أ.د الهلالى الشربينى الهلالى

وزير التعليم السابق أ.د الهلالي الشربيني الهلالي يكتب: ردا على ما ادعته السفيرة

وزير التعليم السابق
أ.د الهلالي الشربيني الهلالي يكتب:
ردا على ما ادعته السفيرة جين ماريوت عن نظام التعليم بالوطن العربى أمام مجلس العموم البريطانى

تغريدة انتشرت انتشار النار فى الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعى فى الآونة الأخيرة مضمونها أن السفيرة البريطانية جين ماريوت قالت فى تقرير لها عن التعليم فى العالم العربى أمام مجلس العموم البريطانى: إن «هذا النظام يؤدى إلى مفارقات مدهشة فى الخريجين، فطلاب الدرجة الأولى من الأذكياء يذهبون إلى كليات الطب والهندسة، بينما خريجو الدرجة الثانية يذهبون إلى كليات إدارة الأعمال والاقتصاد وبذلك يصبحون مدراء لخريجى الدرجة الأولى، فى حين أن خريجى الدرجة الثالثة يتجهون للسياسة فيصبحون ساسة البلاد ويحكمون خريجى الدرجتين الأولى والثانية، أما الفاشلون فى دراستهم فيلتحقون بالجيش والشرطة فيتحكمون بالساسة والاقتصاد ويطيحون بهم من مواقعهم أو يقتلونهم إن أرادو، أما المدهش حقا فهو أن الذين لم يدخلوا المدارس من أساسه يصبحون أعضاء مجالس نيابية وعمدا وشيوخ قبائل ويأتمر الجميع بأمرهم»!!!
لقد وجهت هذه السيدة هذه الاتهامات المشينة لكل الدول العربية ولم تستثن منها أحدا، بما فى ذلك مصر التى تمثل مركز الثقل ورمانة الميزان فى العالم العربى، والواقع أن سرعة انتشار هذه التغريدة وتداولها بين الكثيرين فى المجتمعات العربية بفهم أو من غير فهم قد استفزنى ودفعنى إلى تفنيد ما ادعته تلك السيدة والرد عليه من حيث مدى انطباقه على الحالة المصرية، كما جعلنى أتساءل هل صحيح أننا نُحكم بواسطة الجهلة والأغبياء؟!!!، وإذا كان ما تدعيه هذه السيدة صحيحا فهل العالم العربى هو الوحيد الذى ينفرد بهذه الخاصية دون غيره؟!!! وهل بريطانيا التى تنتمى إليها هذه السيدة مُنزهة عن مثل هذه الأفعال «المدهشة» على حد تعبيرها؟!!!
أولا: من قال لكِ أيتها السيدة أن طلاب الدرجة الأولى من الأذكياء فى مصر لا يدخلون إلا كليات الطب والهندسة فقط!!!، ومن الذى أفتاكِ بأن الطلاب الذين يلتحقون بكليات الاقتصاد والعلوم السياسية وغيرها طلاب أقل ذكاء ومن الدرجة الثانية، وأنهم عندما يتخرجون يصبحون مدراء على خريجى الدرجة الأولى من الأطباء والمهندسين؟!!! هل رأيتِ مصنعا فى مصر يديره خريج من كلية الآداب أو مستشفى يديرها خريج من كلية التجارة؟!!! كلامك يتناقض مع المنطق ومع الواقع لأن مثل هذه المؤسسات تدار بواسطة قيادات من المتخصصين ولا بأس أن يتبعهم مدراء إداريون!!!
ثانيا: من قال لكِ أيضا أن خريجى الدرجة الثالثة يتجهون للسياسة فيصبحون ساسة البلاد ويحكمون خريجى الدرجتين الأولى والثانية؟!! ومن هم خريجو الدرجة الثالثة الذين تقصدينهم تحديدا؟!! أذكرى لنا مثالا واحدا منهم وكيف تحول إلى سياسى يحكم خريجى الدرجتين الأولى والثانية من الأطباء والمهندسين والاقتصاديين، والقانونيين، والمحاسبين وغيرهم فى النظام الحكومى المصرى.
ثالثا: من قال لكِ إن الفاشلين فى دراستهم هم الذين يلتحقون بالجيش والشرطة وبعد التخرج يتحكمون بالساسة والاقتصاديين ويطيحون بهم من مواقعهم أو يقتلونهم إن أرادوا؟!!! كلامك أقل ما يقال عنه إنه بعيد عن الأعراف الدبلوماسية وفيه تطاول وتدخل فى الشئون الداخلية لدول مستقلة وذات سيادة!!! هل تعلمين أن اختبار الثانوية العامة هو المعيار الوحيد للقبول بالجامعات المصرية، وأنه فى الغالب لا يقيس إلا القدرة على التحصيل، وأن الكليات العسكرية هى الوحيدة التى تطبق ــ إلى جانب هذا المعيار ــ عددا آخر من الاختبارات القاسية والمرهقة التى تقيس ذكاءات الطالب المتعددة وتحدد مدى كفاءته ولياقته للقبول والدراسة بتلك الكليات؟!!! وهل تعلمين أن العدد الذى يتقدم للالتحاق بهذه الكليات غالبا ما يكون عشرة أضعاف العدد المطلوب؟!!! وهل تعلمين أن كليات عسكرية كثيرة تفوق نظيرتها المدنية فى مجموع درجات القبول مثل الطب العسكرى والفنية العسكرية وغيرهما؟!! وهل تعلمين أن مصر كانت من أوائل دول العالم التى عرفت الحياة الدستورية، ويوجد بها دستور وقانون ولا يستطيع أحد أن يطيح بأحد أو يقتله كما تجرأتِ وادعيت ِ إلا فى حدود الدستور والقانون؟!!!
رابعا: قلتِ «أما المدهش حقا فهو أن الذين لم يدخلوا المدارس من أساسه يصبحون أعضاء مجالس نيابية وعمدا وشيوخ قبائل ويأتمر الجميع بأمرهم»!!! ألم يخبرك أحد أن مصر دولة مركزية جذورها تمتد فى أعماق التاريخ وأن النظام القبلى فيها لا وجود له تقريبا إلا فى الأطراف وأن الولاء فى مصر هو للدولة فقط، كما أن الدولة المصرية لا تعين نوابا ولا عمدا ولا شيوخ قبائل من الجهلة لكى يأتمر أحد بأمرهم؟!!!
الواقع أننى على يقين تام أن هذه السيدة وأمثالها يعلمون علم اليقين الإجابة عن كل التساؤلات التى طرحتها، ولكنها العقدة الاستعمارية المتأصلة لديها ولدى أمثالها من دول الاستعمار القديم، لذلك جاء ما تضمنه تقريرها فى إطار حروب الجيل الرابع والخامس التى تعتمد بالدرجة الأولى على زرع بذور الفتنة بين طوائف الشعوب المستهدفة، وتقليب الجميع فيها ضد الجميع، وتدمير ثقة الناس بمختلف طوائفهم وطبقاتهم فى أنفسهم وفى قياداتهم، وتعويدهم سواء كانوا من النخبة المثقفة أو حتى من العامة والدهماء على عدم الثقة فى النفس وجلد الذات وعدم الاعتزاز بالوطن أو الفخر بإنجازاته، أو التمسك بوحدته وسلامة أراضيه، والنظر إلى المستعمر القديم أو المتآمر الحديث على أنه نموذج فى كل شىء لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وعليه فإننى أرى أن النهج الذى اتبعته هذه السيدة فى هذا التقرير هو نهج استعمارى غربى وإخوانى قديم حديث، كما أنه يمثل آلية من آليات العولمة الحالية التى تسعى للهيمنة والسيطرة على الدول الضعيفة وقولبتها بقالب صهيونى غربى أو على الأقل قالب إخوانى عميل ينفذ للاستعمار الجديد ما يسعى إليه بأقل قدر من التكلفة المادية والبشرية مقابل تمكين أتباعه من سدة الحكم، ونحن لا يخفى علينا ولا على أحد أن الدول الغربية هى الحاضن الأول لجماعة الإخوان وتنظيمها الدولى على أراضيهم ليس حبا فى الإسلام وإنما سعيا لتدمير المجتمعات العربية ونهب مقدراتها وثرواتها، وقد نجحوا فى بعض المناطق وما زالوا يحاولون فى مناطق أخرى.
يا سادة لا تأمنوا لهذه السيدة ولا لأمثالها واحذروا ما يروجونه من إشاعات الهدف منها تفكيك وحدتكم وتدمير جيوشكم والاستيلاء على ثرواتكم واستعبادكم أنتم وأبنائكم ونسائكم، وسوف أفند لكم كلام هذه السيدة بمثال لمن تولوا إدارة شئون الدولة فى كل من مصر وبريطانيا خلال الأربعة عقود الماضية من حيث تعليمهم وتخصصاتهم لكى نقارن ونتبين ما إذا كنا نُدار بواسطة أغبياء أو جهلة لم يذهبوا للجامعات كما ادعت، أم أنه لا يوجد فرق بيننا وبينهم وإن وجد هذا الفرق فهو لصالح من أداروا أمور الدولة المصرية وليس العكس.
فبنظرة إلى الوراء نجد أن رئاسة الوزراء فى مصر قد تولاها نحو 14 رئيس وزارة على امتداد العقود الأربعة الماضية هم: أحمد فؤاد محيى الدين وتخرج فى جامعة القاهرة وكان حاصلا على درجة الدكتوراه فى الطب وعمل محافظا للشرقية ثم الإسكندرية ثم الجيزة، كما عمل وزيرا للحكم المحلى، ثم وزيرا للشباب، فوزيرا الصحة، وكمال حسن على وتخرج فى كلية عسكرية، وكان رئيسا للمخابرات العامة، ونائب رئيس وزراء، ووزير خارجية، ثم وزيرا للدفاع والإنتاج الحربى، وعلى لطفى وكان حاصلا على درجة الدكتوراه فى الاقتصاد من جامعة لوزان وعمل وزيرا للمالية، وعاطف صدقى وكان حاصلا على درجة الدكتوراه فى الاقتصاد من باريس. وكمال الجنزورى وكان حاصلا على درجة الدكتوراه فى الاقتصاد من جامعة ميتشجان الأمريكية، وعمل وزيرا للتخطيط والتعاون الدولى، ثم نائب رئيس وزراء ووزيرا للتخطيط، وعاطف عبيد وكان حاصلا على درجة الدكتوراه فى إدارة الأعمال من جامعة إيلينوى الأمريكية وعمل وزيرا لشئون مجلس الوزراء، ووزير دولة للتنمية الإدارية، ثم وزيرا للتخطيط، وأحمد نظيف وكان حاصلا على درجة الدكتوراه فى الهندسة من جامعة ماك جيلى الكندية وعمل وزيرا للاتصالات والمعلومات، وعصام شرف وكان حاصلا على درجة الدكتوراه من جامعة بيردو الأمريكية وعمل وزيرا للنقل والمواصلات، وهشام قنديل وكان حاصلا على درجة الدكتوراه من أمريكا وعمل وزيرا للموارد المائية والرى، وحازم الببلاوى وكان حاصلا على درجة الدكتوراه فى العلوم الاقتصادية من جامعة باريس، وإبراهيم محلب وتخرج فى هندسة القاهرة وعمل وزيرا للإسكان، وشريف إسماعيل وتخرج فى هندسة عين شمس وعمل وزيرا للبترول، ومصطفى مدبولى وحصل على الدكتوراه فى الهندسة من جامعة القاهرة، وعمل وزيرا للإسكان.
أما بالنسبة لبريطانيا فنجد أن رئاسة الوزراء قد تولاها فى نفس الفترة سبعة رؤساء وزراء، هم: مارجريت تاتشر لثلاث دورات وكانت كيميائية تخرجت فى جامعة أوكسفورد، وتولت وزارة التعليم، وجون ميجور الذى ترك المدرسة فى سن السادسة عشرة وعمل فى أحد البنوك إلى أن تولى وزارة المالية ثم وزارة الخارجية، وتونى بلير وتخرج فى جامعة أكسفورد ودرس القانون والفنون وعمل وزيرا للخدمة الشعبية، وجوردون براون وتخرج فى جامعة أدنبرة وحصل منها على الدكتوراه فى التاريخ وتولى وزارة المالية، ودَيفيد وليام دونالد كاميرون وتخرج فى أكسفورد وتخصص فى الفنون والاقتصاد والعلوم السياسية، وتيريزا ماى وتخرجت فى أكسفورد وتخصصت فى الفنون والجغرافيا، وبوريس جونسون وتخرج فى أوكسفورد وتخصص فى الفنون والأدب الكلاسيكى.
والسؤال الذى يطرح نفسه هنا أى فروق بين الذين أداروا مصر والذين أداروا بريطانيا فى الأربعين عاما الماضية؟!!!؛ فجميع رؤساء وزراء مصر درسوا فى جامعات مصرية وعالمية، وتوزع المنصب بين تخصصات مختلفة ربما بشكل أفضل بكثير من الذى حدث فى بريطانيا، الأمر الذى يجعلنى أؤكد لهذه السيدة وأمثالها أننا لسنا فى حاجة إلى تقاريركم ونصائحكم وتحليلاتكم المسمومة التى يكون ظاهرها رحمة وجوهرها فساد وإفساد وتقليب الناس وزرع الفتنة بينهم وبين قياداتهم، وأنصحك أن تركزى مع بلادك وتنسينا، فنحن شعب عريق ولدينا ثقة فى أنفسنا وفى قيادتنا ولسنا أقل منكم وطنية أو حرصا على بلادنا، وإذا كنتم قد وجدتم ضالتكم فى بعض الخونة والمأجورين من الإخوان وغيرهم فلا تتعجلوا الأمر فإن غدا لناظره قريب .
أيتها السيدة.. إننا لا ننكر أن بريطانيا يوجد فى تاريخها نحو 55 رئيس وزارة وأن معظمهم قد تميزوا بتعليم جيد فى جامعتى أكسفورد وكامبردج، ولكن على الجانب الآخر أنتم أيضا لا تستطيعون أن تنكروا أنه كان لديكم رؤساء وزراء من العسكريين وغيرهم من الذين لم يذهبوا إلى أى جامعة على الإطلاق، أمثال آرثر ويلزلى، وبنيامين ديزرائيلى الذى كان أكثر رؤساء وزراء بريطانيا ثقافة على الإطلاق، وديفيد لويد جورج الذى صعد من خلفية متواضعة إلى قمة الهرم السياسى بخطاباته الرنانة، ووينستون تشرشل، الذى أظهر قيادة استثنائية لبريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، وروزبيرى، وآرثر بيلفور وهارولد ماكميلان، ومن ثم فالتعليم الجيد وحده لم يكن أبدا جواز سفر إلى النجاح لهؤلاء أو لغيرهم.

عن هاني سلام

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: