عالم النمل

بقلم: محمد زكريا توفيق
حشرة النمل التي نراها تتجول في بطاح الأرض ومناكبها وعلى سيقان الأشجار وفروعها كيفما اتفق، لا يبدو أنها تنتمي بصلة القرابة إلى المخلوقة النبيلة،صديقة الزهور ومنتجة العسل، النحلة. التي نشاهدها وهي طائرة من خليتها بكل ثقة، متجهة إلى موقع الزهور والرحيق الشهي، واضح الهدف، بدقة وكفاءة بالغة.

بالرغم منأن عائلة النمل (Formicidae) تختلف عن عائلة النحل (Apidae) في كتب ومصنفات الحشرات، بسبب الاختلاف في الشكل والسلوك، إلا أنه من الناحية التشريحية والحياة الاجتماعية لكل منهما،نجدهما متشابهين إلى حد بعيد.

عدد أنواع النمل المعروفة أكثر من ستة آلاف نوع. الأنواع الغير تغيير حجم الصورةمعروفة ربما ضعف هذا العدد. لا توجد بينها نملة واحدة يمكنها أن تعيش بمفردها. كل أنواع النمل، نمل اجتماعي. بعض أنواعها يبلغ عددها في العش الواحد ما يقرب من دسته، والبعض الآخر يبلغ عددها الملايين.

كما هو الحال بالنسبة للنحل، غالبية العش تتكون من الشغالات. الشغالات هن أناث لم يكتمل جهازهن التناسلي. غير قادرات على الحمل وإنجاب اليرقات، لكنهن قادرات على كل الأعمال اللازمة لبقاء وخدمة سكان المستعمرة.

لأن النملة الشغالة ليس لها أجنحة مثل النحلة الشغالة، لذلك فهي مرتبطة بسطح الأرض. تتغلب على حركتها البطيئةبأعدادها الوفيرة.

كما هو الحال بالنسبة لعالم النحل، عالم النمل يتكون من ذكور وأناث وشغالات. الذكور والإناث القادرات على الإنجاب، لهن أجنحة. لكن الإناث يقمن بنزع أجنحتهن بعد رحلة الطيران وعرس التزاوج الجماعي.

الذكور تموت بعد ذلك بفترة قصيرة. فلم يعد لهم فائدة. بينما تغيير حجم الصورةشغالات النحل تشبه كل منها الأخرى، إلا أن شغالات النمل يمكن تقسيمهن إلى عدة مجموعات.

مثلا، بالنسبة لنمل الغابات، إلى جانب الملكة، توجد الشغالات كبيرة الحجم والشغالات صغيرة الحجم. التباين في الحجم له علاقة بالتخصص في العمل. النمل صغير الحجم عادة يعمل داخل العش. بينما كبير الحجم فيعمل خارج العش. أنواع أخرى تنقسم شغالاتها إلى أكثر من مجموعة. لكل منها أجسام مختلفة الشكل.

هناك إلى جانب الشغالات العادية، أفراد لها رأس كبيرة جدا تسمى عادة الجنود. وظيفتها الأساسية، هي تفتيت الطعام الصلب، مثل الحبوب الجافة أو ما شابه. كبر حجم الرأس لا يعني كبر حجم المخ. مخ النملة كبيرة الرأس، لا يزيد بحال من الأحوال عن حجم مخ النملة الشغالة العادية.

بعض أنواع النمل (Colobopsits)، تبني عشها في جذوع الأشجار. توصلها بالخارج عن طريق ممر ضيق لا يسمح بمرور أكثر من نملة في آن واحد. وتوجد شغالات متخصصة بداخل العش عددهن صغير. لكل منهن رأس كبيرة مفلطحة من أعلاها. في حجم الفتحة التي في مدخل العش.

بعد أن تدخل النملة بجسدها، تغلق الفتحة برأسها كما نغلق نحن الزجاجة بالفلين. شكل الرأس من الخارج بعد أن تغلق الفتحة، لا يمكن أن تميزه عن باقي جذع الشجرة.

تظل النملة البوابة هكذا لمدة ساعات، لا تسمح لباقي النمل بالدخول للعش، إلا بعد أن يقمن بالطرق طرقا خفيفا على الرأس، باستخدام قرني الإستشعار، وبعد التعرف عليهن من رائحتهن.

إذا تصادف أن الفتحة أوسع قليلا من رأس النملة البوابة، يستخدم النمل مادة شبه عجينة الورق إلى جانب الرأس لغلق الفتحة تماما. إذا كانت الفتحة كبيرة نوعا ما، لزم الأمر أكثر من رأس لغلقها.

استخدام البوابين لحراسة مداخل العمارات والحارات معروف منذ القدم. لكن النمل يتميز بأنه يستخدم راسه لهاذا الغرض. التي تشبه غطاء القارورة الفلين. بعد أن يقوم، في نفس الوقت، بعملية تمويه وإخفاء أعلى الرأس، حتى لا يظهر من الخارج،. وبعد أن يتحقق من شخصية القادم ببصمة الرائحة وكلمة السر خلال الطرق بقرون الإستشعار.

في الأماكن المعتدلة المناخ، يمكن في بعض الأحيان مشاهدة سرب من النمل ذي الأجنحة. لكن سرب النمل يختلف عن سرب النحل. بالنسبة لسرب النحل، تنقسم المستعمرة إلى قسمين. الملكة الأم كبيرة السن، تترك الخلية ومعها نصف الشغالات. النصف الباقي يختار ملكة جديدة من بينهم.

لكن عندما يترك سرب النمل ذو الأجنحة العش، فهم فقط ذكور وأناث صغار السن يبغون التزاوج. الذكور تموت مباشرة بعد الزواج وليلة الدخلة. والأناث (الملكات) تفقدن أجنحتهن، لأنهن لايحتاجنها ولم تعد مفيدة. بعد ذلك، الملكة إما تعود إلى العش الأصلي، أو تذهب بعيدا لتكون عش جديد.

عندما تريد ملكة النمل تكوين عش ومستعمرة جديدة، تبحث بمفردها عن مكان، أو تحفر نفقا في جذع شجرة، ثم تغلق المدخل من الداخل. داخل هذا المكان، تقضي بمفردها عدة شهور قد تمتد في بعض الأنواع إلى أكثر من عام. تكون خلال هذه المدة في حالة عزلة تامة، كأنها راهب في صومعة.

تضع كومة من البيض وتعتني بالصغار. تتغذى خلال هذه المدة على عضلات صدرها التي كانت تساعدها في الطيران. تطعم صغارها من إفراز غدة في جسدها ومن كمية البيض الزائدة عن الحاجة.

عندما تبدأ صغار النمل الخروج من شرانقها، أول شئ تفعله هو فتح باب العش. ثم يتولين بعد ذلك، الأعمال اللازمة لبقاء العش. معظم أنواع النمل تؤسس أعشاشها بهذه الطريقة.

النمليشبه في ذلك النحلة الطنانة، التي سبق ذكرها من قبل.في بعض الحالات تعود الملكة إلى عشها الأصلي أو إلى عش من نفس النوع. حينئذ، يرحب أفراد العش بها، وبهذا يصبح العش له أكثر من ملكة.

بخلاف شغالات النحل، شغالات النمل تعيش لعدة سنوات. والملكة تعيش مدة أطول. هنري كوتر، عالم الحشرات السوسري، قام بوضع ملكة، نمل من النوع البني العادي الموجود في الحدائق (Lasius niger)، في صندوق زجاجي وراقبها لمدة 29 سنة. أنواع أخرى، وجد أن ملكاتها تتراوح أعمارهن بين 15 و 20 سنة.

لأن الملكة تُلَقّح مرة واحدة في حياتها، لذلك تقوم بتخزين كمية كبيرة جدا من السائل المنوي داخل جهازها التناسلي. وجد أن عدد الحيوانات المنوية داخل ملكة النمل قاطع الأوراق، بلغ 320 مليون حيوان منوي.

الملكة لا تفعل أي شئ بجانب كونها مصنع لإنتاج البيض. الشغالات يقمن بعدة أعمال متنوعة. عملهن الأساسي هو العناية بالصغار، البيض حتى يفقس واليرقات حتى تتشرنق. تقوم اليرقة في نهاية دورتها بغزل شرنقة من الحرير حول نفسها، تقضي مدة التشرنق داخلها.

إلى جانب العناية بالصغار، تقوم الشغالات بالدفاع عن العش. وهن، مثل النحل والذنابير، مؤهلات لذلك. فالشغالات يقومن بوضع السم، من غدة داخل أجسامهن، في الجروح الناتجة من قرص الضحية. النمل الذي يعيش على لحوم الحشرات، يقوم بمهاجمة الحشرة وإدخال السم في جسدها، وسحبها حية أو ميتة إلى العش.

لكن ليست كل أنواع النمل تعيش على لحوم الحشرات. بعضهن يفضلن الرحيق الشهي الآتي من النباتات أو الذي تنتجه حشرة المن (Aphids).

لا حظت يوما أن حشرة صغيرة فى حجم البرغوث لونها أخضر (حشرة المن), تتغذى على أوراق شجرة الخوخ الموجودة فى فناء منزلى. ولاحظت أيضا أن هناك نمل كثير يجري حول هذه الحشرة. اعتقدت أن النمل يتغذى على الحشرة. ولكثرة النمل قلت فى نفسى أنه سوف يقضي على الحشرة ولا داعي للقلق.

لكنني بعد عدة أيام وجدت أن الحشرة تزداد أعدادها، مسببة أضرارا كبيرة لأوراق الشجرة وخصوصا البراعم الصغيرة. عند الرجوع إلى أحد الكتب المتخصصة فى أمراض النباتات, وجدت أن النمل يقوم بتربية هذه الحشرة , كما نربي نحن الماشية.

أى يقوم بحراستها ونقلها من فرع إلى فرع ومن شجرة إلى أخرى، حتى تسمن وتكبر وتدر عليه من رحيقها الشهي ما يحتاجه. إنه يقوم بتربية هذه الحشرة، كما نقوم نحن بتربية الماشية طلبا للبن.

ربما نكون فخورين بأنفسنا لأننا اكتشفنا الزراعة منذ آلاف السنين. لكننا لسنا أول المزارعين. ففي أعجب فصل من فصول التطور, تحولت مجموعة من النمل إلى مزارعين، يقومون بزراعة عش الغراب منذ 50 مليون سنة. ولا يزالون يقومون بهذا العمل الناجح حتى الآن, مع التغلب على مشاكل الآفات التى نعاني نحن منها اليوم.

النمل الذى يقوم بزراعة عش الغراب يعيش فى الغابات الإستوائية فى كل أنحاء العالم. طابور من النمل كبير الحجم يغادر العش كل يوم. يسير بحثا عن الأشجار والغصون.

يتسلق النمل الأشجار، ويقطع أجزاء من أوراقها, ثم يعود بها إلى العش فيما يشبه العرض العسكري أخضر اللون. يترك هذا النمل أوراق الشجر لمجموعة ثانية من النمل أصغر حجما، تقوم بتقطيعها إلى أجزاء صغيرة. ثم تسلمها إلي مجموعة ثالثة أصغر، لتقوم هى بدورها بتقطيعها إلى أجزاء أصغر, وهكذا..إلى أن تتحول أوراق الشجر إلى عجينة.

قبل القطع مباشرة وفصل جزء الورقة من الشجرة، لاحظ العلماء وجود شغالة صغيرة جدا في الحجم، تأتي لكي تقف على الجزء الذي تهم الشغالة كبيرة الحجم بقطعه وحمله للعش، كأنها تقوم بمراقبة العمل والتأكد أنه يسير على أكمل وجه، أو كأنها طفل يبغي الركوب مجانا.

ما سبب هذا السلوك العجيب؟ السبب أنه هناك ذبابة تأتي وتضع بيضها على رقبة النملة الشغالة الكبيرة بينما هي منشغلة بقطع الورقة. عند الفقس، تقوم يرقات الذبابة باختراق رأس النملة، وأكل مخها من الداخل.

وظيفة الشغالة صغيرة الحجم هي هش الذباب عن الشغالة الكبيرة أثناء عملها المنتج. عند العودة للعش، تقوم الشغالة الصغيرة بعمل إضافي، هو العناية بمزرعة الفطر بالداخل.

لماذا إذن هي نملة صغيرة الحجم جدا، ولماذا لا يستخدم النمل نملة أخري كبيرة الحجم لهذا الغرض؟ لكي يسهل حملها مع ورقة الشجر المقطوعة. قمة في التخصص وعبقرية الأداء. الشخص المناسب للوظيفة المناسبة.

يقوم النمل بفرد عجينة أوراق الشجر فوق مزرعة من الفطر (عش الغراب) داخل العش. فينمو الفطر خلال عجينة الأوراق, ويقوم النمل بجني محصوله الشهي والغني بالمواد الغذائية من أجزاء معينة من الفطر. لأن النمل لا يستطيع هضم أوراق الشجر مباشرة, فيترك هذا الأمر لفطر عش الغراب.

النمل قاطع الأوراق هذا، يستخدم مضادا حيويا لقتل الفطريات الطفيلية التي تنمو على نبات عش الغراب المزروع. هذا الفطر الطفيلي يمكنه، إن لم يعالج في حينه، أن يقضي على المزرعة بالكامل فى عدة أيام فقط.

وجد العلماء أن جسم النملة مغطى بطبقة باكتيريا الستربتوماسيس, التي يستخرج منها المضاد الحيوي الستربتومايسين. الباكتيريا تنتج مركب كيميائي يقتل الفطر الطفيلي أثناء قيام النمل برعاية المزرعة.

أنواع النمل التي تعيش في المناطق معتدلة المناخ، لا تقوم بتخزين الطعام لفصل الشتاء. عندما يأتي الشتاء، ينسحب كل الأفراد إلي داخل أعماق العش. يباتون بياتا شتويا لمدة عدة شهور بدون أكل. تنخفض درجة تمثيلهم الغذائي خلال هذه المدة إلى أقل ما يمكن، إلى أن يأتي وقت الصيف.

كيف يبني النمل مسكنه؟ بالطبع هذا يعتمد على نوع النمل. أبسط المساكن هو الذي يبنيه نمل أستراليا (Myrmecia dispar). الذي يتكون من مجرد ممر مفحور في الأرض، تتفرع منه عدة نتوءات.

في البداية، تحفر الملكة ممر رأسي في نهايته غرفة. تضع بها البيض، وتقوم برعاية البيض حتى يفقس واليرقات حتى تخرج من الشرنقة. عند خروج الشغالات الأوائل، يبدأن في توسيع مساحة العش بزيادة طول الممر رأسيا إلى أسفل، ثم حفر نتوءات أفقية متفرعة من الممر الرأسي.

النتوءات البعيدة عن سطح الأرض تستخدم في وضع البيض ورعاية اليرقات. النتوءات القريبة من السطح، تستخدم لدفن الموتي وللتخلص من الشرانق الخالية بعد الفقس.

تستخدم النتوءات القريبة أيضا لتخزين ما يتبقى من الطعام. وبالطبع، مثل هذا النوع من العشوش ليس من السهل كشفه. لأنه عبارة عن ثقب صغير في الأرض، يكفي لدخول وخروج النملة.

نمل الخشب الأحمر كبير الحجم، المنتشر في أوربا وآسيا (Formica rufa)، عدد أفراد عشه لا تعد بالمئات، مثل نمل أستراليا صغير الحجم، وإنما بمئات الألوف. عش نمل الخشب الأحمر يبدو من الخارج مثل التل أو الكومة التي قد يبلغ إرتفاعها أطول من قامة الإنسان. ويمتد إلى أسفل تحت الأرض بنفس العمق تقريبا.

لكي يقوم نمل الخشب الأحمر بتقوية أجزاء العش، التي تقع في باطن الأرض، يستخدم في البناء نوعا من الملاط الناتج عن خلط التراب بسائل تنتجه الشغالات من غدة في جسمها.

يبدأ بناء العش عندما تبدأ مجموعة شغالات بالحفر في أرض مناسبة. تقومن بعمل ثقوب متسعة توصلها ببعضها بممرات. ثم يقمن بإخفاء مداخل العش التي تقع على السطح. يقمن بجمع قطع الخشب الصغيرة وبرادة الخشب والأشواك والفروع الجافة الصغيرة والحشائش الجافة وما شابه.

إذا كانت قطعة الخشب صغيرة، تقوم نملة واحدة بحملها والعودة بها إلى العش مسرعة. وإذا كانت كبيرة ثقيلة الوزن، تتعاون أكثر من نملة على جرها للعش.

من هذه المواد، يبني تل النمل فوق العش الأرضي على شكل قمع أو ناقوس مقلوب. المواد الدقيقة توضع على السطح الخارجي، الذي يحتوي على عدة فتحات، هي أبواب ومداخل العش.

هذ الفتحات ليست دائمة. عددها ومكانها دائم التغيير. أثناء الليل وفي أيام الطقس البارد، يقوم النمل بغلق هذه الأبواب بمواد من العش، كما نغلق نحن الشبابيك حتي يحافظ على حرارة العش من الداخل.

بالرغم من أن تل النمل يبدو من الخارج أنه ثابت كامل البناء، لكن في الواقع، عملية البناء لا تتوقف لحظة واحدة. بالإضافة لفتح وقفل المداخل، تقوم الشغالات بتغيير وضع مواد البناء نفسها وتبديلها. الأجزاء الداخلية تصبح خارجية، والخارجية تصبح داخلية. السبب هو حماية مواد العش، وهي كلها مواد عضوية، من العفن بسبب الرطوبة.

ربما تتساءل، لماذا يبني النمل بيته بهذه الطريقة؟ أي نصفه تحت سطح الأرض والنصف الآخر فوق سطح الأرض على شكل كومة أو تل في هيئة ناقوس مقلوب. لماذا هذا الجهد الغير ضروري؟ أليس من الأفضل الإكتفاء بجزء العش الموجود تحت الأرض وزيادة حجمه إذا لزم الأمر؟

السبب، ونحن لا يجب أن نخجل من التعلم من هؤلاء المهندسين الصغار، هو تدفئة العش بحرارة الشمس في الصباح والمساء. فالتل يبنى بزاوية تجعل جدار العش فوق الأرض تتعرض لأكبر قدر ممكن من أشعة الشمس في الصباح، وعندما تذهب الشمس للجهة المقابلة، يتعرض باقي العش لأكبر كمية من أشعة الشمس في المساء.

إذا لم تكن أشعة الشمس كافية لتدفئة العش، تذهب الشغالات بأعداد كبيرة خارج العش. عندما تسخن أجسادها من أشعة الشمس، تعود بأجسادها الدافئة إلى العش، وتنقل الحرارة والدفئ إلى المكان الأكثر حاجة. ثم تذهب مجموعة أخري لتفعل نفس الشئ.

ليست نملة الخشب هي الوحيدة بين عالم النمل، التي تبني عشها على هيئة تلال. هناك أنواع أخرى تبني تلالا أيضا، لكن أصغر حجما. نملة الحدائق بنية اللون، ونملة المروج الأصغر حجما صفراء اللون (Lasius)، تبني تلالا متواضعة باستخدام الأعشاب وأجزاء النباتات.

في الغابات الإستوائية بجنوب آسيا، يتصادف وجود عش نمل معمول من ورق الشجر في شكل مستدير أو بيضاوي. هذا النوع من النمل كبير الحجم أحمر اللون يسمى النمل الحائك أو الناسج (Oecophylla). العش مصنوع من ورق الشجر، والأوراق محاكة ببعضها بخيوط من الحرير.

الشئ الذي حير العلماء مدة طويلة، هو علمهم أن النمل ليست لديه غدة تنتج خيوط الحرير مثل العنكبوت مثلا. فمن أين تأتي خيوط الحرير المستخدمة في حياكة الأوراق،بعضها ببعض بهذه الحرفية النادرة؟

إنهم يعرفون أن يرقات النمل تستطيع إنتاج الحرير لعمل الشرنقة التي تتحول النملة داخلها إلى حشرة كاملة. لكن هذه المعلومات لا تفيد، لأن يرقات النمل عاجزة عن فعل أي شئ بنفسها، تعتمد اعتمادا كليا على الشغالات في الغذاء والإنتقال من مكان لآخر. ويعتبر من المستحيل أن تزحف اليرقات لكي تقوم بهذا العمل بنفسها.

لحل هذا اللغز، قام أحد العلماء بتسلق الشجرة التي بها عش النمل المصنوع من ورق الشجر، وعرض نفسه لقرص النمل الموجع وهو يقوم بقطع العش بآلة حادة، ومراقبته.

لكن جهده لم يذهب هباء، إذ سرعان ما وجد مجموعة من الشغالات تأتي إلى أحد جانبي القطع ويثبتن أنفسهن بأرجلهن الخلفية في حافة ورق الشجر المبني بها العش، ثم بأرجلهن الأمامية وأفواههن، يقمن بجذب الحافة الأخرى للقطع في اتجاه تضييق الفتحة.

إذا كانت الفتحة من الإتساع بحيث لا تستطيع نملة واحدة قفلها، تشترك أكثر من نملة في هذا العمل. بأن تمسك كل نملة الأرجل الخلفية للنملة التي أمامها. بذلك تكون سلسلة من النمل. وبمساعدة الريح، تمسك النملة نهاية السلسلة بحافة العش المقطوعة البعيدة. ثم يستمر الجذب إلى أن تقترب الحافتان.

الأعجب من ذلك هو ظهور،عند هذه اللحظة، مجموعة من الشغالات يحملن يرقات كاملة النمو. تضغط الشغالةعلى فم اليرقة التي تحملها في إتجاه الحافة المقطوعة الأولي ثم الحافة المقطوعة الثانية في حركة مثل حركة المكوك، فتنتج خيوط الحرير التي تحيك الحافتين ببعضهما.

اليرقة التي تستخدم ما تنتجه من حرير في بناء العش، لا تستطيع بناء شرنقة لكي تتحول داخلها إلى حشرة كاملة كباقي اليرقات.

بالرغم من تنوع مواد البناء، من بيئة لأخرى، التي تستخدمها أنواع النمل المختلفة، إلا أن التصميم الداخلى للعش متشابه. فالعش من الداخل يتكون أساسا من عدة غرف متصلة ببعضها بأنفاق وممرات. الغرف تستخدم لمعيشة النمل وتربية صغاره، البيض حتى يفقس واليرقات حتى تتشرنق.

في بعض المناطق الإستوائية وشبه الإستوائية، يقوم النمل بتخزين طعامه خوفا من فترات الجفاف والقحط. أثناء فترة المطر ونمو النباتات ونضج الحبوب، يقوم النمل بجمع أكبر كمية من المحاصيل وتخزينها في الغرف الداخلية للعش. كمية كبيرة من الغلال في مناطق الشرق الأوسط وأمريكا الشمالية، تختفي تحت الأرض بهذه الطريقة.

النمل الذي يعيش في الأماكن الصحراوية في أمريكا الشمالية (Myrmecocystus)، يجمع رحيق النباتات الغني بالقيمة الغذائية. لكن كيف يقوم هذا النمل، وهو يفتقد مهارة صنع الأواني محكمة الغلق، بتخزين غذائه السائل لوقت الحاجة؟

هذه أعجوبة من أعاجيب النمل، وقصة أخرى فريدة من قصص عالم الأحياء التي تحير العقول. يقوم النمل بإطعام بعض الشغالات بالرحيق الشهي حتى تنتفخ بطونهن مثل البالونة وتصبح في مثل حبة الباذلاء الكبيرة.

ثم تُعَلّق الشغلات، التي تحولت إلى جرار وأوعية تخزين حية،من سقف غرف الخزين في العش. تظل الشغالات المنتفخة بطونها بالرحيق في هذا الوضع بدون حركة، مدة شهور عديدة، حتى يأتي وقت الحاجة. عندها، تبدأ تفريغ ما في بطونها على باقى أفراد العش، نقطة نقطة عن طريق الفم.

هل تعرف الشئ الذى تتجنبه كل حيوانات الغابة بدون إستثناء؟ ليس الأسد ولا النمر ولا الثعبان أو التمساح. إنما هو طابور النمل الذى يعيش فى أمريكا الجنوبية وأفريقيا.

هذا النوع من النمل يأكل اللحوم. لا يعرف للخوف معنى. ليس له عش, إنما يسير هائما فى شكل طابور عسكري، عرضه ثلاثة أمتار وطوله مائة متر. الملكة تسير مرافقة للحشد، الصغار تتحرك مع الطابور محمولة بالشغالات.

هذا النمل لا يبقي ولا يذر. أى شئ لا يستطيع أن يقف فى طريقه. يتسلق الأشجار بحثا عن صغار الطير, يصعد التلال، يطوف الفيافي والقفار. إذا دخل منزلا, بعد أن يلوذ سكانه بالفرار, يتركه خالي من أي حياة. خالي من كل صرصار أو فأر أو برغوث أو بقة فراش.

في خلال دقائق يتحول الأسد إلى هيكل عظمي. سر قوة هذا النمل, بالرغم من كونه نمل أعمى, هي الشجاعة والتضحية بالنفس. حياة الفرد ليست لها قيمة, إنما حياة المجموع هى كل شئ.

إذا كنت تعتقد أن البشر هم الذين اخترعوا نظام العبودية, فأنت مخطئ. لأن النمل قد سبقنا بملايين السنيين إلى إستخدام نظام العبيد. يقوم النمل السيد أو المفتري والذى يتسم بالكسل والغباء, بالغزو والإغارة على فصائل أخرى من النمل الأكثر ذكاء وقدرة على العمل الشاق.

لأن الغزاة أكبر حجما وأكثر شراسة, يصعب مقاومتهم. يقوم النمل المهاجم بقتل كل من يقاومه من النمل الضعيف, ثم يتجه مباشرة إلى سرقة اليرقات وحملها فخورا إلى عشه الأصلى.

عندما تفقس اليرقات، لا تدري أنها أطفال غير شرعية، تعيش مع قطاع طرق ووحوش ضارية. تعتقد خطأ أنها تعيش وسط أهلها وعشيرتها، بين أخواتها الشقيقات. فتقوم بخدمتها بإخلاص، وإعداد الطعام لها، والعناية بأطفالها ويرقاتها، وتنظيف الخلية من النفايات، ودفن الأموات، والدفاع عن العش حتى الموت.

بينما السادة الظلمة المجرمون, يتفرغون للإنجاب والأكل ولعق الأطراف وتلميع الشوارب والراحة والاستجمام. لا يساهمون فى أى عمل منتج. يصل بهم الأمر إلى العجز الكلي عن العمل. تجدهم لايستطيعون حتى إطعام أنفسهم.

الغريب أن هذا النمل البلطجي الصايع, لا يعيش إلا فى البلاد الباردة. ربما كانت البرودة لها دخل فى قسوة القلوب وتحجر العقول. وقد تكون سببا مباشرا فى حملات الغزو الإستعمارى والهيمنة التى تأتينا مع الرياح الشمالية. فليس كل ما يأتي من الغرب يسر القلب.

كيف يتخاطب النمل؟ ليس بالصوت ولا بالإشارات, إنما بالكيمياء. النمل يستخدم فى ذلك مادة الفرمون. تنتشر فرق الجوالة والاستطلاع للنملفي كل مكان. كل نملة بمفردها.

تترك خلفها أثرا من مادة الفرمون، الذي تفرزه غدة في جسمها، تساعدها على العودة إلى العش. عندما تكتشف النملة مصدرا للطعام, تعود على نفس الأثر الكيميائي، مع إضافة المزيد من الفرمون عليه, مما يجعل الأثر أكثر حدة.

عندما تجد نملة أخرى الأثر الموصل إلى الطعام, لا تضيع وقتها بالبحث من جديد, بل تسلك الأثر الموصل للطعام, وتضيف إليه من فرمونها هي الأخرى. بذلك تستطيع النملة معرفة مكان الغذاء وكميته بمجرد فحصها للأثر وكمية الفرمون به. قصاصة أثر ممتازة.

إذا قل الغذاء, قل عدد النمل, وبالتالي قلت كمية الفرمون الموجودة في المسار. لأن الفرمون القديم سريع التبخر. فرمون النمل أكثر من نوع. أحدها لتحديد مكان الطعام, والثاني لتحديد مكان العش الجديد, والثالث للإنذار بالخطر وهكذا.
تغيير حجم الصورة

عند عبور مجرى مائي ضيق, يقوم النمل بعمل كوبري من أجسادهم, بأن تتداخل الأرجل وتتشابك الأطراف مع بعضها البعض حتى الموت، لكي يقوم باقى النمل بالعبور فوق أشلائها.

وعند عبور النهر, يقوم النمل بعمل قارب أو سفينة من أجساد الغرقى. مثل الطوف, يعتليه باقي الأفراد. ويسير مع التيار هنا وهناك حتى يلقيه اليم إلى شاطئ النجاة. مثل سفينة نوح, أو قارب كولومبس إلى العالم الجديد.

هل تعلم أن النمل مجتمع ديموقراطى؟ نعم هو كذلك.فعندما يشعر بعض الأفراد بعدم صلاحية موقع عشهم الحالي, ويريدون الانتقال إلى موقع جديد. ماذا يفعلون؟ إنهم يحسمون الأمر بعمل استفتاء شعبي. النحل يعقد مؤتمرا انتخابيا. رجاء الرجوع للمقالة السابقة عن النحل.
تغيير حجم الصورة
النمل الذى يود الإنتقال، يقوم بحمل الصغار والمتاع إلى الموقع الجديد. المعارضون والذين يفضلون التريث وعدم الانتقال, يسيرون صفر اليدين، في طابور آخر مواز للطابور الأول.

عند الوصول إلى مكان العش الجديد, يحمل الطابور المعارض، الصغار والأمتعة عائدا إلى العش الأصلي. تستمر هذه العملية، طابور رايح وطابور جاي، إلى أن تنتصر الأغلبية على الأقلية. بهذا التصويت العملي الرائع، الذي لا مكان فيه للتزوير أوالعزل السياسي. لأن الأمور المتعلقة بالحياة، ببساطة، لا تحتمل التزوير.

zakariael@att.net

عن هاني سلام

شاهد أيضاً

عالم العناكب

بقلم: محمد زكريا توفيق في المقال السابق ذكرت أن عدد أنواع الحيوانات المعروفة للإنسان بما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *