واقع التعليم العالي في الجزائر في ظل التكنولوجيا الحديثة تحديات .. وآفاق

كتبت يسمينة بن عمار – الجزائر

عرف قطاع التعليم العالي في الجزائر في السنوات الأخيرة تحولا ملحوظا، حيث شهد اندماج المؤسسات ضمن البيئة التكنولوجية الحديثة، وتسخير كل الآليات المناسبة للارتقاء بمستوى التعليم ومستوى التكوين، حيث يشكل قطاع التعليم العالي مجالا لتحقيق التنمية على مختلف الأصعدة ولا سيما المجال المعرفي، ويرى الكثير من الملاحظين والمتهتمين أنه من الضرورة ولوج الجامعة الجزائري هذا المجال ولا سيما مع الجهود الساعية في توظيف وسائل التكنولوجيا الحديثة في القطاع وتشجيع الاستثمار في هذا المجال، إلى جانب حرص الدولة على السير نحو بناء الطريق للاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، وتشجيع الطاقات في ظل واقع يحمل العديد من التطلعات والتحديات من خلال تحقيق الانفتاح على البيئة الرقمية الجديدة ومواكبة مصاف الجامعات العالمية.

يشكل  التعليم العالي أحد محركات التنمية للمجتمعات، كونه مجالا حيويا لنقل الخبرات المعرفية والعلمية، كما تشكل الجامعة قمة النظام التعليمي الشامل لمختلف التخصصات في ظل تحقيق نظام تعليمي متعدد الأبعاد، ووسط تكامل ثلا ث محاور أساسية  تؤسس للعملية التعليمية السليمة( التدريس، البحث، مخرجات ذات كفاءة)،ووفق إستراتيجية واضحة ترصد الارتقاء بالعمل الأكاديمي، وتعمل على تطوير إتجاهاته المستقبلية لتحقيق التنمية في هذا المجال.

وتعتبر الجامعة الجزائرية من المؤسسات الخدماتية التي تسعى إلى إيجاد الآليات المثلى لمواكبة تحولات العصر، حيث بات من الضروري على الجامعة دخولها الفضاء التكنولوجي وبذلك تضمن جودة التعليم فيها وتحقق التمكين المطلوب من خلال تكريس بنية  تتوافق ومتطلبات التحديات التي يقوم عليها القطاع وسط جهود حثيثة لتطوير الإمكانيات، وسعي لتسخير آليات تكنولوجيا الاتصال والمعلومات ،وتحقيق التحول على مستوى قطاع التعليم العالي بما يسمى بتكنولوجيا التعليم العالي. وعن قراءة لواقع التعليم العالي في الجزائر يقول الدكتور فؤاد جدو أستاذ العلوم السياسية بجامعة بسكرة بالجزائر:” أن قراءة الواقع تقوم على مؤشرين هما جودة التعليم وثانيهما مخرجات مؤسسات التعليم وعلاقتها بسوق العمل، بالنسبة لجودة التعليم العالي أساسها الاستثمار في رأس المال البشري، والذي يرتبط بطبيعة التخصصات والمقررات ومدى قدرة الجامعة إلى جانب حصر إحتياجات السوق، أما مخرجات مؤسسات التعليم العالي فتتحدد من خلال تخصصات تستجيب لتطلعات سوق العمل.” كما يلاحظ الأستاذ أن هناك خلل في سوق العمل في الجزائر، ومدى تلبية إحتياجات سوق العمل ولا سيما في القطاعات الفنية في ظل أن المخرجات ترتكز على مجالات العلوم الإنسانية، والتي تعرف استقطابا كون أن الطلبة يتجهون له كقطاع ضامن.”

ويضيف :”أنه تم في الجزائر تحقيق أرقام على مستوى المؤسسات والهياكل حيث بات في كل ولاية تقريبا جامعة، وكل ولاية بها أقطاب وليس فقط جامعات، وعلى مستوى البحث العلمي تشهد الجامعة زيادة في النشر الجامعي وفي عدد المقالات في المجلات العلمية الجزائرية إلى جانب قدرة الجامعة على إستيعاب الطلبة..”

إن الإطار المفهومي لتكنولوجيا المعلومات والاتصال على مستوى مؤسسات التعليم العالي في الجزائريتحددمن خلال عوامل التنظيم، عوامل مؤسسات التعليم العالي، خصائص الأستاذ، خصائص الطلبة، مخرجات العملية التعليمية، وهناك سعي دؤوب لتحقيق تفاعل إيجابي بين هذه المحاور بإعتبارها مقومات أساسية يقوم عليها نجاح التعليم العالي وتحقيقه لأهدافه.

إن توظيف الجامعة الجزائرية لتكنولوجيا المعلومات والاتصال( تكنولوجيا التعليم العالي) يتحدد في ضوء تحديد الهدف من سياسة التعليم وقوامه هو الارتقاء بمستوى القطاع ، وتحسين خدمات الجامعة، وتحسين الآداء  بمايسير نحو تحقيق تنمية عبر كل المجالات والتخصصات. وعن توظيف تكنولوجيا الإعلام والاتصال في الجزائر يقول الدكتورزكرياء بن صغير أستاذ إعلام واتصال بجامعة بسكرة بالجزائر:” أن توظيف التكنولوجيا في إدارة التعليم العالي هو  ما نشهده في قطاع التعليم في الجزائر مع بعض التحفظ في الأسلوب والاستخدام كما أن استخدام التكنولوجيا في التدريس بالتعليم العالي يشهد تأخر مقارنة بالتطور التكنولوجي.” وعن الإستراتيجية المتبعة في استخداماتريضيف الأستاذ:” أنه لا توجد إستراتيجية واضحة لاستخدامات التكنولوجيا في قطاع التعليم العالي بالجزائر وهذا لنقص التدريب والقرارات الإستعجالية في القطاع.”

إن متطلبات استخدام التكنولوجيا يتأتى من خلال توفير البنية التحتية وتطوير البرامج ويتحدد ذلك من خلال توفير احتواء لفضاء الإدارة الإلكترونية على مستوى كل هياكل الجامعة الجزائرية وأقسانها ومرافقها من ذلك نذكر فتح فضاء التسجيل الإلكتروني، المكتبة الرقمية، بوابات البحث…

أما المدخل الثالث ويتحدد من خلال تقييم الطلبة ورصد النتائج وذلك ن خلال التقويم المستمر وتحقيق المتابعة المستمرة ولا سيما مع تطبيق الجامعة لنظام LMD والذي تحاول الجامعة تكييفه بما يتماشى وتحقيق الأهداف.

أما على مستوى البحث العلمي فهناك تشجيع لآفاق البحث العلمي و يتحدد ذلك من خلال تشجيع الفضاءات البحثية التي تفتح آفاقا للبحث في آليات التكنولوجيا الحديثة، وذلك من خلال إعطاء قراءة للقضايا الراهنة في ظل البيئة الرقمية الجديدة أو البيئة التي أنتجها الإعلام الجديد  ويظهرمن خلال إعطاء مقاربات نظرية أو تحليلية توسع من آفاق البحث والاقتراب أكثر من البيئة الجديدة وإستقرائها من مختلف التخصصات والقيام بإعداد المشاريع البحثية وحصر نتائجها في خدمة البحث العلمي وتحقيق التنمية.

وإن الاهتمام بتسخير هذه الآليات، وتحقيق التكوين والإبداع يتأتى من خلال السير في خطى ترتكز على استغلال الوسائط التكنولوجية، وخلق فضاء رقمي للجامعة على اعتبار أن نجاح أي مجال يتأتى بالتفاعل الإيجابي والمتغيرات الحديثة، والذي استوجب من القطاع رسم المساعي لتحقيق الأهداف ،من خلال احتواء البيئة الجديدة للجامعة  الجزائرية، وذلك من خلال تطوير شبكة الاتصالات، واستخدام الوسائل الحديثة في التسيير والتكوين،و توظيف وسائط الإعلام الجديد في تحقيق هذه الإستراتيجية ،وفتح فضاء التعليم عن بعد أو فتح فضاء التظاهرات العلمية عن بعد.  وفي هذا الجانب يقول الأستاذ جدو فؤاد:” في مجال استثمار التكنولوجيا خطت الجزائر خطوات ثابتة ولكن بطيئة ( التسجيل الإلكتروني، تحديث وتطوير مواقع الجامعات وربطها بشبكات جامعية)، فالجامعة انتقلت إلى وضع التعليم عن بعد المحاضرات عن بعد، معالجة البيانات بين الأستاذ والطالب، ونظام المودل أو التعليم الإلكتروني من خلال وضع المحاضرات والدروس عن بعد و قوقل سكولار كآلية لتطوير الباحث والأستاذ.”

ويعتبر فضاء العمل البيداغوجي واحدا من أهم مظاهر التعليم العالي والذي يتطلب من الجامعة وخاصة الأستاذ باعتباره المترتكز الأساسي في العملية التعليمية توظيف الأدوات والموارد الرقمية من خلال تدبيرتوجيه الطلبة وإعداد السيناريوهات التي ترتكز على تكريس الجانب الإبداعي والعمل على التشجيع والاندماج ضمن العملية البحثية، والإستعانة بمحركات البحث وفضاءات البحث على مستوى المكتبات أوالبوابات التي أتاحتها مراكز البحث العلمي التابعة للجامعات من مخابر أو مؤسسات، إلى جانب الإنضمام إلى المجموعات العلمية، والمنتديات وإنشاء المدونات، ضف إلى ذلك اكتساب مفاهيم ومنهجيات البحث العلمي، ووضع الخطوات المنهجية  من خلال الانخراط في مواقع بحثية خاصة بالباحث العلمي، ووضع الآليات المناسبة من خلال توظيف المعارف وتنمية المهارات، وتشجيع الإنتاج مثال ذلك الفضاءات الأكاديمية البحثية التي يسعى من خلالها الأساتذة إلى خلق فضاء تواصلي مع الطلبة حول المواضيع المقررة، والخروج من النمط التقليدي إلى النمط الحديث التفاعلي. وهناك تجارب كثير ة في هذا الجانب سواءا على مستوى المؤسسات التعليمية والباحثين ، وبين الأساتذة فيما بينهم ، أو أساتذة وطلبة ، أو بين طلبة وطلبة، ما يتيح فتح فضاءات تعليمية تشاركية أساسها المنتديات ومجموعات بحثية أكاديمية بمختلف التخصصات والمستويات( ليسانس، ماستر، دكتوراه)، غير أن الباحثين والمهتمين بهذا المجال حاولو توظيف التكنولوجيا في التدريس خلال مراحل لكن غياب التشجيع والتسهيلات حال دون ذلك ،غير أنها فكرة مشجعة تحتاج إلى جهود متكاملة من الإدارة والأساتذة والطلبة. ويسير هذا في إطار النظام التعليمي الممنهج وتحقيق المتابعة للوصول في الأخير إلى مخرجات قادرة على خدمة المجتمع وتحقيق تنميته.

ويرى الأستاذ “فؤاد جدو”:أن تغيير نظام التعليم الجزائري والانتقال من النظام الكلاسيكي( نظام المعاهد) إلى نظام الكليات ( ليسانس،ماستر،دكتوراه)، أفرز جيلا جديدا من حاملي الدكتوراه، وخلق نوعا من التنافسية بين طلبة الكلاسيك وطلبة LMD، كما ساهم في الانفتاح على الجامعات العامة والبحث.” مما يخلق ما يسمى بجودة التعليم العالي ويرى الأستاذ فؤاد  جدو في هذا الجانب:”أن تحقيق الجودة في كل جامعة مرتبط أساسا بأن تكون في كل جامعة خلية جود ة مهمتها  المتابعة وايجاد الآليات، لتطوير المحتوى العلمي والفني للبرامج، في إطار متابعة مستمرة من حيث تقديم مبادرات وإقتراحات تعطي، لها صورة للتطبيق “.وتطرق في هذا الشأن إلى نموذج جودة جامعة محمد خيضر ببسكرة وجامعة الجزائر وجامعة تلمسان.. وفي هذا سير لتشجيع الاستثمار وتثمين كل الجهود للرفع من مستوى التعليم العالي.

إن شعور الجامعة الجزائرية بأهمية تكنولوجيا الإعلام والاتصال يؤسس لتوجه نحو استغلال الآليات التكنولوجية في التكوين للجامعة الجزائرية الحديثة، والإستفادة من الوسائط التكنولوجية المختلفة، إلى جانب تطوير الجانب الإداري في ضوء متطلبات عملية التكوين للسير نحو تحقيق تنمية معرفية، ومخرجات ذات كفاءة  تحقيقا للتنمية الثقافية والعلمية والمعرفية ، والأهم من كل هذا تحسين العلاقة بين الجامعة والمجتمع، كما أن الاستثمار في هذا القطاع يحتاج إلى الدعم الحكومي، ولا سيما  ما يلاحظ من مخرجات ترتكز في غالبها على الكم لا الكيف، وفي ظل خطى بطيئة مما يقلل من التحفيز على البحث العلمي المؤسس، فالجامعة الجزائرية قراءة لواقع يشجع على استثمار التكنولوجيا في ظل ضعف الإستغلال لمواردها  وآلياتها ولا سيما مع التحولات التي يشهدها العالم والتي يمكن أن تمس بالدرجة الأولى الجامعة كقاعدة أساسية في قمة ترتيب الهرم التعليمي.

عن جودي خرفية

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: