الرئيسية / التعليم / تطوير التعليم من منظور نقدى ( ٢ )

تطوير التعليم من منظور نقدى ( ٢ )

تطوير التعليم من منظور نقدى (2)
العدالة الاجتماعية في التعليم
( من حيث الإتاحة)
بقلم / أ.د الهلالى الشربينى الهلالى
أستاذ تخطيط التعليم بجامعة المنصورة
وزير التربية والتعليم والتعليم الفنى السابق

تحدد الهدف الرئيس للتعليم بعد عام 2015 الذي صدر عن إعلان إنشون بجمهورية كوريا في” ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع، وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع”. كما ينص الدستور المصري الصادر فى عام 2014 في المادة (19) على أن:

“التعليم حق لكل مواطن، هدفه بناء الشخصية المصرية، والحفاظ على الهوية الوطنية، وتأصيل المنهج العلمي في التفكير، وتنمية المواهب وتشجيع الابتكار، وترسيخ القيم الحضارية والروحية، وإرساء مبادئ المواطنة والتسامح وعدم التمييز، وتلتزم الدولة بمراعاة أهدافه في مناهج التعليم ووسائله، وتوفيره، وفقًا لمعايير الجودة العالمية”.

وتؤكد المادة (13) من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن “التعليم حق ينبغي أن يكون موجهًا نحو التطوير الكافل للشخصية الإنسانية،

مقررًا الاحترام لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، مقترنًا بضمان حق الناس جميعًا في الإسهام الفعلي في بناء مجتمعاتهم الحرة، ومؤديًا إلى تعميق الفهم والتسامح بين الأمم ودعم صداقتها” ، وهذا أيضًا ما أقره الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948.

وكل هذا يعنى أن كل مواطن طبقًا للدستور المصري والمواثيق الدولية من حقه أن يتمتع بحق المواطنة الكاملة والتعليم الجيد وكافة الفرص المتاحة في المجتمع استنادًا إلى معيار الكفاءة والقدرات والجدارات والمهارات فقط، بعيدًا عن النوع، أو اللون، أو الديانة، أو الخلفية الاجتماعية الاقتصادية، أو الخصائص المعرفية والثقافية ، أو الوساطة والمحسوبية .
ويرى بعض العلماء والفلاسفة أن مصطلح العدالة الاجتماعية يمثل مفهوم مجرد،

لا وجود له إلا في عالم العقل والتأمل والمثالية، وأنه أمر صعب المنال والتحقق فى الواقع الميدانى، إلا أن آخرين يؤكدون أن مفهوم العدالة الاجتماعية يعد أيضًا من المفاهيم الأخلاقية والفلسفية التى تعني في جوهرها إزالة الفوارق بين أبناء المجتمع الواحد، والمساواة بينهم في الحقوق والواجبات .

وعلى الرغم من أن مفهوم العدالة الاجتماعية قد يتخذ تفسيرات وتعريفات مختلفة حتى داخل المجتمع الواحد في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية وعسكرية تختلف من فترة زمنية إلى أخرى ، إلا أن جوهر المفهوم يظل واحدًا داخل كل مجتمع.

ويمكن تعريف العدالة الاجتماعية على أنها تعنى عدم التحيز، وتمكين كل ذي حق من حقه ، سواء بين الأفراد، أو بين الفرد والمجتمع متمثلا في مؤسساته المختلفة. كما تعرف العدالة أيضًا على أنها تعنى المساواة بين الناس، والمعاملة الإنسانية التي تحترم آدمية الإنسان وتمكنه من الحصول على الحد الأدنى من الكفاف الاقتصادي الذي يمكنه من مواصلة الحياة .

وهناك أيضًا من ينظر إلى العدالة الاجتماعية على أنها تعني التوزيع العادل والمنصف للثروات والموارد الناجمة عن التنمية، والتوزيع المتكافئ للخدمات المختلفة وفى مقدمتها التعليم على مناطق المجتمع وأفراده دون تحيز أو تهميش أو تمييز.

وهناك من يتبنى رؤية أرسطو في تفسير معنى العدالة الاجتماعية، فيرى أنها تعني المساواة بين الأفراد في حالة التماثل والمغايرة في المعاملة في حالة الاختلاف، ويكون تحقيق العدالة في حالة الاختلاف استنادًا لمبدأ الجدارة،

أو المهارة والكفاءة، وبما أن التماثل يصعب تحقيقه في الواقع الميداني؛ حيث إن السائد هو الاختلاف، فقد قسم أرسطو المجتمع إلى طبقات منها ما يستحق أفرادها التقدير والحصول على المزايا، ومنها ما لا تؤهل قدرات أفرادها، أو مهاراتهم لذلك، ومن ثم فتطبيق هذا المفهوم غالبًا ما قد يؤدى إلى زيادة الاحتقان الطبقى والحقد الاجتماعي .

والواقع أن العدالة الاجتماعية تعنى المساواة بين الأفراد في الحقوق والواجبات وإتاحة كافة الخدمات والفرص لجميع الأفراد، مع مراعاة تيسير سبل التفوق والتميز وفقًا لقدرات وإمكانات ومهارات كل فرد، وكذا تعويض المظلوم من الظالم، ونشر ثقافة الثواب والعقاب دون فساد أو محسوبية، وإعطاء الفرصة للجميع للإشتراك فى الحياة السياسية والاقتصادية،

وتوزيع الثروة عليهم بنسب تناسب مساهمة كل منهم في نمو هذا الاقتصاد دون فساد أو محسوبية.
وتتخذ العدالة الاجتماعية فى مجال التعليم أيضًا وجوهًا متعددة، وأحيانًا متضاربة أو متناقضة، سواء داخل المجتمع الواحد، أو بين المجتمعات المختلفة، فهناك من يرى أنها تعني المساواة في القبول بمؤسسات التعليم،

وهناك من يرى أنها تعني المساواة في توفير العوامل التي تؤدي إلى استغلال الفرد لقدراته العقلية ومواصلة التعليم حتى التخرج، وهناك من يرى أنها تعني المساواة في القبول والاستمتاع بنفس الإمكانات المادية والبشرية التي تساعد على التخرج لمن تتناظر أو تتشابه قدراتهم العقلية، ومراكزهم القانونية، وخبراتهم ومهاراتهم الشخصية أو الفردية .

والحقيقة أننا بشئ من التدقيق يمكن لنا أن نتأكد أن العدالة مفهوم له سيادة على غيره من المفاهيم المتقاربة أو المتشابهة ، مثل المساواة أو الحرية أو الديمقراطية،

لأن العدالة ليس لها سقف نهائي، أما بقية المفاهيم الأخرى فقد يرى المجتمع أنه عند مرحلة معينة، وفي ظل ظروف معينة لابد وأن تكون هناك شروط وقيود تفسر وتحدد وتضع سقفًا لكل من المساواة، أو الحرية ، أو الديمقراطية .

وحيث إن القائمين على وضع السياسات التعليمية في مصر على مدار الخمسين عامًا الماضية،

وتحديدا بعد تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي في عام 1974،كانوا قد دأبوا على وضع هذه السياسات بعيدًا عن أية مشاركات تذكر من أهل الميدان ، وخبراء التربية وأساتذتها بالجامعات والمراكز البحثية ، والنقابة المهنية المعنية ، ومجالس الأباء والمعلمين ، وقادة التنوير في المجتمع المهتمين بأمور التعليم من أكاديميين ، وصحفيين ، وإعلاميين وغيرهم ،

لذلك كنا دائمًا نلاحظ أن السياسات التعليمية غالبًا ما تأتى مشوهة أو مبتورة فلا تراعى مبادئ علمية ولا تحقيق أهداف وطنية مثل العدالة الاجتماعية بين أبناء الوطن وأقاليمه المختلفة ، وفى ظل هذا الوضع تعددت أنماط التعليم وانتشرت انتشارًا كبيرًا بفعل عوامل داخلية اجتماعية واقتصادية وأخرى دولية؛

ومن هنا أصبحنا نرى التعليم الحكومى، والتعليم الخاص، والتعليم الدولي، والتعليم الديني، وتعليم الجاليات، بالإضافة إلى أنماط أخرى غير معلومة الهوية ولا يمكن إدراجها تحت أى تصنيف أو جهة شرعية .

وقد يرى البعض وأنا منهم أنه لا بأس أو غضاضة من وجود التعليم الخاص والدولى، شريطة أن تكون هناك قواعد صارمة وآليات محكمة يتم تطبيقها بحزم، من بينها بل وأهمها على الإطلاق: الإلتزام بتدريس مواد الهوية ( التربية الدينية ،والتربية الوطنية، واللغة العربية، والدراسات الاجتماعية ) في جميع مراحل الدراسة بها،

على أن تكون مواد نجاح ورسوب وتدخل في حساب مجموع الطالب، مع عدم قبول أي طالب مصرى على الإطلاق تحت أى مبرر بأية مدرسة مخصصة لتعليم أبناء الجاليات الأجنبية ووقف أى تأشيرات أو قرارات صدرت فى فترات سابقة لتقدم استثناءات أو مجاملات فى هذا الموضوع، وذلك نظرًا لكون هذه المدارس لا تدرس مقررات الهوية الوطنية.

ولما كانت مؤشرات الإتاحة في الواقع الميداني للمدارس الحكومية المصرية تشير طبقًا لإحصاءات وزارة التربية والتعليم ، وهيئة الأبنية التعليمية في عام 2015 / 2016 إلى أن 18% من المدارس القائمة تعمل بنظام تعدد الفترات،

الأمر الذى لا يمكنها بالطبع من توفير يومًا دراسيًا كاملاً للتلميذ يستطيع أن يمارس من خلاله كافة عناصر العملية التعليمية بما فى ذلك الأنشطة التربوية التى تجعل من المدرسة مكانًا محببًا إلى نفس الطفل وتلعب الدور الأهم فى بناء شخصيته وتكوين ولائه وانتمائه للوطن ،

ولمعالجة هذا الأمر وتحقيق العدالة بين أبناء المجتمع فى الحصول على فرص إتاحة متساوية أو حتى متقاربة تشير الإحصاءات إلى أن هناك حاجة إلى بناء 55 ألف فصل جديد .
كما تشير تلك الإحصاءات أيضًا إلى أن هناك 42% من هذه المدارس تزيد فيها كثافة الفصل عن 47 طالب ،

الأمر الذي يترتب عليه تسرب كثير من التلاميذ من الدراسة سواء بالانقطاع عن الدراسة أم حتى أثناء وجودهم داخل الفصل، نظرًا لانفصالهم عن عالم الفصل والعيش في عوالم أخرى يصنعونها بأنفسهم لأنفسهم، الأمر الذى يجعل من وجودهم داخل المدرسة وحجرات الدراسة مجرد وجود مادى لا طائل من ورائه بل إنه يمثل هدر فى العملية التعليمية ،

لأن مثل هؤلاء التلاميذ غالبًا ما ينهون المرحلة دون إلمام حتى بأبسط مبادئ وقواعد القراءة والكتابة ، ولمعالجة هذا الأمر وتحقيق العدالة أو حتى الإقتراب من تحقيقها تشير الإحصاءات إلى أن هناك حاجة إلى بناء 55 ألف فصل جديد أخرى.

وبالإضافة إلى ما سبق توجد أيضًا مناطق ذات احتياج شديد لبناء مدارس بها سواء فى الريف أم فى الحضر بمعظم المحافظات بما في ذلك محافظتى القاهرة والجيزة، ولمعالجة هذا الأمر تشير الإحصاءات إلى وجود حاجة ماسة إلى بناء ما يزيد على 35 ألف فصل جديد .

وفي ضوء كل ما تقدم يمكن القول بأن العدالة الاجتماعية في المجال التعليمي تعني إتاحة فرص التعليم لكل أبناء المجتمع، وتيسير كل العوائق التي قد تحول دون تحقيق ذلك، بصرف النظر عن لون الطفل، أو نوعه، أو المستوى الاجتماعى الاقتصادي الذى ينتمى إليه، وكذا توفير كافة العوامل التي تؤدي إلى استمراره فى الدراسة ومواصلة تعليمه حتى التخرج.

كما أنها تعنى أيضًا المماثلة بين الطلاب في القبول وفي توافر العوامل التي تساعد على الاستمرار في الدراسة حتى التخرج ، لكنها لا تعني أبدًا التماثل بينهم في التخرج من خلال عمليات الغش أو الفساد، فكل يكون حسب قدراته وإمكاناته ومهاراته وجداراته.

 

عن هاني سلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *