حتى المساعدات الأجنبية لم تجد حلا

كتب رياض معزوزي-الجزائر
من المشاكل العويصة التي لم تجد لها الدولة الجزائرية حلا ما تعلق بمشكل توحل السدود سيما تلك التي تقع بمصبات الوديان القوية والدائمة الجريان ،وعلى الرغم من الملتقيات والندوات والاستنجادات المتتالية بالشركات الأجنبية الا أن ظاهرة توحل السدود لا تزال متواصلة ودفعت بالعديد من أبناء البلد لمناقشة القضية بجدية عل وعسى تجد منفذا للمعضلة ويعد البروفسور “رميني بوعلام” من الأوائل في الجزائر الذين درسوا الموضوع دراسة ميدانية(أمثال الأستاذ عبد المجيد دماق) في وقت بدأت فيه ظاهرة توحل السدود تأخذ أبعادا مقلقـة متسببة في ضياع ما لا يقل عن 32 مليون متر مكعب من الماء كل سنة وهو ما يعادل سدا واحدا.ويُعتبر سد إغيل عمدة مـن السدود المهمة في البلاد، إذ أنجز عام 1950 وكانت آنذاك قدرته الاستيعابية حوالي 150 مليـون متر مكعب تناقصت في أيامنا هذه لتصل إلى 100 مليون متر مكعب بسبب تراكم 50 مليـون طن من الطمي جراء التوحل.وتوجد هذه الظاهرة الطبيعية في كل سدود العالم، وتختلف من منطقة إلى أخرى حسب التضاريس وتوفر عوامل أخرى، وليست هي بالحدة في المناطق الممطرة كما هـو الحال في المناطق التي تعرف قلة التساقط وتذبذبه كالجزائر مثلا.وخلال سنوات الجفاف الماضية وكبقية دول شمال إفريقيا، فإن موسم هطول الأمطار بالجزائر يبدأ من نوفمبر وإلى غاية أوائل أفريل، وهـي فتـرة أقل طولا من موسم الحرارة الذي يسود فيه المناخ الجاف متسببا في جفاف التربة وتفتيت جزيئاتها لتحل مكانهـا جزيئات هوائيـة. ومع هطول أولـى الأمطار تؤثر شدتها على تماسك الجزيئات فتضعفها، مما يجعلها عرضة لجرف السيول.وكل سنة تزداد الأراضي الزراعية تقلصا، حيث لا تجد تربتها ما يثبتها خصوصا تلك التي تتعرض للحرث العشوائي، وكل سنة يذهب 4000 طن من التربـة في كل كيلومتر مربع إلى السدود أو إلى البحر عبر الوديان. وقد صدق فلاحونا حين أسمو الأمطار الأولى التي تجرف التربة “صلاّحـة النوادر”.ومن جهة أخرى تؤثر نوعية التربة في زيادة هذه الظاهرة وكلّما كانت خفيفة انجرفت كميات معتبرة منها محدثة توّحل السدود بالطمي، أو ترمل الموانئ وتقلص المساحات الزراعية.و قد أفادت عملية تحليلية للطمي أن 80% منه يأتي من حوض التغذية، و20% المتبقية من ضفاف الوديان المؤديـة للسدود، وعند حدوث الفيضانات فإن المياه المحملة بالطمي تلج إلى السدود في شكل تيار يمـر تحت المياه الصافية يسمى بالتيار الكثافي. يصل التيار الكثافي إلى غاية صمام التفريغ ويساعده في ذلك شكل السد، إذ كلما كان ضيق الجوانب كانت سرعة التيار الكثافي أكبر. واستخلصت دراسات جزائرية بحتة أنه حين تكون المياه الواردة إلـى السد مهمة، فإن التيار الكثافي يتوغل إلى داخل السد في مدة تقدر بحوالـي 03 ساعات قاطعا بذلك مسافة 08 كلم تقريبا، وهـذا ما يؤدي إلى توحل السدود. ولم يكتفي الأستاذ رميني المتخصص فـي السدود والمياه بما لاحظه داخل سد إغيل عمدة ببجاية وإنما نقل نفس المنهجية المتبعة لتشمل سد وادي الفضة بالشلـف غرب العاصمة بحوالي200 كلم وكذا سد غريب بالمدية 100 كلم باتجاه العاصمة.ويرى البروفيسور”رميني بوعلام”، الحاصل على الجائزة الثانية في مسابقة نظمتها فرنسا لاختيار أحسن دراسة تتناول مشكل توحل السدود، أنه يجب تزويد السـد بعدد من الصمامات، ويتم قياس تركيز الماء داخل السد كل ساعة انطلاقا من غرفة التشغيل ، فإذا كانت النتيجة 1000 كلغ في المتر المكعب، فإن الماء صاف وليس هناك تيار كثافـي أي طمي، أمّا إذا بلغت النتيجة 1010 أو أكثر، فإن هذا معناه وجود تيار كثافي، فنقوم بفتح إحـدى الصمامات ليزيد تدريجيا عـدد الصمامات المفتوحة بزيادة التيار الكثافي وبهذا يُتفادى دخول كميات معتبرة من الطمي.ولا يمكن بأي حال من الأحوال فتح كل الصمامات دفعـة واحدة حتى لا يؤدي ذلك إلى تفريغ السد بصورة تضيع معها كميات مهمة من المياه،فلا تدري نفس ماذا تخبئ لها السماء غدا؟.حل مثل هذا، لم يلقى استحسان بعض أصحاب القرار- في الجزائر، فهم يرون فيه ضياع للمياه المحتجزة، وفي الحقيقة،هم لا يدركون أن عـدم تنفيس السد، إن صح قول ذلك، تقابله أخطار عدة منها: زيادة كمية الطمـي المترسبة داخل السد، فساد نوعية المياه ونمو الطحالب داخله، وحتى عدم إمكانية فتح صمام التفريغ الرئيسي بعدما يتراكم فوقه الطمي.

وقد يحدث فقدان السد جراء ضغط الماء والطمي المسلطين عليه، وتكون الكارثة الكبرى عند وقوع زلزال لا قـدر الله- فسيغرق المكان ومن فيه ليس في شبر ماء بل على أقل تقدير في 230 مليون متر مكعب.زيادة علـى فتح الصمامات من حين لآخر، يقترح البروفيسور “رميني بوعلام” تنظيف السدود من الطمي المتجمع لربح كميات معتبرة من المياه، ويمكن استعمال هذه المادة وفق مكوناتها في عدة مجالات منها: صنع الآجر- زيادة خصوبة التربة الزراعية- صنع الخزف- تغطية المكبات العمومية.في وقت وصت الورشات بعدة ملتقيات علمية حول الظاهرة من أن وقايـة السدود من خطر التوحل تبدأ من حوض التغذية (قبل السد)، باللجوء إلى نصب حواجز على ضفتي الوادي المـؤدي إلـى السد وتكون هذه الحواجز متباعدة بالتساوي وغير متقابلة،وفي انتظار العمل والتطبيق تبقى السدود في الجزائر في طريقها نحو الغرق.
رياض معزوزي/المجلة العلمية اهرام -الجزائر

عن هاني سلام

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: