ازمة النيل وتداعياتها على دول المصب

وقعت عدة دول من حوض النيل السبع وهي بوروندي ورواندا والكونجو وكينيا وتنزانيا وأوغندا وإثيوبيا على اتفاقية إطارية لتقاسم مياه النيل فيما بينها بمعزل عن دولتي المصب,وهما مصر والسودان, مما يثير مخاوف من أزمة سياسية حادة بين هذه الدول الإفريقية.
والوقوف على الطبيعة الجغرافية لأركان ودول هذه الأزمة, والإلمام بالأبعاد السياسية المثارة حول هذه القضية يعد مفتاح الحل لمعرفة سرها والإحاطة بأطوارها المستقبلية, والاحتمالات المرتقبة لها.
ونسوق بيد يدي هذه القضية عدة حقائق غاية في الأهمية:
الحقيقة الأولى أن دول المنبع بلا خلاف فيما بينها لا يعد النيل إلا موردا واحدا من بين عدة موارد مائية تعتمد عليها, بل ويعد النيل أضعف هذه الموارد على الإطلاق في هذه الدول، فرواندا تعتمد على مياه النيل بنسبة 15 بالمائة فقط, وكينيا 7 بالمائة,وبوروندي 3بالمائة, وإثيوبيا 2بالمائة, وتنزانيا 2 بالمائة, وأوغندا والكونجو أقل من واحد بالمائة لكل منهما.
الحقيقة الثانية أن دولتي المصب, مصر والسودان, موقعهما يفرض عليهما الاعتماد كلية على مياه النيل بخلاف دول المنبع, فمصر تعتمد على مياه النيل بنسبة 97 بالمائة تقريبا, وتحصل والسودان على ما يقرب من 80 مليار متر مكعب من مياه النيل, نصيب مصر منها 55 مليار تقريبا, والباقي يكون للسودان..وهو ما يعني أن مصر على سبيل التحديد لا يمكنها الاستغناء عن مياه النيل على الإطلاق.
الحقيقة الثالثة أن دول المنبع يتوافر لها مصادر هائلة من المياه, فإثيوبيا التي تتزعم تحريض دول حوض النيل يتوافر لها سنويا ما يقرب من ألف مليار متر مكعب من مياه الأمطار والأنهار..والكونجو لديها ما يقرب من 1300 مليار متر مكعب من المياه سنويا, من الأمطار, وعندهم بالإضافة لذلك نهر الكونجو, وهو من أكبر أنهار القارة..ونفس الشئ يمكن أن يقال عن بقية دول المنبع.
الحقيقة الرابعة أن دول المنبع تعاني من مشكلة حقيقة, فهي ونظرا لتخلفها التقني لا تستفيد من هذا الكم الضخم فمجموع ما تحصل عليه إثيوبيا من مياه الأمطار لا يتوافر إلا في 3 أشهر فقط, ويتبخر منه 80 بالمائة تقريبا, ومن ثم تعاني من فقر مائي بقية العام, رغم توافر هذا الكم من المياه التي لا يمكنها الاستفادة منها..والكونجو لا تستفيد كذلك من هذا الكم الضخم من مياه الأمطار, والتي تتبخر, ويذهب معظمها للبحر, دون استغلاله.
الحقيقة الخامسة أن هذه الدول محكومة باتفاقية, لها قوتها القانونية, وهي الاتفاقية التي وقعتها مصر مع انجلترا الدول المستعمرة في العام 1929, ولا يمكن القفز فوق هذه الاتفاقية وإلغائها من طرف واحد..كما أن نصوص القانون الدولي تؤكد أن الدول المتشاركة في مورد مائي لا يمكن لأحدها أن ينفرد بإقامة مشروعات أو استغلال المورد بصورة تؤثر على بقية الدول دون موافقتها..وهو ما يعني أن موقف مصر والسودان من الناحية القانونية أقوى بكثير من موقف دول المنبع إن كان هناك سبيل للتحكيم.
الحقيقة السادسة أن الطبيعة الجغرافية والجيولوجية لهذه الدول لا تمكنها من إقامة السدود أو الاحتفاظ بمياه النيل, فتربتها صخرية لا تحفظ المياه, ودرجات الحرارة المرتفعة تجعل عملية البخر سريعة جدا, هذا بالإضافة على أن قوة اندفاع المياه من الناحية العملية لا يمكن أن تصمد أمامها السدود, حتى بأحدث التقنيات العلمية الحالية حاليا.
خلاصة هذه الحقائق أن دول المنبع لديها موارد مائية كافية, ولكنها غير قادرة على استغلالها, وقد لا يمكنها نظرا لوضعيتها الجغرافية والجيولوجية أن تبنى من السدود ما يمنع المياه عن مصر والسودان على الأقل في المستقبل المنظور.
ويبقي السؤال عن السبب الذي من أجله أثارت دول المنبع هذه الأزمة.
يعود ذلك لعدة أسباب, من أهمها أن وضعية مصر والسودان, ورغم أنهما دولتا المصب, إلا أنهما أفضل حالا من وضعية دول المنبع, حيث يفيض الماء في هذه الدول في عدة أشهر, ثم تعاني غالبا فقرا في المياه بقية السنة, أما في دولتي المصب فالماء يتوافر طوال العام بصورة تكاد تكون منتظمة, ولا يعانيان من أزمة مياه بالعموم.
هذه الوضعية جعلت دول حوض النيل تفكر في آلية أخرى للاستفادة من هذه المياه, فمارست ضغوطا على مصر والسودان لتعديل الاتفاقية المبرمة منذ عشرينيات القرن الماضي تحت مبررات شتى, بما يقلل من نصيب الدولتين من المياه, ويكون بمقدور هذه الدول بيع الكمية المضافة التي تحتاجها دول المصب والاستفادة بصورة اقتصادية تعوضها عن عدم الاستفادة من المياه التي تخرج منها بصورة مناسبة.
وهذا الاقتراح تقدمت به فعلا دول الحوض, حيث اقترحتأن تشترى هي النفط من مصر والسودان, على أن تدفع الدولتان ثمن استخدام المياه، بدعوىأن النفط والمياه من الموارد الطبيعية للدول المعنية.
وتضغط هذه الدول على مصر خاصة من خلال التعاون مع إسرائيل, وإفساح المجال لها لإقامة العديد من المشروعات خاصة في مجال الاستثمار في توليد الطاقة الكهربائية والاستثمار الزراعي, بل وتتدخل الولايات المتحدة كذلك بالضغط على المنظمات الدولية لتمويل مشروعات في هذه الدول للإضرار المستقبلي بحصة مصر من المياه.
خلاصة القول أن هذه الدول تلجا إلى أقصى درجات الضغط والابتزاز السياسي للحصول مكاسب اقتصادية ومالية, وتلتقي مصالحها في هذا الإطار مع مصالح عدة دول هدفها الإضرار بمصلحة مصر وتهديد أمنها القومي وفي مقدمتها إسرائيل.
بقي أن نقول أن مصر تحتاج إلى روشتة علاج لمواجهة هذه الأزمة, فبعد سنوات من تجاهل أفريقيا, فإن الحاجة ملحة لإعادة النظر في ترتيب الملفات الخارجية, وأهميتها على ضوء تأثيرها على الأمن القومي, بمفهومة الشامل وليس العسكري والأمني فقط.
وعند النظر إلى أفريقيا من خلال هذا المفهوم للأمن القومي المصري, سنجد أن القارة الأفريقية أدوارها متعاظمة, فهي تشكل العمق الجغرافي لمصر, ويتعلق بها مستقبلها المائي, وقد تسابقت عدة دول, ومنها إسرائيل والولايات المتحدة والمنظمات التنصيرية, ومنها مجلس الكنائس العالمي, لتفعيل عملهم في هذه القارة ضمن منظومة من الأهداف الدينية والسياسية والاقتصادية وفي مقدمتها حصار مصر, والنحر في بعدها الجغرافي, والإضرار بمواردها المائية.
وتحتاج مصر, وهي بصدد إعادة النظر في تعاملها مع دول القارة, إلى نظرة أكثر شمولا من فتح آفاق التعاون الاقتصادي, فهذا يأتي ضمن مجموعة أخرى من الوسائل بالغة الأهمية, وفي مقدمتها إعادة الجسور الثقافية مع هذه الدول, وإظهار القواسم المشتركة بين الثقافة العربية ونظيرتها الأفريقية, وقطع الفتنة التي تشعلها دوائر معلومة, لإظهار الثقافة العربية وكأنها على النقيض من الافريقانية.
وربما يكون من المفيد في هذا الصدد فتح المجال للطلاب الأفارقة للدراسة بمصر, بتسهيلات تتناسب وظروف هذه الدول الاقتصادية, بما يساهم في وجود نخب ورموز افريقية ترتبط برباط ثقافي وتيد مع مصر, بما يقلل من حدة الأزمات المستقبلية.
كما أن السفارات المصرية في هذه الدول يقع عليها عبء تصدير الثقافة العربية, وزياد اللحمة الثقافية مع هذه الدول.
في المستقبل المنظور قد لا تتطور فصول الأزمة لحدوث مواجهة بين دولتي المصب ودول المنبع..كما لن تتأثر مصر كثيرا بالمشروعات التي تقيمها هذه الدول عند منابع النيل..ولكن قد تكون الأزمة أكثر حدة أن تم تجاهلها, مع توسع المساحة السكانية لمصر وحاجتها إلى مزيد من المياه, وتعنت الدول الأفريقية وسعيها لتقليص حصة مصر والسودان بدعم من جهات متآمرة على مستقبل مصر.
فاطمة محمد
مصر

عن هاني سلام

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: