التعاون الزراعى فى مصر

كتب : د . معتز خفاجى
يعيش أكثر من 5 ملايين فلاح يشكلون بأسرهم حوالى55% من السكان فى مصر تحت مظلة الاتحاد التعاونى الزراعى ويتكون مجلس إدارة الاتحاد التعاونى من 112 عضو يمثلون الجمعيات المركزية وتبلغ عدد الجمعيات النوعية المركزية 14 جمعية مثل جمعيات منتجى البطاطس والقطن و22 جمعية مركزية للائتمان الزراعى و18 جمعية مركزية للإصلاح و11 جمعية مركزية للاستصلاح ، ويبلغ عدد الجمعيات الزراعية بالقرى 5856 جمعية تعاونية و222 جمعية بالمراكز 124 جمعية تعمل على مستوى المحافظات و15 جمعية تعمل على مستوى الجمهورية . كما يبلغ عدد أعضاء مجالس إدارات الجمعيات الزراعية 31 ألف عضو . ونظم القانون والدستور المصرى أهداف وانشطة ودور التعاون فى تحقيق التنمية الريفية وتطوير الزراعة وتحقيق الأمن الغذائى وتطوير القرية من كافة النواحى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية ورفع المستوى المعيشى للفلاحين وتعميق قيم المشاركة والتنمية والعمل الجماعى والممارسة الديمقراطية الشعبية .

الحركة التعاونية تاريخياً
على مدار التاريخ المصرى حظيت الحركة التعاونية باهتمام السلطات منذ رعاية محمد فريد لها فى مطلع القرن الماضى وبالحركة الرائدة للتعاونى عمر لطفى لحماية الفلاحين الأرض والغذاء والزراعة وعلى الرغم من قصورها خلال الخمسينات والستينات الا أنها قامت بأدوار رائدة لتنمية المجتمع الريفى ومع تبنى السلطات لسياسات السوق الحرة فى بداية السبعينات وتحرير أسواق المنتجات الزراعية وانسحابها من تقديم الخدمات ووقف دعمها لمستلزمات الإنتاج الزراعي وتحرير الأرض الزراعية مما أدى لحدوث تغيرات هائلة فى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أدت بلا شك الى حدوث خلل فى البنى التشريعية والاجتماعية والاقتصادية فى المجتمع وتغيير وجه المجتمع خاصة الريفى واختلت مفاهيم العدالة وتوزيع الدخل وتدهورت أوضاع المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية التى تدافع عن حقوق الفلاحين لغياب وضعف تأثير ممثليهم على منتجى ومنفذى القوانين والسياسات فى مصر وأدى تطبيق قانون الأرض 96 لسنة 92 لخروج أكثر من 450 الف فلاح من عضوية الجمعيات الزراعية بعد إلغاء بطاقات حيازاتهم الزراعية كمستأجرين وتحولوا الى عمال زراعيين او فلاحين بلا أرض وتدهورت
أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية مما ساهم فى تدهور أوضاع الحق فى التنظيم للمزارعين . وأثر ذلك بلا شك على اوضاع غالبية الجمعيات الزراعية وأصبحت كالجثث الميتة وسط منازل الفلاحين فى القرى وغاب دورها فى التنمية والارشاد والتسويق وتوفير مستلزمات الانتاج وتنظيم الفلاحين ، خاصة بعد ان استولت السلطات على أموالها وحولتها لبنك التنمية والائتمان الزراعى التى أنشأته بموجب القانون رقم 117 لسنة 1976.

مشكلات التعاونيات فى مصر
خلال العشر سنوات الماضية تفاقمت مشكلة التعاونيات الزراعية ووصل الامر الى عدم توافر معلومات عن القطاع التعاونى الزراعى وأدواره ومقدراته وضعفت القدرات والكوادر البشرية العاملة فى هذا المجال بالاضافة الى غياب نمط الثقافة التعاونية والعمل التضامنى والجماعى فى المجتمع ككل فى ظل سيادة مفهوم ونمط الاستهلاك والانتاج الفردى فى كافة المجالات فى الريف بالاضافة الى الصعوبات التى تواجه هذه القطاع فإن السلطات أهملت تماماً تطويره وأصبح الحديث حول إحياءه فى ظل المناخ السياسى والاقتصادى والاجتماعى السائد أشبه بمقولات عفا عليها الزمن وعلى جانب أخر أدى تطبيق سياسات تحرير الاسواق والتجارة فى قطاع الزراعة إلى سعى السلطات بشكل متسارع الى نقل دفة الاقتصاد واتخاذ القرار الى رجال الأعمال وكبار الملاك وسهلت لهم كافة الاجراءات وأعفتهم من الضرائب والديون وسعت لدعمهم بكافة الطرق ، فى نفس الوقت وبشكل معكوس أهملت السلطات دعم قطاع الزراعة وصغار الفلاحين وظلت فى حالة مراقبة واستبداد وحجب للمنظمات الفلاحية وحرمتهم من تنظيم انفسهم وتأسيس جمعيتهم المستقلة التى تدافع عن حقوقهم ومصالحهم ، وأصبح المشهد السياسى فى الريف
يرثى له بفعل هذه السياسات والقوانين المقيدة للحريات والتنظيم وغياب دور الأحزاب والتنظيمات الاجتماعية للنهوض بأوضاع الفلاحين .
ومنذ أكثر من ثلاثة عقود تحاول الحكومة ان تندمج من المنظومة العالمية الذى تنادى بحرية الاسواق وكفالة حرية الرأى والتنظيم والتظاهر والاضراب لكن الحكومة وبشكل متناقض تمارس سياسات منهجية لتكبيل وتقييد مؤسسات المجتمع المدنى فى الريف مما ساهم فى انعدام التوازن فى المجتمع وازدياد الفجوة بين التنمية والفقر وبين قيمة العمل والنهب والفقراء والاغنياء ومع ذلك ظلت السلطات رغم انتقاد كثيراً من النخب لممارستها فى تناقضها بالتحرير المتسارع للاسواق والتجارة ودعم لكبار الملاك رجال الاعمال والتدخل والرقابة وحجب لأدوار المنظمات الاجتماعية التى تدافع عن حقوق الفلاحين مما شكل خللاً هائلاً وتشوهاً فى بنية الريف المصرى. وتفاوتاً هائلاً فى الدخول حيث ذكر تقرير التنمية البشرية أن أكثر من 40% يعيشون تحت خط الفقر وهناك ملايين الاسر من العجائز والارامل والمهمشين لا تزيد دخولهم عن مائة جنيهاً فى الشهر يعيش أغلبهم فى الريف فى نفس الوقت الذى يتكسب عدد قليل جداً من رجال الاعمال من حصيلة الخصخصة ومليارات الجنيهات دون بذل مجهود اللهم إلا التقرب من السلطات .

التعاون والوضع الدولى
ويتفاقم هذا الوضع المتدهور فى ظل عدم اهتمام السلطات بتطوير قطاع التعاونيات على الرغم من أن توصيات الامم المتحدة فى عام 1992 طالبت الحكومات بدعم واشراك التعاونيات فى حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية كما أوصت بذلك لجان الامم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية المعنية بالعمل التعاونى ففى مؤتمر العمل الدولى عام 2001أوصى الحكومات بالاهتمام بنهضة مسيرة العمل التعاونى فى القرن الواحد والعشرين .
ولا تخلو دولة غربية أو متقدمة من تجربة رائعة ورائدة للعمل التعاونى المدعم من قبل الدولة وبدون أحكام وصايتها أو تدخلها ولعل تجربة ألمانيا أو انجلترا أو حتى دولة من الجنوب مثل الهند تعطينا تجاربها دلالات ايجابية على دور العمل التعاونى فى نهضة الريف وقطاع الزراعة ومع كل هذه التغيرات ظل قانون التعاون الزراعى رقم 122 لسنة 1980 و لسنة 1981 يحكم العمل التعاونى على الرغم من مرور أكثر من 25 عام والتغيرات الهائلة التى طالت كافة جوانب الريف المصرى وعمليات الزراعة والتعديلات الكثيرة التى طالت القوانين الاقتصادية والسياسية والاجتماعية فى مصر .

كيف تنشئ تعاونية فلاحية ؟
ومع ذلك فإن نهوض الحركة التعاونية فى مصر يحتاج الى جهود جبارة وإرادة سياسية ومشاركة كافة منظمات المجتمع المدنى ومؤسسات والحكومة وذلك بإصدار تشريع جديد للتعاونيات يدعم استقلالية الحركة التعاونية وديمقراطيتها وارتباطها بالفلاحين على ان تكون العضوية اختيارية وان يسمح من خلاله بحق الفلاحين فى تشكيل منظماتهم الفلاحية المتعددة بحرية واستقلالية بعيداً عن وصاية السلطات أو تدخلها أو رقابة الجهات الادارية عليها و ان يبلور آليات لتوفير الإمكانيات والدعم لتنمية قطاع الزراعة والفلاحين وان يتفق مع التزامات الحكومة المصرية فى الاتفاقيات الدولية وينشىء بنك تعاونى مستقل للفلاحين يقوم بمهام بنك التنمية والائتمان الزراعى الذى يعمل حالياً بأفق تجارى دون مراعاة الابعاد التنموية للزراعة والفلاحين أو دون أن يوفر أمان الغذاء والأراضى ودعم ونهوض وتنمية الريف فى مصر على أن يسترد هذا البنك أموال الفلاحين التى استولى عليها التنمية والائتمان الزراعى .
ويعالج المشاكل التى نجمت عن تطبيق السلطات لسياسات السوق الحرة واهمالها تطوير قطاع الزراعة والتعاونيات ودعم الفلاحين ويُفعل دور التعاونيات ويقويها ويكفل للفلاحين الحق فى انشاء تعاونيات مستقلة وديمقراطية وجماهيرية تحسن من أوضاعهم .
ان مشكلات الحركة التعاونية تحتاج إلى إرادة سياسية وجهود كبيرة من ممثلى الفلاحين كى تنهض بهذا القطاع عبر عدد من التوصيات أهمها
– دعم وسائل مقاومة الفلاحين ووقف إهدار الأراضي والثروة الزراعية لضمان مشاركة الفلاحين فى الثروة والسلطة وعلى أن تكفل التعاونية حقوقهم الإنسانية ويكفل فى المساواة والأمان والحرية وباسترداد الاموال المستولى عليها من قبل بنك التنمية والائتمان الزراعى لشراء شركات انتاج الاسمدة بأسماء جمعيات الفلاحين على ان تساعد وزارة الزراعة فى تحويل ملكية هذه الشركات للفلاحين.
– خلق جيل تعاونى جديد عبر مطالبة معهد التعاون الزراعى والمعاهد الزراعية والتعاونية المتخصصة بالقيام باضافة مادة ميدانية للفرقة الرابعة يقوم بموجبها الطالب بتوعية وتأسيس رابطة تعاونية لعشرة فلاحين بكل قرية مصرية.
– الدعوة الى انشاء اتحاد عام للفلاحين يقوم على أسس ديمقراطية ويرتبط بهموم الفلاحين ويكون مستقلاً عن هيئات الدولة ويعمل كتنظيم نقابى يمثل أكثر من 5 مليون فلاح وعامل يعملون فى المجال الزراعى ويكون لديه القدرة على حماية حقوق الفلاحين والتفاوض من أجل كفالة حقوقهم فى أمان الزراعة والحياة الكريمة .
– توعية وتدريب الفلاحين وقيادتهم فى جمعياتهم الاهلية والزراعية بالمفاهيم والقوانين والمنظمة للتعاونيات بحيث يتم تأهيل هذه الجمعيات لكى تكون قادرة على التكيف والتغيرات السياسية ولديها المام بما يحدث من تطورات داخلية وخارجية فى الحركة التعاونية وان تكون ولديها القدرة على القيادة واتخاذ القرار لتغير التشريعات لصالح الفلاحين ودعم حقوقهم .
– اسقاط مديونيات الفلاحين خاصة الفقراء منهم أسوة بمبادرة رجال الأعمال والتى أسقطت 75% من ديونهم والتى بلغت المبالغ التى تم اسقاطها عنهم 26 مليار جنيه وأن تبنى الاتحاد التعاونى الزراعى القيام بهذه المبادرة .
– الدعوة الى الاستفادة من التجارب الخارجية خاصة تجربة المانيا والهند وغيرهم من التجارب الناجحة ونقلها للحركة التعاونية المصرية والسماح بتداول وحرية وتبادل المعلومات ونقل الخبرات واتاحة حرية الابتكار لتفعيل دور الحركة التعاونية فى دعم الزراعة المصرية وحقوق الفلاحين .
– وقف محاولات تحويل التعاونيات المصرية إلى شركات تجارية لمنع احتكار فئات معينة تملك رأس المال فى اصدار القرارات والمتاجرة بالحركة التعاونية الزراعية والاستفادة من الإعفاءات المقدمة لهم .
– طرح تعديلات قانون التعاون الزراعى والمعروض على مجلس الشعب على الرأى العام والمهتمين وجمعيات الفلاحين ونشره فى وسائل الاعلام المختلفة وشرح أبعاده لدعم وحماية الحركة التعاونية والزراعة المصرية .
– الدعوة الى انشاء اتحادات انتاجية للمزارعين تقوم بالتسويق وانشاء صندوق خاص بالكوارث وصندوق لدعم السلع والانتاج الزراعى ومستلزمات الانتاج وحماية السوق المحلية من الاحتكار وكذلك تعويض الفلاحين عن خسائرهم نتيجة تقلبات الاسعار بالاسواق حرصاً على الزراعة المصرية ومواردها الطبيعية .
– حث الاتحاد التعاونى والجمعيات الزراعية برفع قضايا على الحكومة لاسترداد أموال الفلاحين من بنك التنمية ليقوموا مرة أخرى باعادة ضخها للجمعيات الزراعية فى القرى كى تقوم بتحسين أوضاع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفلاحين ودعم عملية الزراعة كما يجب أن يطالب الاتحاد التعاونى الزراعى ووزارة الزراعة بوقف تدخلاتها فى الجمعيات الزراعية وسحب موظفيها وترك الجمعيات لمجالس إداراتها للعمل على تحقيق رسالتها فى نهضة الريف وتنمية الزراعة وحماية حقوق الفلاحين .
ان منظمات المجتمع المدنى فى الريف مطالبة بأن تعمل على تنفيذ هذه التوصيات وتوعية الفلاحين بحقوقهم وذلك للمساهمة فى بناء ريف ناهض متقدم وفلاحين أصحاء ومتعلمين يعملون فى أراضيهم الزراعية بأمان ليعيدوا من جديد إنتاج الغذاء الصحى لكل المواطنين من أجل مستقبل أمن للجميع يكفل لكل فئاته مستقبل أكثر عدلاً وانسانية .

عن هاني سلام

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: