي لا تتماشى مع القناعة العلمية للتهديد .. وهكذا مهدت الحداثة لحضارة أوربية تقوم على العقل الإنساني وقيمه الأخلاقية ، وخاض العقل معركته ضد ما هو غير عقلاني بهذا المعنى الذي حدده للعقلانية – وقيل إنه انتصرعلى ما هو لايقيني ولاأخلاقي وعلى الأوهام والخرافات والمعتقدات البالية والتصور التقليدي للعالم فميز مرحلة الحداثة وطبعها بطابعه وكانت منجزات العقل ضخمة في كل مجالاته : العلمية والفكرية والاقتصادية والأدبية والسياسية . ..
إن التحول الى مرحلة الحداثة وسيادة الاتجاه العقلي في أوربا قادته السياسة على يد الطبقة البرجوازية التي وصفت بالثورية في أول مرحلة صعودها اذ قادت الثورة في بلدانها ووصلت الى السلطة والحكم فيها وقد تبنت مشروع الإصلاح والتنوير وسعت الى بناء أوطانها ووحدت أممها بشعارات الحرية والإخاء والسلام والمساواة . لقد عملت هذه الطبقة الصاعدة الثورية على تحقيق تطلعات شعوبها نحو الوحدة والتحرر والخلاص من الحكم الإقطاعي الذي تسانده الكنيسة . ومهدت الحركة الإصلاحية المصاحبة لهذه التحولات السياسية لتحقيق هذه الانجازات فكان الإصلاح الديني مؤازرا لتطلعات هذه الطبقة لإقامة دولتها وسلطتها الجديدة في مواجهة سلطة الكنيسة وكذلك عملت الحركة الفكرية والثقافية فكانت حركة إصلاحية وتنويرية شاملة أطاحت بالقديم والظلام الفكري الذي كان مخيما وأحلت الجديد الذي رفع لواء العقل والعلم .
ولكن تاريخ الحداثة الأوربية أو تاريخ العقلانية الأوربية كان يشوبه ما هو غير عقلاني وقد يكون هذا أمرا لازما فالعقل جدلي الطابع ، ولأن العقل جدلي فإن اللاعقلي لم يكن ينفك عما هو عقلي في أثناء مسيرة العقل عبر التاريخ . وإذا أخذنا بما يقوله هيجل من أن التاريخ تجسيد للعقل وإنه بالعقل بنى الإنسان تاريخه فالتاريخ تجسيد للعقل وسلبه . إن العقلي الذي نقصده هو الأخلاقي باعتبار أن الأخلاق مصدرها العقل كما قلنا واللاعقلي هو اللاأخلاقي ، وبهذا يكون تاريخ الحداثة في بدايتها – تعبير عن الأخلاق التي قررها العقل وتعبير عن سلبها فيما بعد – متمثلا بالحركات العرقية والعنصرية كالفاشية والنازية والامبريالية الغربية التي تعتمد سياسة القوة للسيطرة على بلدان العالم وقمع شعوبها وفرض الوصاية عليها . وهذه الازدواجية هي حقيقة كل التاريخ ولذلك إن قامت في التاريخ دول أو مراحل تاريخية عادلة أسست لسعادة الإنسان فإن دولا أخرى أو مراحل تاريخية أخرى وقفت فيها الأنظمة ضد الإنسان وعبرت عن همجية وبربرية وقمع وكان الصراع بينها وبين خصومها هو تجل للصراع بين العقل ونقيضه أو سلبه .. الحضارة الغربية كانت تنطوي على نقيضها ، الشعارات الثورية الأخلاقية والحركة الفكرية والثقافية وضمنها الفلسفة والعلم تتبنى مشروعا عقلانيا أما السياسة المتغيرة فتتبنى مشروعا لاعقلانيا أي لا أخلاقيا يصدر عن سلب العقل ، فالطبقة البرجوازية التي قلنا إنها كانت ذات تطلعات ثورية لم تبق كذلك فمع نموها كقوة رأسمالية كبيرة أخذت تتناقض في مصالحها وتوجهاتها مع الطبقات والشرائح الاجتماعية الأقل منها ، ثم أخذت تتطلع الى الاستعمار وغزو دول العالم وبهذا تنكرت لشعارات الإخاء والعدل والحرية والسلام والديمقراطية . ونحن لا نعمم هذا على كل ما أنتجته السياسة العالمية في مرحلة الحداثة فهناك التجربة الاشتراكية في العالم الشرقي وإنما نقصد السياسة الغربية الاستعمارية … لم تكن الحداثة الأوربية التي دافعت عن العقل – إذن – عقلانية خالصة فكان يشوبها ما هو غير عقلاني وقد تمثل هذا بالفكر السياسي الذي كان يوجه الأحداث السياسية والذي قاد الى الحرب العالمية الأولى والثانية والى الاستعمار وتجاوز مواثيق الأمم المتحدة ومبادىء حقوق الإنسان وإنتاج أسلحة الدمار الشامل وغير ذلك ..
إن هذا الاتجاه اللاعقلي الذي هو اللا أخلاقي بلغ مرحلة الانتصار الحاسم في المرحلة الأخيرة من العصر الحديث أي في المرحلة التي سميت بما بعد الحداثة وهي التي أعقبت الحرب الباردة في مطلع التسعينيات فقد انتهى ما يمثل الجانب الايجابي في العقل وبقي الجانب السلبي وهذا يمثل هزيمة للعقل . لقد حدث هذا على يد السياسة فقد انتهت الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي بانهيار المعسكر الاشتراكي ودخل العالم في مرحلة تحول جديدة مرحلة تفرد فيها النظام الامبريالي وسعى الى توسيع السيطرة على العالم وتنويعها . وجد صراع جديد ، صراع بين قوى الامبريالية الرأسمالية المستغلة وشعوب ودول العالم المستضعفة التي تريد استغلالها والسيطرة عليها . إن هذا الاتجاه اللاعقلي في مرحلة ما بعد الحداثة قادته السياسة الامبريالية مثلما أن الاتجاه اللاعقلي في مرحلة الحداثة قادته كذلك السياسة ذاتها ، مع فارق التطور الذي حققته في ما بعد الحداثة .. لقد استبعد العقل تماما وترجح منطق القوة وساد العنف والارهاب .
وإذا كانت العقلانية قد فارقت السياسة الغربية في مرحلة الحداثة فإنها ما انفصلت عن باقي مناحي الفكر والثقافة الغربية ، فهذه في منجزاتها إنما تصدر عن العقل . إن هذا جعل الحداثة تتسم بطابع مزدوج فهي عاقلة في التراث المعرفي الذي أنجزته وهي غير عاقلة في السياسة . هي مثلا تدعو في الفكر الى الحرية والمساواة والعدالة ولكنها تصدر عن الهيمنة والاستعلاء والظلم في السياسة . ومع قولنا إن هذه النزعة المتمردة على العقلانية تمثلت بالفكر السياسي فإن لها كذلك جذورا في غير السياسة ، في التراث المعرفي الفلسفي وغيره ترجع الى القرن التاسع عشر أو الى قبل هذا التاريخ وهي هنا لا تبتعد عن العقلانية ( الأخلاقية ) إنما عن العقلانية (الوضعية والتجريبية ) تمثلت بالفلسفة الميتافيزيقية ، وبمنجزات علم النفس على يد فرويد وتلامذته الذين توجهوا الى اكتشاف اللاعقل واللاوعي وكذلك تمثلت ببعض الحركات الأدبية كالسوريالية التي ترتفع على الواقع والرومانسية التي آمنت بأن الإنسان مشاعر وأحاسيس غامضة وليس عقلا خالصا . ولكن هذه الجذور المعرفية لم تؤد بنفسها الى الانقلاب والتحول الذي تمثل بمرحلة ما بعد الحداثة إنما الذي قام بذلك هو العوامل السياسية التي مثلت قمة اللاعقلانية بالخروج على كل ماهو أخلاقي وإنساني . وبدلا من أن يغلب العقل ويوجه لاعقلانية السياسة الغربية ويقودها ويطبعها بطابعه فإنها هي التي انتصرت عليه وجعلته ينقلب على نفسه فيبدو لا عقلانيا حتى في مناحي الفكر الأخرى، بل حتى في أعلى أو أكثر مواطنه التصاقا به ونقصد به الفلسفة فشاعت الأفكار والفلسفات اللاعقلانية التي ناهضت العقل وتمردت على سلطته .. ولقد وجهت نقدا الى الحداثة تلخص في أنها جعلت من العقل ومقولاته صنما ذا سلطة قمعية يلغي ما عداه ويهمشه ويضعه في مرتبة أدنى ومن هنا وجهت نقدا عنيفا للعلاقة بين الثنائيات الراسخة في التراث الفلسفي وتراتبها الذي يرجح أولوية وتفوق بعضها على الآخر . وقد تمثلت هذه المرحلة الخارجة على العقل بظواهر لاأخلاقية أخرى تمثلت بألوان الفساد والتحلل الأخلاقي واستبدال العقل بالغرائز والمشاعر الدنيا واعتماد منطق القوة وسيادة حالة اللاعدل والغطرسة والسعي الى الاستحواذ على ما لدى الغير والسطو عليه وانتهاك حقوق الآخرين .
مرحلة ما بعد الحداثة مرحلة تحول نوعي كبير وصلت فيه الدول الغربية الرأسمالية الى مستوى الرأسمالية المتوحشة المتمددة على خارطة العالم . وعلى مستوى الفكر والوعي كانت تجاوزا للانجاز الفكري الكبير الذي بنته الحداثة ، لقد وجهت نقدا عنيفا للحداثة وتمجيدها للإنسان والنزعة الفردية واستنادها الى العقل فكانت انقلابا على العقل وتمردا على سلطته ومركزيته ومرجعيته ودعوة للانطلاق من نزعة عدمية ولاأدرية . لقد مثلت مرحلة ما بعد الحداثة تحولا فكريا كبيرا فهي مرحلة نهاية اليقينيات والآيديولوجيا ، مرحلة اللايقين واللاشعور واللامعنى ، تجاوز مرحلة العقل والدعوة الى استكشاف اللاعقل والاهتمام بالهامش وبما هو غير عميق ، لقد اهتمت بالمسكوت عنه والمضمر وما هو مقصي وبمناطق العتمة والظلام فهي بهذا عودة الى مرحلة بدء التاريخ ، الى مراحل التراجع منه ولعلها مرحلة انهيار الحضارة الغربية . إن هذه اللاعقلانية طبعت مرحلة ما بعد الحداثة حتى أننا نجد هذه المرحلة متجانسة في خطابها اذا ما فحصنا هذا الخطاب بمستوياته كلها . وإذا كان الفكر السياسي هو الذي اتسم باللاعقلانية طيلة مرحلة الحداثة فإنه استطاع أن يسود وأن يقود مرحلة ما بعد الحداثة .. إن الخطاب السياسي في هذه المرحلة طبع كل ألوان الخطاب الأخرى بطابعه الموحد حتى الخطاب الفكري والفلسفي ، وان هذا الخطاب السياسي هو الذي يتيح لأي خطاب وفي أي مجال بالظهور والبقاء بما ينسجم معه . إن الذي يؤكده تاريخ المجتمعات هو ان الفكر السياسي هو الذي يقود ويؤثر في مناحي الفكر الأخرى ، فعندما تسعى النخب السياسية الى التغيير فإنها تقود الفكر كما تقود الأحداث .

الوسم


أترك تعليق