المجلة العلمية أهرام العلمية تفتح ملف المحاجر بالجزائر

كتب رياض معزوزي-الجزائر
لم تستطع الحكومة الجزائرية على مر السنوات ايجاد صيغة جادة لحماية السكان وتسيير عقلاني للمحاجر التي تهدد البيئة في أكثر من منطقة ،رغم الصرخات المتواصلة للسكان والمؤتمرات المنعقدة في هذا الشان.أهرام العلمية وكعادة تميزها فتحت هذا الملف الشائك ونقل معانات البيئة والسكان على حد سواء عبر كبريات الولايات الجزائري.

محاجر تحول حياة السكان الى جحيم بسطيف
تحصي ولاية سطيف العشرات من المحاجر المنتشرة عبر الكثير من البلديات، والتي رغم كونها مصدر رزق الكثير من الأسر إلا أنها في الحقيقة نقمة حوّلت حياة المواطنين إلى جحيم، حيث تضاعف عدد المصابين بداء الربو كما تراجع النشاط الفلاحي، دون أن تستفيد البلدية من فلس واحد، وذلك بحكم تواجد مقرات تلك المحاجر في ولايات بعيدة.حيث تتركز الغالبية العظمى من المحاجر بجنوب الولاية، فببلدية «بئر حدادة» تتمركز حوالي 12 محجرة وببلدية «عين الحجر» يوجد نحو 10 محاجر، فيما تحصي بلدية «قجال» التي تعد البلدية رقم واحد وطنيا في إنتاج الحصى باحتوائها على حوالي 26 محجرة، غير أنها حوّلت في مجملها حياة المواطنين إلى جحيم حقيقي حيث أثر الوضع على صحة المواطنين القاطنين بالقرب من المحاجر، وحسب معلومات رسمية استقيناها من رئيس بلدية «قجال» فإن 30 بالمائة من مواطنيها مصابون بالربو جراء استنشاقهم لغبار المحاجر، وهو مشهد يتكرر بالبلديتين المتبقيتين، كما تأثرت الفلاحة بشكل مباشر بهذا الغبار الذي يشكل طبقة ترابية على المنتوج الفلاحي ويحرمه من أخذ حصته من التهوية وبالتالي التأثير المباشر على المنتوجات الفلاحية ومنه هجرة القطاع، ولم تسلم حتى العشرات من سكنات المواطنين المجاورة من الوضع، حيث تشهد الجدران تصدعات وتشققات تدخل الخوف والرعب في نفوس قاطنيها، وهذا بسبب الانفجارات المدوية التي تقطع سكون القرى والمداشر المجاورة لها، وعلمنا من رئيس البلدية المذكورة أن الكثير منهم يعمد إلى تحقيق تفجيرات غير مطابقة، وخير دليل على ذلك الأحداث المؤلمة المفضية لوفيات وجرحى من حين لآخر بسبب هذه التفجيرات، وزيادة على كل هذا فإن الشاحنات التي تقطع البلديات المذكورة وعددها يحصى بالآلاف يوميا والتي تحصي منها «قجال» لوحدها مرور ما يزيد عن 1200 شاحنة، حيث تساهم في مجملها في تقليص مدة صلاحية طرقات البلديات، خاصة وأن كل الشاحنات تعمد إلى الزيادة في الحمولة، مما يساهم في إتلاف الطرق، وهنا أكد مدير الأشغال العمومية أنه على رجال الإعمال الذين يستثمرون في المجال وتساهم شاحناتهم في تقليص عمر الطرقات أن يضعوا أياديهم في جيوبهم للمشاركة في صيانة الطريق، واضعا حدا لسنوات من المعاناة. والغريب في الأمر أن البلديات المذكورة لم تنل من المحاجر سوى المعاناة، في حين تستفيد ولايات أخرى من الرسوم وغيرها بحكم تواجد المقرات الاجتماعية للمحاجر بها، وقد أكد رئيس البلدية المذكور أن المحاجر بإقليمهم والإدارات تشيد بعيدا، وأكثر من هذا فقد نال سكان المنطقة الحبس بعدما تم توقيف أربعة شبان في آخر حركة احتجاجية قادها سكان قرية «أولاد ساتة» ضد الوضع ووجهت لهم تهمة التجمهر والتحريض على التجمهر.

مواقع سياحية وأطفال مهددون ببومرداس
وبولاية بومرداس توجد 13 محجرة بمنطقة قدارة بالثنية و أربعة برأس جنات بجوار مناطق سكنية موجودة قبل إنشاء هذه المحاجر، ما عدا محجرة سوناطرو التي تعود إلى عهد الاستعمار.وقد تحصلت باقي المحاجر على رخص الاستغلال، رغم أن القانون الصادر سنة 1990 و المرسوم الصادر في 2006، يأخذ بعين الاعتبار السكان و المنشئات الهيكلية المجاورة لمناطق الاستغلال. عند القيام بالدراسة الأمنية و التقنية التي يقوم بانجازها مكتب مختص في الدراسات الجيولوجية و المنجمية، إضافة إلى دراسة التأثير على البيئة، والتي تطرح علامة استفهام حول مصداقيتها بالنظر إلى درجة تلوث الجو بالمنطقة، الأمر الذي دفع السكان إلى إغلاق الطريق الوطني رقم 01 يوم 31مارس الجاري.الهدف من الحركة هو إيصال انشغالاتهم إلى المسئولين وقد تمكنوا فعلا من إجبار المحاجر على التوقف عن العمل مند أربعة أسابيع.في الوقت الذي تم التوصل إلى حل يرضي سكان قدارة، بانجاز طريق اجتنابي للمحاجر و اقتراح استعمال المتفجرات الصامتة.لم تتوصل بلدية جنات إلى حل يذكر، بعد أن فقدت السيطرة على مواطنيها الذين رفضوا الحل التدريجي، مطالبين بالوقف الفوري و النهائي للمحاجر. وهي المطالب التي تؤيدها فدرالية حماية البيئة و ترقية السياحة لولاية بومرداس.في حين تطالب مصالح البلدية بالاستغلال العقلاني للمحاجر من خلال تقليص قوة التفجيرات و معدلها الشهري. كما دعت إلى تقليص مساحة محجرة حداد التي تساوي 21 هكتارا قصد انجاز سكنات اجتماعية من الجهة الغربية، و مشروع قرية سياحية مؤجل منذ عقدين من الجهة الشمالية.ولا تكاد تجد شخصا معافى بالقرى المحاذية للمحاجر، في كل من رأس جنات و قدارة. فنسبة تفشي المرض بين السكان مخيفة، إذ تتجاوز 1472 حالة إصابة بأمراض تنفسية و أمراض العيون. و القائمة تضم أطفالا لا يتجاوزون العام مصابين بالربو و الحساسية المزمنة بفعل غبار المحاجر و ارتفاع نسبة الرطوبة بالنسبة لساكني الشاطئ. بعض المرضى منعهم الطبيب من مغادرة غرفهم لأيام بعد استخدام المتفجرات. كما تعرضت بعض الحالات للوفاة جراء المضاعفات فضلا عن حالات نساء أنجبن أطفالا أمواتا، و أخريات أجهضن بسبب نوبات الهلع التي تنتاب السكان عند سماع المتفجرات، التي لا يسبقها أي إنذار، كما ينص على ذلك قانون المناجم.

كارثة بيئية سببها المحاجر بقالمة
وبولاية قالمة يواجه سكان مشتة ”فلعة بوديار” التابعة لبلدية الفجوج شبح كارثة بيئية حقيقية، بفعل المحاجر التي يزيد عددها عن الخمسة، والتي تحاصرهم منذ سنوات وتستعمل الألغام لتفتيت الحجارة. وقد إضطر العديد من السكان للنزوح نحو مقر البلدية، خوفا على أرواحهم، بعدما أتلفت التفجيرات زرعهم وهلكت ماشيتهم، وقضت على عدد معتبر من خلايا النحل.جه السكان شكاوى
عديدة، تارة إلى أصحاب الشركة الجزائرية لأشغال الطرق ”ألترو”، التي حصلت على مشروع أشغال منجمية بالمنطقة، وأخرى إلى السلطات الولائية، بغرض إيجاد حل لمشكلتهم الآخذة في التنامي، خاصة بعدما كانت سببا في تهجيرهم من أراضيهم الفلاحية، بسبب استعمال الألغام لتفجير الصخور، رغم ما تحمله من مخاطر جراء الشظايا المتناثرة والغبار الذي غطى المنطقة.

وكشف بعض المتضررين من خلال محاضر للمعاينة وإثبات حالة، أن الأضرار تعدت السكان، وطالت البيئة بما تحويه من نباتات وحيوانات، حيث تضررت الأشجار المغروسة، وكذا خلايا النحل التي تناقص عددها مقارنة بسنوات 2005 والوقت الحالي كما أن اللون العام المميز للمشتة التي هي في أصلها فلاحية، أصبح يميل إلى الأبيض جراء الغبار المتطاير طوال ساعات النهار، وذلك ما أثبتته المحاضر التي دعم بها الشاكون دفوعهم.وأضاف المعنيون بأنه عقب الإلحاح في الطلب على شركة ”ألترو”، لإيجاد حل لهاته المشكلة وتقدير الأضرار وتعويضهم، خاصة وأنها تعهدت في بداية انجاز المشروع المنجمي، لاستغلال محجرة رامول”، بتقديم تعويضات في حال أصيبوا بضرر. مع تذكيرهم بأن المحجرة تحيط بهم من عدة جهات، الأمر الذي دفعها إلى تعيين خبير في ذلك، إلا أنهم لم يتمكنوا لحد الساعة من الإستفادة بأي تعويض، ولا وضعت الشركة حدا لشبح الكارثة التي تهدد مزروعاتهم والنحل والماشية، حيث ذكروا أن نحو 30 خلية نحل ما بين تقليدية وحديثة هلكت لهذا السبب، إضافة إلى عدد من الأشجار التي توقفت عن النمو.

محيط بيئي مزر بالوادي سببه المحاجر
وفي اطار متصل يعيش المواطنون القاطنون على الشريط المحاذي للطريق الوطني رقم ثلاثة، الرابط بين قرية لبيار ببلدية وادي الشعبة إلى حدود بلدية عين التوتة بباتنة، على وقع وضع صحي مزر ومحيط بيئي ملوث، بسبب المحاجر التي لا تحترم ما ينص عليه دفتر الشروط بخصوص حفظ صحة المواطنين وحماية البيئة.تضرر الإنتاج النباتي بالمنطقة وسجلت حالات أمراض تنفسية وجلدية وحساسية لدى العديد من السكان، الذين اضطر العديد منهم إلى الرحيل هروبا من جحيم
الغبار ودوي المتفجرات الخاصة بتفتيت الحجارة.وتنشط أغلب المحاجر بالمنطقة بلا مخطط لحماية البيئة، وحتى عمال المحاجر يعانون من غياب الإجراءات الوقائية لحفظ صحتهم وأغلبيتهم يعملون بلا ضمان اجتماعي، خاصة العاملون بالمحاجر الخاصة في ظروف عمل مزرية، تم شراء ذممهم بمناصب عمل مؤقتة.ورغم التقارير التي أرسلها السكان إلى السلطات المحلية إلا أن العديد من المؤسسات غير عابئة بذلك وتشتغل وفق أهوائها، مما يغرق القرى المجاورة للمحاجر في زوابع من الغبار والدخان، ولا يهم مسؤولي هذه المؤسسة سوى الربح على حساب أعراف البيئة وصحة المواطنين.وفي انتظار إيجاد حلول مناسبة لمشكل التلوث الذي تتسبب فيه المحاجر الخاصة على مستوى باتنة ـ عين التوتة، يطالب السكان بتنشيط الرقابة علىنشاطات هذه المحاجر ومدى احترامها للقواعد المطلوبة.وإذا كانت النصوص القانونية موجودة فإن تطبيقها يبقى محل تساؤل، رغم أن والي الولاية أمر مؤخرا بتنشيط آليات شرطة المناجم للحفاظ على البيئة وصحة السكان والعمال، وحماية أملاك الدولة وخاصة الغابية منها.

تيسمسيلت تتحرك للتحقيق في واقع المحاجر
وبولاية تيسمسيلت أمر والي الولاية بتنصيب لجنة تحقيق لدراسة مخاطر المحاجر عبر تراب الولاية، لاسيما ببلديتي برج بونعامة، وبوقايد شمالي الولاية تضم ممثلين عن القطاعات التي لها صلة بنشاط المحاجر كالبيئة، والطاقة والمناجم والسياحة والغابات، بالإضافة إلى نواب من المجلس الشعبي الولائي. وأضافت ذات المصادر أن المسؤول الأول عن الولاية تلقى العديد من الشكاوى من طرف المواطنين على مستوى عدة مناطق في الولاية، بسبب معاناتهم مع هذه المحاجر خاصة المشاكل التنفسية التي أصبحوا يعانونها خاصة الأطفال منهم كالربو والحساسية، إضافة إلى التشققات التي تعرّضت لها المنازل القريبة من هاته المحاجر بسبب تفجيرات الديناميت. ومن جانب آخر، قالت المصادر إن اللجنة ستقوم بعدة تحقيقات على مستوى تلك المحاجر،لاسيما النبش في قانونية وهوية الرخص الممنوحة، وذلك لإيجاد حلول لمعاناة السكان، خصوصا وأن هذه المحاجر تشغل المئات من العمال الذين يعيلون عائلات منذ سنوات. وأشارت نفس المصادر أنه في حالة تأكيد لجنة تحقيق خطر هذه المحاجر على حياة وصحة السكان، فإن الوالي سيجد نفسه مضطرا لإيجاد حلول لتلك المحاجر وغلقها مؤقتا، ريثما يتم إنجاز مصاف، خاصة بمخلفات المحاجر وتنقية الجو من الغبار المنتشر، فيما سيحال العديد من العمال على البطالة. ومن جانب آخر، باتت تلك المحاجر تهدد حياة السكان؛ حيث اشتكى مواطنو قرى متيجة وأولاد أمعمر الغرابة والشراقة، ببلدية برج بونعامة وهي البلدية التي تحوي على أكثر عدد من المحاجر، من التشققات التي عرفتها مساكنهم بسبب عملية التفجيرات المتتالية، فضلا عن حالات كثيرة للإصابات بأمراض الحساسية والربو، كما انجر عنها تلوث البيئة وتراجع منتجاتهم الفلاحية، علاوة على تدهور الغطاء الغابي الذي يميز المنطق.

رياض معزوزي/أهرام العلمية-الجزائر

عن هاني سلام

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: