المملكة الحيوانية

بقلم: محمد زكريا توفيق
هذه مجموعة مقالات عن عالم الأحياء، التي تشاركنا الحياة على سطح هذا الكوكب الفريد. في صورة قصص وحكايات بعيدا عن التعريفات العلمية والاسماء اللاتينية الجافة. معرفتنا بعالم الأحياء شئ ضروري. يساعدناعلى فهم أنفسنا، ويعمق إحساسنا بوجودنا.

الإنسان أو الحيوانات وحدها لا تستطيع الحياة بدون النباتات, ولا النباتات تستطيع الحياة بدون الحيوانات. الحيوانات تمد النباتات بغاز ثاني أكسيد الكربون اللازم لعملية التمثيل الضوئي. بدون عالم الحيوانات, الموجود من هذا الغاز لن يكفي النباتات أكثر من سنة أو سنتين على الأكثر.

ولا نستطيع أن نعيش بدون الكائنات الدقيقة العالقة فى مياة تغيير حجم الصورةالمحيطات، البلانكتون، التى لا ترى بالعين المجردة. لأن هذه البلانكتون تمدنا بثلاثة أرباع حاجتنا من الأكسوجين اللازم للتنفس. النباتات والأشجار التي تنمو على اليابسة لا تمدنا إلا بربع ما نحتاجه من الأكسوجين.

حتي الباكتريا، نحتاجها في أمعائنا لهضم طعامنا. إننا نمرض ونموت إذا شربنا فقط مياة مقطرة خالية من أملاح الأرض ومعادنها. لأن هذا يخل بتوازن الأملاح في الجسم.

نحن كجنس بشري، جزء من هذه الحياة شئنا أم أبينا. حياتها هي حياتنا، وفناؤها هو انقراضنا. لا نستطيع أن نعيش بمفردنا. فلا أقل من أن نعرف طبيعة هذه الحياة. لعل معرفتنا بها تحنن قلوبنا وتجعلنا أقل ظلما وقسوة على البيئة والحياة من حولنا.

فصل الإنسان عن عالم الأحياء مستحيل من الناحية الفسيولوجية أو من الناحية السيكولوجية. علاقة الإنسان بالأحياء والبيئة هى علاقة توافق، لا علاقة تعارض. بمعنى أن الإنسان وباقي الكائنات شئ واحد لا أشياء مختلفة. توافق الإنسان مع البيئة وباقي الأحياء هو أساس ديانات وفلسفات الشرق القديمة. الهندوسية والبوذية والزن والشنتو وغيرها.

معرفة الإنسان بعالم الأحياء لها تاريخ طويل موغل في القدم. فحجرة الآخ-منو المعروفة بحديقة النباتات بمعبد الكرنك، منحوتة بالنقش البارز. تبين رسومات رائعة لنباتات وحيوانات جمعها تحتمس الثالث في حملاته الحربية. وما الذي يجعل تحتمس الثالث يهتم بشئ مثل هذا؟ الحكاية عاوزة تفكير.

تمثل هذه الرسومات طيورا وحيوانات وأزهارا وثمارا وأشجارا وبذورانادرة من آسيا وأفريقيا الغربية، التي لم تُرَ أبدا في مصر من قبل. هناك أيضا رسوم للأعضاء الداخلية للحيوانات وأجزاء صغيرة من نباتات غريبة ومخلوقات عجيبة مدهشة بها أخطاء جينية. وبكلمات أحد العلماء، حديقة النباتات هذه بمثابة “خزانة تحف”.

أرسطو، في القرن الرابع قبل الميلاد، يقوم بوضع مصنف (كتالوج)، يصف فيه مايقرب من 500 نوعا من الحيوانات. بالطبع كان له مساعدين وتلاميذ منهم الإسكندر الأكبر المقدوني، الذي كان يرسل له عينات من مصر وآسيا. وصف أرسطو لهذه الكائنات بلغ من الدقة درجة أنها ظلت 22 قرنا من الزمان بدون تعديل.

أنظر إلى وصفه لقرموط السمك المعروف ب(Catfish):
“تضع الأنثى بيضها في المياة الضحلة قريبا من النباتات المائية. البيض، بسطحة اللاصق، يعلق بجدور النباتات.هنا ينتهي دور أنثى القرموط، فتذهب لحال سبيلها.

يأتي الذكر بعد ذلك، لحراسة البيض، وإبعاد الأسماك الصغيرة عنه. تغيير حجم الصورةمستخدما الضوضاء والبرطشة بزيله وزعانفة لعمل أصوات مزعجة تخيف السمك الصغير الذي يقترب من البيض بنية السرقة. يستمر الذكر المسكين على هذا الحال مدة 40 أو 50 يوما حتى يفقس البيض وتكبر الصغار.”

يأتي بعد ذلك كاروليوس لينايوس من السويد عام 1758م، لكي يضع مصنفا آخر، يدون به 181 نوعا من الزواحف والبرمائيات، 444 نوعا من الطيور، 183 نوعا من الثديات وما يقرب من 10آلاف نوع من الحيوانات والنباتات الصغيرة.

لكن أنواع الحيوانات وحدها الآن تخطت حاجز المليون نوع. على سبيل المثال، لدينا 30 ألف نوع من أحياء وحيدة الخلية (protozoans)، 10 آلاف نوع من حيوان الإسفنج، 9 آلاف نوع من الطيور، 26 ألف نوع من القمل، 100 ألف نوع من الذباب، 280 ألف نوع من الخنافس، 7 آلاف نوع من الثدييات بما فيها الإنسان. العجيب أنه قد توجد حاليا أنواع مجهولة أكثر من الأنواع المعروفة، وخصوصا بالنسبة للحشرات والميكروبات.

كل يوم يمر، نكتشف أنواعا جديدة من الأحياء لم تكن معروفة من قبل. فمثلا، نكتشف كل أسبوع نوعا جديدا من الطيور، وكل أسبوعين نوعا جديدا من الثدييات، وكل ستة شهور نوعا جديدا من الزواحف، وكل ساعة زمن نوعا جديدا من الحشرات، وهكذا.

بالنسبة لعالم الأحياء، كل شئ يمكن أن نتخيلة موجود بالفعل. حركة بدون عضلات. رؤية بدون عيون. سمع بدون أذنين. شم بدون أنف. إرواء للظمأ بدون شرب. أكل بدون فم. هضم بدون معدة. تناسل بدون جنس. تفكير بدون مخ. حياة بدون نوم أو موت. دودة الروزكوفنسيس التي تعيش على السواحل، ليس لها فم، وتتغذى على نبات الألجا الذي ينمو داخلها.

حجم الأحياء وأسلوبها في الحياة له علاقة بحجم الكرة الأرضية وقوة جاذبيتها والعناصر الكيميائية الموجودة على سطحها. الفأر لا يجب أن ينزعج إذا سقط من الطائرة. لماذا؟

لأن مساحة سطح جسمه الخارجي بالنسبة لوزنه تعتبر كبيرة جدا. لكن الفيل يموت إذا سقط من إرتفاع 10 أقدام فقط. لأن مساحة سطح جسمه إلى وزنه صغيرة نسبيا ولا تسمح بذلك.

لهذا نجد أيضا أن الحشرات ليس لها رئة ولا تحتاجها. ونبات الألجا الذي ينمو في الترع والمصارف، لا يحتاج إلى أوراق. لأن مساحة السطح عنده إلى الوزن كبيرة بما يكفي لامتصاص الأكسوجين أو ثاني أكسيد الكربون اللازم للحياة.

بينما الحيوانات والنباتات الكبيرة، تختنق بدون جهاز سريع للتنفس مثل الرئتين، أو الأوراق. جسم الإنسان لا تكفي مساحته لإمتصاص الأكسوجين الازم وكذلك ساق الشجرة وفروعها. فهل عرفتلماذا تصاب الناس السمان بكرشة النفس عند أقل جهد؟

مشكلة الفيل الكبيرة، هي وزنه الكبير. الفيل هو أكبر الحيوانات التي تمشي على اليابسة الآن. الحوت هو أكبرها في البحر. وزن الفيل لا يتطلب فقط أرجلا مثل أعمدة المعابد، ولكن يستلزم أيضا رئة مساحة شعبها الهوائية تفرش على فدان.وخرطوم طوله 8 أقدام، حتى يستطيع أن يصل به إلى طعامه.

كذلك يحتاج الفيل إلى قلب كبير لينظم الدورة الدموية، ونظام هضم معقد، يتعامل مع مئات أرطال الحشائش والخضرة التي يتناولها يوميا.

في عام 218 ق م، استخدم جيش هانيبال 50 فيلا في زحفه من قرطاجة إلى جبال الألب في سويسرا. لم يبق منها سوى ثمانية رأت إيطاليا واشتركت في الحرب ضد الرومان. من هؤلاء الثمانية، بقى فيل واحد، فيل هندي، لكي يشهد ست معارك حربية طاحنة بين هانيبال والرومان، ثم يعود الفيل بعد 15 عاما ثانية سالما إلى قرطاجة.

لكن الحيوانات الصغيرة التي نجد مساحة سطح جسمها الخارجي بالنسبة لوزنها كبيرة، لديها مشكلة. وهي حاجتها لكمية غذاء كبيرة لكي تعوض الطاقة المفقودة من سطح جسمها الخارجي الكبير نسبيا.

الإنسان مثلا، يحتاج إلى 2% من وزنه غذاء، بينما الفأر المنزلي، يحتاج إلى 25% من وزنه غذاء. لذلك نجد الفئران شرهة تأكل كل شئ وتسبب لنا مشاكل كثيرة.

هناك جرذ صغير يشبه الفأر اسمه شرو (shrew). يخرج من جحره أثناء الليل لكي يبحث عن طعامه. تجده في كل الغابات وكل الحقول والحدائق في جميع أنحاء العالم، ما عدا أستراليا والقطبين. يوجد منه 30نوعا على الأقل في أمريكا الشمالية وحدها.
بعض الأنواع من هذا الجرذ، تزن أقل من العملة المعدنية ولا يمكن التعرف على جحورها المحفورة بالأرض بسهولة لصغرها. هذه الكائنات تتميز بشهية هائلة للأكل.

بسبب النسبة الكبيرة لمساحة سطح جسم الجرذ الخارجي إلى وزنه، زادت سرعة تمثيله الغذائي إلى أربعة أضعاف سرعة التمثيل الغذائي لأصغر الفئران.

لذلك عليه أن يأكل ثلاثة أضعاف وزنه من غذاء كل يوم حتى يستطيع أن يبقى على قيد الحياة. لذلك، فهو يأكل كل شئ يقابله. خضروات، وديدان وحشرات وأسماك وضفادع وأي لحوم تصادفه.
كونه جوعان طول الوقت، يجعله دائم البحث عن غذاء. إذا مكث ثلاث أو أربع ساعات بدون غذاء، يموت جوعا. الشرو المائي الصغير، معروف عنه أنه يستطيع قتل سمكة أكبر منه في الحجم 60 مرة، عن طريق عضها في رأسها.

هي مقدرة عجيبه تشبه مقدرة الرجل على قتل فيل كبير باستخدام يديه وأسنانه فقط. يفعل هذا وهو تحت سطح الماء، علما بأن سرعة تمثيله للغذاء، تتطلب سرعة تنفس تبلغ 100 مرة في الدقيقة.

في تجربة، حُبست ثلاثة من هذه الجرذان في قفص زجاجي ومنع عنهم الطعام. بعد فترة وجيزة، هجم إثنان منهم على ثالثهم، وقاما بالتهامه إلى آخر شعرة في جسده. الجوع كافر.

بعد ساعتين من الزمن، هجم أكثرهم جوعا على رفيقه وافترسه عن آخره. ثم جلس فخورا بنفسه ينظف شواربه بعد أن وضع إثنين من الرفاق الأفاضل في جوفه.

الفصل الأخير من هذه الدراما يأتي بعد ثلاث ساعات. عندما بدأ الجوع يهاجم صاحبنا المفتري بشراهة وبدون رحمة، لم يجد بطل قصتنا الحزينة شيئا يصلح للأكل سوى ذيله. ومن الذيل فصاعدا، بدأ المسكين يأكل نفسه حتى الموت.

هذا يعني أن بعض الكائنات تفضل الموت على أن تتحمل قرص الجوع. فهل يخشى أولي الأمر فينا ثورة الجياع؟ أرجو أن يقرأوا هذه القصة الحقيقية،الموثقة في الكتب العلمية، بتمعن.

بمناسبة ذكر سرعة التمثيل الغذائي، نجد الطائر الطنان صغير الحجم، في حجم عقلة الصباع، سرعة التمثيل الغذائي لديه تبلغ 12 ضعف سرعة التمثيل الغذائي عند الحمام، و100 ضعف عند الفيل. وهذا يعني أنه يحتاج إلى الغذاء طول الوقت.

فكيف يحل الطائر الطنان هذه المشكلة أثناء الليل، حيث يحل الظلام ولا يمكنه رؤية الزهور أو صيد الحشرات الصغيرة؟ حل الطائر الطنان هذه المشكلةبخفض سرعة التمثيل الغذائي لديه أثناء الليل إلى أقل من 7%. أي أنه يذهب إلى بيات شتوي كل ليلة.

فيه أيضا حيوانات كثيرة تكون سرعة التمثيل الغذائي لديها، أي سرعة تحويل الغذاء إلى طاقة، أثناء الليل أقل منها أثناء النهار. لهذا، يكون الأكل أثناء الليل لمن يرغب في تخسيس وزنه أمرا غير مستحب.

وإلى اللقاء في مقال آخر عن عالم الأحياء هذا، المليء بالغرائب والعجايب.
………………………………………..
المجلة العلمية اهرام تقدم نبذة مختصرة عن الكاتب :
السيرة الذاتية
الإسم: محمد زكريا توفيق

المؤهلات: ماجستير فى الرياضة البحتة من كلية الهندسة جامعة نيويورك

ماجستير فى علوم الكمبيوتر من كلية العلوم جامعة نيويورك

دراسات فى الرياضيات التطبيقية تعادل الدكتوراه من معهد كورانت بجامعة نيويورك

الخبرة: أكثر من ثلاثين سنة فى مجال الكمبيوتر حيث كان يعمل مديرا للتخطيط والبرمجة فى عدة بنوك أمريكية منها البنك الفدرالى الأمريكى.

نشرت له عدة مقالات فى مصر والخارج

الحالة الإجتماعية: متزوج وله إبنتان.

يعيش الآن فى مدينة نيويورك

عن هاني سلام

شاهد أيضاً

عالم الذنابير

عالم الذنابير بقلم: محمد زكريا توفيق في المقال السابق، تحدثت عن أنثى العنكبوت، المهندسة التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *