أ.د الهلالي الشربيني
أ.د الهلالي الشربيني

توجهات السياسة التعليمية في مصر بعد جائحة كوفيد 19

وزير التعليم السابق
أ.د الهلالى الشربينى الهلالى يكتب:

((السياسة التعليمية وتحقيق العدالة الاجتماعية))
توجهات السياسة التعليمية في مصر
بعد جائحة كوفيد 19 (2-7)

 

كانت مؤسسات التعليم فى العالم حتى نهاية الحرب العالمية الثانية – في الغالب- مؤسسات لتعليم النخبة بمعنى أنـه لم يكن هناك تكافؤ بين النسب الممثلة لطبقات المجتمـع داخـل المجتمـع الطلابـي بهـذه المؤسسات، إلا أنه مع نهاية الحرب العالمية الثانية لم تعد السياسة التعليمية تهتم بتحديد من الذى يلتحق بمؤسسات التعليم ، وفى ظل هذا الوضع ركزت السياسة التعليمية فى مصر منذ عام ١٩٥٢ على إحداث تغيرات جذرية من أجل بنـاء الهيكل الاجتماعي على أساس سليم، و كانت الظروف السياسية والـسعي وراء التنميـة الاقتصادية بالإضافة إلى حاجة أفراد المجتمع إلى التعليم هي المحرك الأساسى والمـشجع الأول للحكومة على التوسع فى إنشاء المدارس والجامعات وكذلك المعاهد والكليات التطبيقية، وكان المبرر لهذا التوسع يندرج تحت مفاهيم تتعلق بالديمقراطية والتنويع ونشر التعلـيم بكـل مستوياته فى البيئات المحلية، ومن ثم كان هناك توسعاً كبيرًا فى التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي والجامعي فى فترة الـستينيات والسبعينيات من القرن الماضى، وأصبحت الفرصة متاحة – لأول مرة- أمام أعداد كبيرة من أبناء المجتمع بكل طبقاته للالتحاق بالتعليم فى مراحله المختلفة.

والواقع أن النجاح فى الالتحاق بأي مؤسسة تعليمية أيًا كانت السعة المتاحة بها يعد نتاجًا لعدة عوامل؛ هي الطموح من قبل الطالب وأسرته، والقدرات وإمكانية الالتحاق، ومن هـذا يتضح أن فرص الالتحاق لا تتساوى أمام الأفراد من الطبقات الاجتماعية المختلفة، وذلك لأن الكلفة ومستوى الطموح يختلفان طبقا للإمكانات المادية والتعليمية المتاحة، والحقيقة أنه لم يكن هناك أي نوع من القلق إزاء هذا الوضع في النصف الأول من القرن الماضى ، فقد كان هناك اعتقادٌ بأن السياسة التعليمية تركز بشكل ملحوظ على تعليم أبناء الطبقات العليا فى المجتمع، إلا أنه مع نهاية الحرب العالمية الثانية تغير الوضع ولم تعد السياسة التعليمية في معظم المجتمعات تهتم بتحديد من الذي يتلقى التعليم ، بل إن المحور الأساسي فى أي سياسة تعليمية فى معظم المجتمعات بات يدور حول مدى قدرتها على اجتذاب عددٍ أكبر من الطلاب ، ثم تزايد هذا الاهتمام مرة ثانية بتحديد من الذي يجب أن يلتحق بالتعليم، وقد تناولت الدراسات السابقة هذا السؤال من خلال اتجاهين:
الاتجاه الأول يرى أن هناك اهتمامًا متناميًا للتعرف على المواهب وزيادة حجم القوى البشرية المدربة المطلوبة لسد حاجات سوق العمل، وفى ظل هذا الاتجاه ازداد اهتمام العديد من الدول الصناعية الغربية بالتعرف على ذوي القدرات العقلية المرتفعة والتوسع فى التعليم بغرض زيادة رأس المال البشري، أما الاتجاه الآخر فيركز على تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية الذي لم يكن مطروحًا لفترة طويلة، من خلال توزيع فرص الالتحاق بالتعليم بين الطلاب على أساس القدرات العقلية بصرف النظر عن نوعية الطبقات الاجتماعية التي ينتمون إليها.

وقد كان التوسع في التعليم في مصر بعد عام 1952 يندرج تحت مفاهيم تتعلق بالديمقراطية والتنويع ونشر التعليم بكل مستوياته فى البيئات المحلية، وقد ظهر مفهوم الديمقراطية لتحقيق مزيدٍ من الفرص التعليمية، ومن ثم كان لابد من التوسع، أما فيما يتعلق بسياسة التنويع فكان المقصود بها تنويع الوظائف والبرامج، وقد تم تبنيها كنوع من الاستجابة لمتطلبات التنمية الوطنية، وربط متطلبات الإنتاج بمؤسسات التعليم ، وأما رؤية الحكومة فى ضرورة نشر التعليم بكل مستوياته على المستوى المحلي؛ فقد كانت لإرضاء ومواجهة الحاجات المحلية، وقد أدت هذه السياسة التوسعية التنموية إلى وجود نظام تعليمى جديد يتميز بمداخل واستراتيجيات جديدة؛ أدت إلى إبراز الطبقية وإعادة تشكيل الطبقات الاجتماعية فى المجتمع المصرى.

وإذا كان ذلك التوسع قد جاء من قبل الدولة كى يساعد أبناء المجتمع فى التغلب على الحواجز التى تعوق التحاقهم بمراحل التعليم المختلفة بصفة عامة، وإذا كان التغيير فى التركيب الاجتماعي للطلاب بمراحل التعليم المختلفة شيئًا متوقعًا بعد هذا التوسع من منطلق أن الأماكن التى أضيفت قد استوعبت أعدادًا كبيرة من الطبقات التى لم تكن ممثلة فى التعليم، فإن التساؤل الجوهري الذي يحتاج إلى إجابة هنا يدور حول تحديد الطبقات التى استفادت بالفعل من هذا التوسع؛ فعلى سبيل المثال قد يكون تمثيل الطبقة العليا قد بلغ ذروته فى التعليم نتيجة للقدرات المتاحة لديهم مما يجعل المنافسة بينهم وبين أبناء بقية الطبقات شيئًا صعبًا.

إن فرص الالتحاق بمؤسسات التعليم لا تتساوى أمام الأفراد من الطبقات الاجتماعية المختلفة، وذلك لأن الكلفة ومستوى الطموح يختلفان طبقا للمواد والظروف التعليمية المتاحة؛ فالطالب الذي ينتمى لأسرة غنية أو ذات مستوى تعليمي مرتفع يكون أكثر دراية بالفوائد التى يمكن أن يحصل عليها فى المستقبل نتيجة لحصوله على مستوى معين من التعليم ” دخل أعلى، نمط حياة أفضل … الخ ” مما يجعله أكثر استعدادًا وطموحًا للاستفادة من الدراسة وممارسة أنشطة إضافية ذات علاقة بها، هذا بالإضافة إلى أن كلفة التعليم لا تمثل له مشكلة إذا ما قورن بزميله الذى ينتمي لأسرة فقيرة ، فعلى الرغم من أن المصاريف الدراسية والكتب والأدوات قد تكون واحدة إلا أن مستوى التضحية غالبًا ما يكون أعلى بالنسبة للطلاب الفقراء، وهكذا فالتغلب على عاملي الكلفة وتوفير الأماكن من الممكن أن يؤثر على التركيب الاجتماعي للطلاب إلى حد تصبح فيه الظروف المدرسية والأسرية محدودة التأثير على مستوى الطموح والتحصيل ، وهناك اتجاهات متعددة ومتباينة حول هذا الموضوع .

أحد هذه الاتجاهات ذو علاقة وثيقة بالحراك الاجتماعي ، وهو يرى أنه إذا ما درسنا المجتمع السكاني الذي يقع فى شكل هرمي من حيث المستوى الاجتماعي فى ضوء ( الدخل ومستوى التعليم والوضع الوظيفى ) يكون من المتوقع أن يؤدي التغلب على الحواجز وتوفير مزيد من الأماكن إلى إتاحة فرص أكثر أمام الطبقات الأقل تمثيلا فى التعليم بمستوياته المختلفة، وهذا الرأي مبنيٌ على أساس أن القدرة العقلية الفطرية ليست مرتبطة بشكل نهائي بالطبقة الاجتماعية، وأن التمثيل المحدود للطبقات التى تقع أسفل السلم الاجتماعي بمؤسسات التعليم المختلفة يعود بدرجة كبيرة إلى الظروف المحيطة بهذه الطبقات، ويمثل هذا الرأي الاتجاه الميرتوقراطي الذي ينادي بالمساواة فى القبول بكل مستويات التعليم بين الأفراد المتساويين فى القدرات، بصرف النظر عن الطبقات الاجتماعية التى ينتمون إليها، وهذا ما يؤكده ” دانيال بل ” حينما يقول: ” إنه فى ظل النظام الميرتوقراطى تكون درجات الطلاب هى المعيار فى القبول بمؤسسات التعليم بغض النظر عن وضعهم فى المجتمع، ومن ثم يمكن استغلال المواهب ” .

وهناك اتجاه آخر يرى أن التغلب على الحواجز وتوفير الأماكن، لا يؤدي إلى مزيد من التمثيل أمام الطبقات المحرومة، أو الأقل تمثيلاً بمراحل التعليم المختلفة، ولكن بدلاً من ذلك قد يؤدي إلى المزيد من التمثيل للطبقات المتوسطة وذلك من منطلق أن الظروف المادية الأفضل والمستوى الثقافي المناسب للطبقة المتوسطة قد يرجح أي جهد عقلى لدى أبناء هذه الطبقة مما يؤدي إلى استبعاد الطبقة الدنيا، حيث أن الظروف الأفضل للطبقة المتوسطة تمكنها من مقاومة أي تغيير مبني على أساس المساعدة المادية للطبقة الدنيا، وبالتالي تكون أكثر نجاحًا فى الحصول على المزيد من الأماكن .

وهناك اتجاه ثالث يؤكد على أن التغلب على الحواجز وتوفير المزيد من الأماكن لا يحدث أي تغيير فى التوازن الاجتماعي الموجود، وذلك من منطلق أن القوة التى تتمتع بها الطبقة الاجتماعية هي التى تمكنها من مقاومة أي تغيير من الممكن أن يؤثر على موقفها بين طبقات المجتمع، فلو أنه -على سبيل المثال- تم تخصيص منح دراسية أو مادية للطلاب الفقراء من الطبقة الدنيا بالمدارس الحكومية سوف نجد أن الطبقات الأفضل وضعًا فى الهرم الاجتماعي ستزيد من جهودها كي تؤكد أنها ذات مكانة معينة فى المجتمع لا يمكن التأثير عليها، وذلك عن طريق الانتقال من المدارس الحكومية إلى المدارس الخاصة أو الدولية.

والواقع أن الميرتوقراطية هي الأيديولوجية التى تساعد على تقنين وتدعيم مبدأ عدم تكافؤ الفرص السائد فى المجتمع ، وذلك على أساس أن مظهر الميرتوقراطية الذي يتسم بتحقيق المساواة يخفي وراءه حقيقة نظام تربوي مرتبط بإعادة إنتاج العلاقات الاقتصادية، ويضيف ” بورديو ” إلى ذلك ما أسماه بآلية إعادة الإنتاج؛ والتي تتمثل فى أن رأس المال الثقافي هو الذي يحدد التحصيل الدراسي فى المدارس وبالتالى الالتحاق بالمراحل الدراسية التالية فى السلم التعليمى، وذلك من منطلق أن المدرسة لا تقدم فرصًا تعليمية متساوية؛ بمعنى أنها لا تراعى الفروق الفردية فى عملية التعليم، وبالتالي فإن الطلاب الذين يتمتعون بخلفية ومستوى ثقافي عال هم الذين يستفيدون بشكل جيد من التعليم، وعلى هذا الأساس فإن التغلب على الحواجز المتعلقة بكلفة التعليم لا يكفى لتحقيق مبدأ المساواة، ولكي يتحقق هذا المبدأ يجب أن تركز السياسة التعليمية على إحداث تغيير أكثر عمقًا يتضمن إعادة توزيع رأس المال الثقافي.

وفى ضوء ما تقدم ونظرًا لأن فرص التعليم ما تزال موزعة على نحو غير متكافئ بين أبناء المجتمع المصرى وعدم انتفاع أعداد كبيرة من الطلاب بتعليم عالى الجودة – خاصة في ظل جائحة كوفيد-19 – واستمرار الأفكار النمطية التي تركز على التمييز بين أنماط التعليم، وشعور كثير من الطلاب بالاغتراب داخل الفصول ومن ثم تسرب كثير منهم من التعليم؛ بات من الضرورى توسيع نطاق التعليم الجيد الشامل لكل أبناء المجتمع طبقًا للمادة 19 من الدستور المصري الصادر في عام 2014، وخطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030 التي تتعهد بقيام عالم قوامه العدل والإنصاف والتسامح والانفتاح، وتُلبى فيه احتياجات أشد الفئات حرمانا.

( المصدر : الدستور )

عن هاني سلام

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: