حوار الوحدة بقلم أحمد الشايب

“الوحدة”
سأحكي لكم عن حوار – تعلمت منه معنى جديدا- دار بيني وبين صديقي الصدوق الذي تعرفت عليه منذ زمن بعيد واعتدت أحاديثه ومناقشاته وأحببتها وأحببته لأنه – رغم خلافاتنا الكثيرة- قوي الحجة، قادر على إقناعي ، يجيد الحديث معي والاستماع إليّ ، والأهم من ذلك أنني دائما أجده أمامي وقت احتياجي إليه ، لا يتأخر عني لحظة ؛ فبمجرد وقوفي في المكان الذي اعتدنا عنده دائما أن نلتقي أجده في ذات اللحظة واقفا أمامي، ينتظر حديثي ، لا يحرك شفة له قبل أن أحرك شفتي وأتحدث ، ولا أخفيكم سرا فهو يشبهني إلى حد بعيد غير أن عقليته وطرق تفكيره وطباعه قد تختلف عني كثيراً
وفي يوم من الأيام وقفت – حيث اعتدنا اللقاء – فوجدته يبادلني الحركات متجاوبا معي في كل تفصيلة -كما اعتدنا أيضا –
– وهنا قلت له : والله إني لأتعجب من هؤلاء الذين يشكون الوحدة رغم التفاف أحبابهم حولهم وأظن أن شعورهم بالوحدة مجرد ادعاء لجذب المزيد من الاهتمام .
– فسألني قائلا: يا صديقي ما سبب شعور المرء بالوحدة من وجهة نظرك ؟!
– قلت: الوحدة شعور غير مرتبط ب(عدد) من يحيطون بك بل ب(مَن) يحيطون بك.
– قال : أحسب يا صديقي أنه قد جانبك الصواب في ذلك فإن أردت أن تكون أكثر تحديدا فاعلم أن الوحدة شعور متعلق بما تنتظره أنت ممن يحيطون بك .
– تعجبت من جوابه ثم سألته مستنكرا : وما الفرق بين هذا وذاك ؟
– قال : الفرق دقيق جدا ولكنه أيضا واضح جدا ولكن دعني أتأكد أولا مما تقصده أنت بقولك هذا .
– قلت : ببساطة شديدة أقصد أنه لو أحاطت بك الدنيا ومن فيها قد تشعر بالوحدة إن كان من تحب وتهوى ليس بينهم ، والعكس صحيح لو خلت الدنيا من البشر وتبقى منهم من تحب فلن تشعر بالوحدة 🤷🏻‍♂️🤷🏻‍♂️
– قال : فما قولك في ذلك الذي يجلس بجوار من يحب ويهوى متبادلين الحديث ولكنه رغم كل هذا يشعر بالوحدة ؟؟ 🤔🤔.
– قلت : أظنه ادعاء . وهل قد يشعر بالوحدة فعلا من يجلس بجوار من يحب ؟!
– قال : نعم . إذا لم يجد منه ما يحتاجه .
– قلت : ما معنى هذا ؟! أليس وجوده بجواري يكفيني كي لا أستشعر ذلك الشعور القاسي ؟!
– قال : للأسف نعم ؛ فالعلاقة بين الحب والوحدة ليست علاقة عكسية في كل الظروف كما تعتقد ؛ فقد ترتقب منه نظرة اهتمام وقت احتياجك لها ولا يعطيك فتدرك انفصاله عنك وخذلانه لك فتشعر بالوحدة .
– وقد تنتظر منه بسمة يرسمها على شفتيك في وقت ضيق ولا تأتيك فتشعر بالوحدة .
– وقد تتلهف إلى كلمة منه تداوي جراحك وقت ألم فلا يواسيك فتشعر بالوحدة .
– وقد تتشوق إلى أمل يزرعه في صدرك وينميه وقت يأس فلا يغرسه فيك فتشعر بالوحدة .
– وقد تحتاج منه أمنا تفتقده وقت خوف فلا يضمك أو يحتويك فتشعر بالوحدة .
– وقد تطلب منه غفرانا لذنب وقت ضعف فلا يقبلك به -رغم الحب- فتشعر بالوحدة
وزد أنت يا صديقي وافترض من الأمثلة المشابهة والتي لا تنتهي
– ثم استطرد قائلا : يا صديقي … شعور الوحدة أمر مرهون بالمشاعر واحتياجات النفس وتلبيتها وليست العبرة بمن يحيط بك – حبيبا كان أو غريبا- فكثير من يشعر بالوحدة مع حبيب ويشعر بالألفة مع غريب.
– قلت : صدقت يا صديقي والآن فقط قد فهمت وأدركت والتمست العذر لهؤلاء الذين يشكون الوحدة رغم التفاف أحبابهم حولهم.
(فشكرا لك يا صديقي الذي اعتدت أن ألقاه قابعا خلف المرآة)
————————————————————————————
أحمد الشايب
٢٨/ ٧ / ٢٠٢٠

عن هاني سلام

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: