عالم النحل

بقلم: محمد زكريا توفيق
عدد أنواع النحل التي تعيش الآن تزيد على 20 ألف نوع تقريبا. قليل من هذه الأنواع تعيش في مجتمعات (ملكة، شغالة، ذكور، وتخصص في العمل). باقي الأنواع تعيش كل منها بمفردها في عزلة، تبني بيوتا مستقلةا لها ولأولادها.

أنواع كثيرة من النحل، يصعب على الرجل الغير متخصص، التعرف عليها عند رؤيتها لأول مرة. تتباين في الشكل والحجم. بعضها يبلغ طولها 2 مليمتر، والبعض الآخر قد يصل طولها إلى 4 سنتيمترات. تبدو نحلة عملاقة بالمقارنة. بعضها لا شعر لها، أو لها شعر مثل تغيير حجم الصورةالفروة. وبعضها لها ألوان وانعكاسات ضوئية على جسمها الخارجي تبهر الناظرين.

النحل بصفة عامة، تختلف عن أولاد عمومتها الزنابير في شئ واحد هام. كل أنواع النحل، بدون استثناء، حشرات نباتية لا تأكل اللحوم. مثل الفيثاغورسيين والرواقيين وأتباع أفلوطين والهندوس.

تعيش النحلة على رحيق الأزهار وحبوب اللقاح. تمزجهما وتكون منهما العسل. خصلة نبيلة من طباع الناس الطيبين. النحلة لكي تعيش، لا تقتل حيوانا آخر أو حشرةأخرى، أو تتسبب في موتها. هي أيضا لا تقلع نباتا من جذوره، ولا تسبب ألما أو حزنا أو مرضا لأحد، ولا تيتم أطفالا، ولا تثكل أمهات، ولا تفجع آباء، ولا ترمل زوجات.

أعمالها النبيلة لا تقتصر على عدم الحاق الأذى بالغير، لكنها تقدم للنباتات التي تتغذى على رحيق أزهارها، أكبر فائدة في المقابل. تنقل حبوب لقاح زهورها برقة من زهرة لزهرة، فتشجع ظهور الفاكهة بهاوبذورها.

حب وود طبيعي، وتبادل منافع عمره ملايين السنين. كان السبب في ظهور الأريج والعطور والألوان البهيجة التي تتزينبها الزهور. العطر والحلل البهية الخلابةالتي تتزين بها الزهرة، تلفت انتباه النحلة لمكانها.

إعلان عن وجودها في هذا المكان والزمان. مثل الصبايا الجميلات، يتزين ويعطرن المكان في الحفلات العامة. تفعل الزهور ذلك، لكي تزيد من فرص التزاوجبينها. بدون هذا التزاوج، لن تظهر أجيال جديدة للنباتات. وتختفي الثمار والبذور وتنقرض الأشجار. هذه حقائق يجب أن نعلمها جميعا.

أنواع النحل العديدة التي تعيش بمفردها، تبني بيوتا مختلفة. بعضها تبنيه في جذوع الأشجار الميته، والبعض الآخر في حفر في باطن الأرض، مثل أولاد عمومتها الزنابير الحفارة. لكنها داخل بيوتها، تبني غرفا منفصلة، تسع كل منها ليرقة واحدة.

أنواع أخرى تستخدم خلطة من الرمل واللعاب. وغيرها تستخدم القص والتفصيل والحياكة، لكي تبني بيتها من أوراق الشجر. بدون الاستعانة بالخيوط والإبر. وبعضها، تبدوا بيوتها من تصميم مهندسين كبار استعانت بنظريات معمارية معقدة.

نحلة الصمغ (Colletes) مثلا، التي تعيش بمفردها، تبني عشها في باطن الأرض. تستخدم ورق الجدران الذي يشبه السلفان، كعازل للرطوبة والحرارة، لكي تحافظ على مخزونها من العسل، وتمنعه من التسرب خارج العش. هذا العزل، يحمي العسل من العفن والفطريات. أنواع أخرى تدهن عشها بالشمع كعازل. أنواع غيرها،نحلة المنجم (Halictus) مثلا، إلى جانب استخدامها للشمع، تحفر نفقا للتهوية للتقليل من الرطوبة داخل العش.

النحلة الخياطةأو قاطعة الأوراق (Megachile)، في حجم نحلة العسل المعروفة. تقطع جزءا بيضاويا من حرف ورقة شجرة. تقوم بلفه في شكل إسطوانة، تملؤها بفطير العسل. ثم تضع فوقها بيضتها. بعد ذلك، تذهب لكي تقطع من حافة ورقة شجرة قرصا مستديرا في حجم فتحتة الإسطوانة. ثم تقوم بقفل الإسطوانة بالقرص المستدير.

ثم تكرر العمل السابق لعمل إسطوانة لبيضة أخرى. تضع هذه الإسطوانات واحدة خلف الأخرى، مثل عقل عود القصب. عددها بالعشرات. في نهايتها تضع عدة أقراص مستديرة لكي تقفل بها العش، الذي يكون غالبا داخل شجرة ميته أو في باطن الأرض. أوراق الشجر المستخدمة في بناء العش، تعمل كعازل جيد للرطوبة.

النحلة البناءة (Chalicodoma)، تفضل بناء بيتها وسط الحجارة والصخور. تبلل الرمال والحصى باللعاب، وتصنع منه كور. تحمل كل منها إلى مكان عشها. هناك، تبني من الكور دستة صوامع متراصة.

تملؤها بالعسل، ثم تضع في كل صومعة بيضة واحدة، ثم تقوم بقفلها من أعلى. تملأ الفراغات بين الصوامعبالطين والحصى، حتى يختفي العش كله عن الأنظار. طبعا، عندما يفقس البيض، على الصغار أن تنحت في الصخر لكي تخرج إلى العالم الخارجي باستخدام فكيها القويتين.

نحلة أخرى بناءة (Osmia Bicolor)، رأسها وصدرها أسودا اللون، باقي جسمها لونه أحمر. إنها لا ترهق نفسها بالبناء. لكنها تبحث عن صدفة حلزونية فارغة لكل بيضة تضعها.

في عمق الصدفة، تضع فطيرة العسل. ثم تضع بيضتها فوقها. ثم تقفل الممر بأوراق شجر بعد مضغها،وتترك مكانا يسمح بنمو اليرقة بعد فقسها. بعد ذلك، تملأ الصدفة بالحصى.

في مدخل الصدفة، تضع طبقة ثانية من أوراق الشجر الممضوغة حتى لا يسقط الحصى من فوهة الصدفة. ثم تقوم النحلة كخطوة أخيرة، بعمل عدة رحلات لكي تجمع كل أنواع الحطب والحشائش الجافة والأشواك التي تجدها.

من هذه الأشياء، تبني خيمة فوق الصدفة، لتخفيها عن الأنظار . ثم تبحث عن صدفة أخرى لكي تضع بها بيضة أخرى، وهكذا. إنها تحاول أن تخفي ثروتها التي لا تملك غيرها، أبناءها وفلذة أكبادها.

ننتقل الآن إلى أنواع النحل الإجتماعية. أي النحل التي تعيش في جماعات كبيرة وتقوم بتقسيم العمل بين أفرادها. سأقوم بذكر نوعين منها. النحلة الطنانة، ونحلة العسل المعروفة لدينا. بالرغم من اختلاف هاتين النوعين في الشكل، إلا أنهما من الناحية التشريحية والحياة الاجتماعية، متشابهان جدا لذلك يصنفان في عائلة واحدة (Apidae).

في بداية الربيع من كل عام، قد نشاهد نحلة طنانة كبيرة الحجم تطير ببطئ قريبة من الأرض، كأنها تبحث عن شئ فقد منها. واضح أنها لا تهتم في هذا الوقت بالزهور ورحيقها الشهي. هذا سوف يأتي لاحقا.

في هذا الوقت من السنة، كل النحلات الطنانة التي قد تراها تطير حولك، هي ملكات استيقظن لتوهن من سبات عميق وبيات شتوي، تبحث كل منهن الآن عن مكان مناسب لكي تنشئ فيه مستعمرة جديدة. بعضها تختار حفرة فارغة في الأرض، وأنواع أخري تبني عشها فوق الأرض.

عندما تجد الملكة المكان المناسب، تبدأ بمفردها وبدون مساعدة من أحد، في بناء العش. شأنها شأن أنواع النحل الذي يعيش بمفرده. خطوات البناء هي نفسها بالنسبة لكل أنواع النحل الطنان.

النحلة الطنانة (Bombusagrorum)، تبدأ بتسوية أرض العش وتنظيفه. ثم تغطيته بطبقة من الشمع لكي تحمي العش من الرطوبة التي قد تتسرب من أسفل. ثم تخلط الشمع بحبوب اللقاح لعمل عجينة.

من العجينة تبني خلية واحدة تضع داخلها نصف دستة بيض، ثم تقفلها بالشمع. بجوار هذه الخلية، تصنع خلية أخري على شكل جرة، تملؤها بالعسل كخزين للأيام الممطرة. بعد ذلك، تقوم بتغطية العش بغطاء مصنوع من الطحالب المضفرة بمهارة فائقة. وتترك فتحة للإتصال بالعالم الخارجي.

عندما يفقس البيض، تعيش اليرقات على العسل المخزون. تقوم الملكة الأم بفتح العش من حين لآخر لإضافة العسل للخزين، ثم تغلق العش من جديد. عندما تكبر اليرقات، تغزل كل منها حول نفسها شرنقة، تتحول داخلها إلى نحلة كاملة، تخرج من الشرنقة بعد أربعة أسابيع.

هذه النحلات، كل منها أصغر في الحجم من النحلة الملكة الأم. لا لأنها صغيرة السن، ولكن لأنها شغالة. الحشرات التي لها أجنحة والخارجة لتوها من الشرنقة، تكون في كامل حجمها ولا تكبر في الحجم بعد ذلك طوال عمرها الذي يمتد إلى عدة أسابيع.

جهازها التناسلي غير مكتمل، ولا تضع البيض. هذا من اختصاص الملكة الأم فقط. تقوم الشغالات بجمع رحيق الزهور، والدفاع عن العش، وبناء خلايا جديدة لكي تضع بها الملكة البيض.

الشرانق الفارغة، تستخدم كجرار لخزين العسل. الجيل الثاني من اليرقات تحصل على غذاء أكثر، وتوجد في مكان أكبر، لذلك تكون أكبر حجما من أخواتها السابقات، عندما تصل إلى مرحلة الحشرة الكاملة.

كل فقس يكون أكبر من الفقس السابق، إلى أن نصل إلى نهاية الصيف. فتخرج الملكات والذكور. الملكات بعد التلقيح، يذهبن إلى البيات الشتوي، وتموت كل الشغالات والذكور . وتتكر هذه الدورة كل عام.

كل الحشرات التي ناقشناها حتى الآن تبني عشها بنفسها. نحلة العسل، المعروفة لنا جميعا، لا تبني عشها، لكن تبحث عن مكان متسع لكي تصنع فيه الشغالات قرص العسل.

قد يكون هذا المكان في جوف شجرة أو في حفرة داخل الأرض أو في شق بين الصخور. مثل هذه الأماكن تكون آمنة لوضع البيض وتخزين العسل. بالإضافة لذلك، نحلة العسل لها زبان سام تستخدمه في الدفاع عن العش.

لكنها لا تستطيع حماية عشها من كل الأعداء. الدببة مثلا، مغرمة بسرقة عسل النحل، تبحث عنه في جوف الأشجار. معتمدة على فروها السميك الذي يحميها من لدغ النحل المؤلم. تعلم الإنسان من الدببة كيف يسرق العسل من النحل. وهو الآن يقوم بتربية نحلة العسل كما يربي الحيوانات المستأنسة والطيور.

يرجع تاريخ تربية نحلة العسل إلى الماضي البعيد. نحن نعرف من رسوم جدران معابد قدماء المصريين وقبور ملوكهم، أن قدماء المصريين منذ خمسة آلاف سنة، كانوا يقومون بتربة نحلة العسل، في أنابيب مصنوعة من طمي النيل. مثل هذه الأنابيب لا تزال تستخدم حتى الآن.

كانت جدتي، رحمها الله، تربي نحلة العسل في أسطوانات طولية من الطمي بنفس الطريقة. موضوعة في فناء مكشوف بالدور الثاني من منزلها الريفي. عندما كنت أزورها وأنا طفل، وأصعد إلى الدور الثاني ومعي مصباح كيروسين للإنارة، تتجمع النحلات على زجاجة المصباح وعلى يدي. وأذكر أنني قد أصبت بعدة قرصات موجعة من الشغالات.

لكن السكن الذي يوفره الإنسان لنحلة العسل في دول كثير، يختلف عن أنابيب الطمي التي يستخدمها المصريين. في بعض الدول يقوم الناس بتربية النحل في سلال، أو في جزوع الأشجار،أو في صناديق خشبية، وهي الطريقة الأكثر شيوعا.

في القرن التاسع عشر، بدأ المربيون يضعون براويز خشبية، يمكن رفعها وإعادة تثبيتها في صندوق تربية النحل من أعلى. لكي يقوم النحل ببناء خلاياه داخلها. هذا يعتبر إختراع هام، لأنه يمكن النحال من قطف الزيادة من العسل بدون أن يؤذي أو يهيج العش. في الماضي كان من الصعب فعل ذلك.

لكن نحلة العسل نفسها لم تتغير منذ ملايين السنيين. كائنات رائعة ساحرة، مهندسون معماريون من الطراز الأول. كانوا محل إعجاب الإنسان طول الوقت. لكي نعرف عظمة هذه المخلوقات الصغيرة، سننظر إلى تكوينها الإجتماعي وعبقريتها في بناء عشها من الناحية الهندسية والإقتصادية، وأسلوبها في التخاطب ونقل المعلومات.

مستعمرة نحلة العسل يتراوح تعدادها من 40 ألف إلى 80 ألف نحلة. مثل تعداد مدينة صغيرة أو قرية كبيرة الحجم. كل أفراد النحل شغلات، هن بنات الملكة الأم. الملكة الأم هي الوحيدة القادرة على وضع البيض. الشغلات هن أناث أيضا، لكن لم يكتمل جهازهن التناسلي، لذلك هن غير قادرات على وضع البيض. وحتى إن استطعن، سيكون غير قادر على الإنقسام والتحول إلى يرقات.

الشغلات أيضا يختلفن عن الملكة الأم في الخلقة. فهن في أرجلهن الخلفية يوجد شعر شبيه بالفرشة، وسلال أو أواني صغيرة لجمع حبوب اللقاح ورحيق الزهور.

في فصلي الربيع والصيف، يوجد في المستعمرة الذكور. ليست لهم وظيفة سوى تلقيح الملكة أثناء طيرانها في حفل العرس والتزاوج. عندما يتم ذلك، تقوم الشغالات بقرص الذكور حتى الموت، معركة الأزيز. أو يقمن بطردهم من العش وتركهم يموتون جوعا. لم تعد لهم فائدة. فهم غير قادرين على العمل، وسوف يصبحون عالة على المستعمرة. لا مكان للعاطل بالوراثة، نحن الآن نعيش في مجتمع إشتراكي.

ملكة نحل العسل، على خلاف النحلة الطنانة أو الزنابير، لا تختار موقع عشها بنفسها. ولا تساعد في بناء الخلايا التي تخزن فيها العسل وتضع فيها البيض. ولا تقوم بجمع الرحيق أو تعتني بالصغار. كل هذه الأعمال من وظيفة الشغالات.

أثناء العشرة أيام الأوائل من عمر الشغالة، تقوم بالعناية بالعش من الداخل وإطعام اليرقات وإخراج الأموات خارج العش. إنها لا تطعم اليرقات العسل فقط، ولكن ترضعها سائل يشبه اللبن، يخرج من غدة خاصة في جسم النحلة في بداية حياتها.

في المرحلة الثانية من عمر الشغالة، تجف الغدة التي تنتج لبن النحلة. فماذا تفعل، هل تجبر على المعاش المبكر كما تفعل شركاتنا التي تقلد الأجانب بدون وعي؟ لا، لكنها تغير طبيعة العمل الأول.

تكتشف النحلة الشغالة الآن أن غدتها التي تنتج الشمع قد اكتملت. لذلك تبدأ في عملية البناء. بناء الخلايا التي توضع فيها البيض والعسل. تأتي بعد ذلك المرحة الثالثة والأخيرة من عمر النحلة، عندما تجف الغدة المنتجة للشمع. فتخرج النحلة للعمل الخارجي. وتقوم بجمع حبوب اللقاح ورحيق الزهور.

طبعا أنا لا أريد أن أنهي المقال هنا قبل أن أنهي هذه القصة الرائعة. فأرجوا من السادة القراء تحمل طول المقال، الذي يحكي هذه السيرة الذاتية النبيلة لأجل وأكرم مخلوقة على وجه الأرض. إذا كان هناك من يستحق الخلود والجنات التي تجري من تحتها الأنهار، فلا أجد من هو أحق بهذا التكريم من نحلة العسل.

عمر الشغالة في المتوسط خمسة أسابيع. لكنها لا تستطيع أن تعيش بمفردها أكثر من ثلاثة أيام. شغالتان تستطيعان سويا أن يعيشا لمدة أسبوع واحد. يلزم 40 شغالة على الأقل كحد أدنى مع الملكة بالطبع كي تتكون المستعمرة. لذلك ينظر للمستعمرة كلها على أنها وحدة حية واحدة.

في المتوسط، تزن المستعمرة حوالي عشرة أرطال. بها 50 ألف خلية لوضع البيض وتخزين الطعام. تغطي مساحة من الحقول تبلغ ميل مربع أو أكثر. المستعمرة كوحدة حية، تتنفس وتجدد الهواء وتحول الغذاء إلى طاقة وتنظم درجة الحرارة داخل العش، وتدافع عن نفسها، وتأكل وتشرب وتنجب مستعمرات أخرى، وتنتقل من مكان إلى مكان آخر عند الضرورة.

نحن هنا نتحدث عن المستعمرة ككل لا عن نحلة واحدة. لذلك يمكننا إعتبار المستعمرة كائن كي حتى وإن كانت تتكون من مجموعة أفراد منفصلة.

أغرب وأعجب ما يحدث داخل المستعمرة، هو لغة التخاطب وانتقال المعلومات بين الأفراد. في الربع الأول من القرن العشرين، قام كارل فريش العالم النمساوي بدراسة لغة النحل. فوجد أن النحلة تستخدم لغة الرقص للتخاطب مع باقي أفراد المستعمرة.

تبدأ بعض الشغالات في العمل كفرق كشافة،للتجول خارج العش للبحث عن رحيق الزهور الذي يصلح للأكل والتخزين. غالبا ما تكون الزهور بعيدة عن العش وخارج نطاق البصر أو الشم. عندما تجد نحلة كشافة مكان الزهور المطلوبة، تعود إلى العش وتنقل هذه المعلومات القيمة إلى باقي الأخوات.

لكي تكون هذه المعلومات مفيدة، يجب أن تشمل،بالنسبة لمكان الغذاء، المسافة والإتجاه. عندما تريد الذهاب بالسيارة للمول التجاري لأول مرة، تحتاج معرفة أي الطرق تسلك والمسافة التي سوف تقطعها. كيف تقوم النحلة بفعل ذلك؟

عندما تعود النحلة إلى العش، تقوم بالرقص في خطوات في منتهى الدقة. تشمل هز بطن، تحية كاريوكا. تتحرك وهي ترقص، في مسار على شكل الرقم ثمانية باللغة الإنجليزية (8). معني هذه الرقصة، يترجم حرفيا إلى معلومات. الخط الفاصل بين الدائرتين في الشكل 8 هو المحور الذي يحدد مكان الزهور. كيف؟

لوكان المحور في الوضع الرأسي، فهذا يعني أن الزهور في إتجاه قرص الشمس. وإذا كان محور الرقص يميل على الخط الرأسي بزاوية قدرها 30 درجة مثلا، جهة اليمين، فيعني هذا أن الزهور تقع في إتجاه 30 درجة على يمين الشمس.

في الأيام التي يكثر فيها الغمام، تستطيع النحلة أن تحدد مكان الشمس، بما لها من قدرة على رؤية الأشعة الفوق بنفسجية، والضوء المستقطب. (فلاتر الإستقطاب تستخدم في عدسات التصوير لمنع الزغللة).

المسافة التي تبعد بها الزهور عن العش، تتحدد بسرعة إيقاع الرقصة. الرقصة السريعة تعني أن الرحيق على مقربة من العش. أو كما نقول نحن، يمكن الوصول إليه بسرعة. إذا كان الرحيق على مسافة بعيدة، ففي هذه الحالة تكون الرقصة بطيئة. إذا كان الرحيق على مسافة متوسطة، يكون إيقاع الرقصة بينبين. نسبة وتناسب.

هي أيضا ترفرف بجاحيها سريعا، 250 مرة في الثانية، لكي تحدث طنينا، أثاء رقصها. مدة هذا الطنين تتناسب مع بعد الرحيق عن العش، كزيادة لتأكيد المعلومات. نوع الرحيق أيضا يظهر مع الرقصة. لأن النحلة الكشافة تحرص على العودة بعينات من الرحيق وحبوب اللقاح عالقة بجسمها وأرجلها للدعاية.

طبعا الظلام حالك داخل العش، بذلك تصبح الرؤية مستحيلة. كيف تنتقل هذه المعلومات من النحلة الكشافة إلى باقي الشغالات؟ بطريقة بريل التي يقرأ بها العميان. طريقة اللمس. تقترب الشغالات لكي تحك أجسامها بالنحلة الكشافةوهي ترقص، لكي تأخذ منها المعلومات الدقيقة التي تتوقف عليها حياة المستعمرة. الصدق هنا عامل مهم، والكذب قد يقضي على حياة المستعمرة.

النحلة الشغالة، تعدل اتجاه طيرانها إلى مكان الزهور، وفقا لحركة الشمس في السماء. بمساعدة الساعة البيولوجية داخل جسمها. أيضا، تأخذ في الإعتبار إتجاه الريح في طيرانها، بأن تبتعد عن إتجاه الزهور وتترك الريح تعدل مسارها في الإتجاه الصحيح.

عندما ترغب الشغالات في الإنتقال إلى مكان جديد. يبدأن في إرسال فرق كشافة للبحث عن مكان مناسب. شجرة مجوفة، أو حفرة في الأرض، أو ما شابه. بدلا من استخدام أسلوب الإقتراع كما يفعل النمل، تعقد الشغالات ما يشبة المؤتمر الإنتخابي داخل العش.

كل نحلة كشافة تقوم بالرقص، لوصف طبيعة المكان الجديد الذي وجدته. تعبر عن مدى حماسها للمكان الجديد، بتكرار عدد مرات الرقصة. عندما ينحصر الاختيار في مكانين أو ثلاثة، تذهب الشغالات مرة ثانية، لفحص هذه الأماكن الثلاث لاختيار أفضلها. بعد ذلك، يقومن بعقد اجتماع عام حاسم، تستخدم فيه المحادثة والإقناع، لاختيار العش بالإجماع، ثم يطيرن إليه. لا مكان هنا للتزوير والبلطجة.

الشغلات اللاتي يخرجن للحياة في نهاية الصيف والخريف تعشن عدة شهور. بعد حصولهن على أفضل غذاء وأقل إجهادا من العمل، يمكنهن قضاء فصل الشتاء بدون مشاكل.

الملكة الأم يمكنها الحياة مدة خمس سنوات. لو ماتت الملكة الأم قبل إنقضاء أجلها لسبب ما، تتحول أحد اليرقات إلى ملكة، عن طريق إطعامها بغذاء مخصوص، هو غذاء الملكة. الحياة يجب أن تستمر.

في الربيع حيث يكثر الغذاء وتمتلئ الخلايا بالعسل، تقوم الشغلات ببناء خلايا جديدة، حجمها أكبر من باقي الخلايا. عن طريق غذاء الملكة، تربي داخل الخلايا الجديدة عددا من الملكاتفي نفس الوقت، أخذا بالأحوط.

قبل أن تخرج أول ملكة جديدة من خليتها، تطير الملكة السابقة من العش مصحوبة بنصف عدد النحل الموجود في المستعمرة. لكي تستقر على فرع قريب من العش. هنا يقوم النحال بجمعهن وتوفير مكانا لهن جديد. هذا يجب أن يتم بسرعة، قبل أن تجد النحلات الكشافة مكانا يصلح لإقامة مستعمرة جديدة.

خلايا نحل العسل التي يوضع بها البيض ويخزن بها العسل، تبنى في وضع رأسي وفتحاتها على الجانبين، مفصولة من الوسط بحائط رأسي. الملكة تضع بيضها في الخلايا التي توجد في منتصف العش. الخلايا التي توجد في الأطراف هي التي تملأ بالعسل. الحيطان الشمعية التي تكون الخلية تكون شكل سداسي المقطع.

يمكن للنحلة أن تبني خلاياها بحيث تكون جدارها دائرية. الدائرة تأخذ مساحة أكبر من الشكل السداسي. وبالتالي لو كانت الخلايا إسطوانية مقطعها دائري، تكون أكبر في الحجم من الأنبابيب التي مقطعها سداسي. لماذا لم تبن النحلة خلاياها بمقطع دائري؟ السبب إقتصادي بحت.

إذا وضعنا الخلايا الإسطوانية الشكل ذات المقطع الدائري، ورصصناها جنباإلى جنب، لن يكون بينها حوائط مشتركة. صحيح حجم كل خلية سوف يكون أكبر في هذه الحالة، لكن التكلفة الكلية سوف تكون باهظة. بالنسبة لكمية الشمع المستخدمة في البناء.

ربما تقول لماذا لا يكون مقطع الأنبوبة على شكل المثلث أو المربع؟ لأن الشكل السداسي يأخذ مساحة أكبر من الشكل المثلث أو المربع، إذا كانت كمية الشمع المستخدمة واحدة. إختيار المقطع السداسي للخلايا عمل هندسي عبقري، يعطيك أكبر حجم للتخزين بأقل تكلفة، ولا يوجد شكل آخر يفي بهذا الغرض.

أيضا، تراعي النحلة عند بنائها للخلايا الشمعية، أن تكون أعلى كل خلية في الوضع الأفقي، هو خط تلاقي جدارين مائلين. لماذا لا يكون أعلاها جدار مسطح؟ مسألة هندسية بحته تختص بفن البناء.

المعروف أن الأقواس تتحمل الضغط الخارجي. مثلا، بيضة الدجاجة من الصعب كسرها من الخارج بالرغم من كونها هشة، لا يجد الكتكوت أي عناء في كسرها من الداخل والخروج إلى الحياة.

كذلك الشبابيك التي تبنى أعلاها على شكل أقواس، لا تحتاج سقوفها إلى دعامات. بعكس الشبابيك المستطيلة، فسقوفها تحتاج إلى دعامات خشبية أو حديدية، حتى لا ينهار الشباك تحت ثقل المباني التي فوقه.

كذلك إذا كان سقف الخلية الواحدة مائل من الجانبين على شكل الرقم ثمانية بالعربي، فيكون أقرب إلى شكل القوس. وبالتالي لا يحتاج إلى دعامة تحميه من ضغط كميات العسل الموجوده فوقه. لأن الأقواس توزع الضغط الرأسي الواقع عليها على الجانبين. هذا لا يحدث إذا كان السقف أفقيا.

وإلى اللقاء في مقال آخر عن عالم الأحياء هذا الملئ بالغرائب والعجائب.
zakariael@att.net

عن هاني سلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *