انتهاكات حقوق الإنسان بين العولمة الغربية والمصالح الوطنية

انتهاكات حقوق الإنسان بين العولمة الغربية والمصالح الوطنية
(قراءة في الملف المصرى وملفات بعض الدول الأخرى)
إعداد: أ.د الهلالى الشربينى الهلالى
وزير التربية والتعليم والتعليم الفني السابق

مقدمة
منذ استحداث برنامج المراجعة الدورية العالمية لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في عام 2007 – الذي ينفذه مجلس حقوق الإنسان- يتم التحقق من سجل حقوق الإنسان لكل دولة مرة كل أربع سنوات، ويفترض أن المجلس يعتمد في مراجعته لوضع حقوق الإنسان في أي دولة على مبدأ الشفافية والدقة في المراجعة الشاملة التى تخضع لها الدول من قبل أعضاء المجلس إضافة إلى التقرير الذى تعده المفوضية العليا للأمم المتحدة لحقوق الإنسان من خلال الاستعانة بأجهزة الأمم المتحدة في البلد الذي تتم عليه الدراسة وبعض المنظمات غير الحكومية ، بالإضافة إلى التقرير الذى تقدمه الدولة المعنية ، وقد وقعت مؤخرًا (31) دولة أمام مجلس حقوق الإنسان تقريرًا حول حقوق الإنسان في مصر ألقته “كريستي كوبي” – سفيرة فنلندا لدى الأمم المتحدة في جنيف- قالت فيه: “إننا نشعر بقلق بالغ إزاء تطبيق قانون الإرهاب ضد نشطاء حقوق الإنسان والمثليين والصحافيين والسياسيين والمحامين ….”- ومن جهتها- عبرت وزارة الخارجية المصرية عن شديد الاستغراب والاستهجان لهذا التقرير من خلال بيان تضمن رفضا لهذا التقرير جملة وتفصيلا.

أولا: قراءة في الملف المصرى لحقوق الانسان

بعد أن طالعت التقرير سالف الذكر بتأني وموضوعية وجدت أن ما لفت نظري وشد انتباهي في التقرير هو التسييس المفضوح له واستخدامه من جانب من وقعوا عليه كستار لانتهاكات حقوق الإنسان التي تمارس داخل بلدانهم، بالإضافة إلى سعيهم لتصدير رسالة لبقية دول لعالم بأنهم بلغوا من الكمال ما يعطيهم الصلاحية لأن يصبحوا مسؤولين عن تقييم الآخرين، وكان من أبرز الدول التي وقعت على ذلك التقرير: الولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا وفرنسا وألمانيا وكندا وأستراليا وأستونيا ولتوانيا وفنلندا.
وأنا- باعتبارى مواطن مصري يعيش في هذا البلد ويتابع ما يحدث فيه عن قرب ودراية – أعتقد بل وأكاد أجزم أنه جاء بالأساس للضغط على مصر للتعاطي مع قضية المثليين من المنظور الغربي المقيت، وكذا لتطبيق قانون الجمعيات الأهلية الذي أُقر في عام 2019 مع تسهيل أنشطة منظمات المجتمع المدني التي تضم عددًا كبيرًا من العملاء الكارهين لهذا الوطن الذين يعملون في الغالب لحساب جهات أجنبية، هذا بالإضافة إلى المطالبة بالإفراج عن الإرهابيين الذين هم بالأساس عملاء لتلك الدول ، ومن هنا تناسى معدوا التقرير واقع ما يحدث في مصر وتناولوا معلومات قديمة ومغلوطة استقوها من منظمات معادية لمصر ولكنها تمتلك إمكانيات إعلامية ومادية ضخمة، تسمح لها بتزييف الصورة الحقيقية ، وإذا كانت فنلندا هي الدولة التي أدلت البيان نيابة عن 31 دولة، بينهم 20 دولة فقط من أعضاء المجلس الدولي لحقوق الإنسان الذي يضم في عضويته 47 دولة، فهذا يعنى أن هذا البيان مؤمن عليه من قبل أقل من 40%، من إجمالي أعضاء المجلس فقط، هذا إلى جانب أن كل الدول التي وقعت على هذا البيان، لا يوجد من بينهم أي دولة أفريقية أو من منطقة الشرق الأوسط، وأن غالبيتهم من الدول الصغيرة المستقلة عن الاتحاد السوفيتي حديثًا والتي تدور في فلك الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.
والواقع أن كل ما تناوله التقرير – بل وأكثر منه – قد اتخذت فيه الدولة المصرية خطوات إيجابية في ضوء مصالحها الوطنية مثل: تمكين المرأة ، وتمكين الشباب، وتمكين ذوي الاحتياجات الخاصة ، وتحقيق العدالة الاجتماعية في السكن، والصحة، والتعليم ، وتطوير الريف ، وإقامة مشروعات ثقافية واقتصادية ضخمة تؤدى إلى تخفيض معدلات البطالة، وتجويد حياة الناس ، ومن ثم تحقيق الأمن والاستقرار في البلاد ، ولكن – على الرغم من أن كل هذه الإنجازات صارت من الأمور التي يلاحظها القاصي والداني ولا ينكرها إلا حاقد أو جاحد- جاء التقرير المشار إليه كاذب وصادم ، الأمر الذى أدى إلى رفضه من الشعب المصرى قبل الحكومة، بل إنني أكاد أجزم أنه أكد للشعب أن مصر ما زالت مستهدفة ، فصار أكثر التصاقًا وقربًا من الحكومة وزادت ثقته في القيادة السياسية ، وذلك لعدة اعتبارات، نجملها على النحو التالى:
● أن الموقعين على هذا التقرير يدعون أنهم يشعرون بالقلق تجاه الإجراءات التي تتخذها الحكومة المصرية إزاء قضايا مثل تطبيق تشريعات الإرهاب والمثليين والجمعيات الأهلية ، والواقع أن الدول التي قادت هذا الإجراء بعد أن خاب مسعاه أكثر من مرة في تدمير مصر وتفكيك جيشها حتى تتمكن من باقي الدول العربية – مثلما فعلت في دول أخرى كثيره مثل أفغانستان والصومال والعراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها – قررت أن تنسحب من الشرق الأوسط وتجند وكلاء لها ليقوموا بالحرب بدلاً منها ، ولكى تحقق هذا الهدف وجدت أنه لم يعد أمامها غير تجنيد واستخدام الخونة والمتآمرين من المصريين أعضاء الجماعات الإرهابية والمتعاطفين معهم، وكذا الذين يتسترون خلف بعض الجمعيات الأهلية التي تعيش على التمويل الأجنبي وتعمل أيضًا لصالح الدول التي قادت التوقيع على ذلك التقرير.
● أن القضايا التي تضمنها ذلك التقرير لم تعد تمتلك فيها الحكومة المصرية وحدها القول الفصل لأن الشعب حاليًا هو الذى ينبذ الإرهابيين بعد كل ما عاناه منهم من قتل ونهب وتخريب وتآمر على الوطن ومقدراته على مدار أكثر من عقد كامل من الزمان ، كما أن قضية المثليين وهم قوم لوط قضية محسومة في كل الأديان السماوية ولا يستطيع أي مسلم أو مسيحي أو يهودي بحق الموافقة علي ما تطالب به هذه الدول بشأن هذه القضية، وعليه فلينس الأمريكان والأوروبيون شماعة حقوق الإنسان في مصر لأن المصريين أدرى بشئونهم وبما يناسبهم ويلتفتوا إلى مراجعة سجلات حقوق الإنسان في بلادهم وكذا سجلاتهم بشأن حقوق الإنسان فى الدول التي نهبوا ثرواتها وذلوا شعوبها وداسوا على كرامة الإنسان وحقوقه فيها ، وإذا كانت قلوبهم رقيقة وحانية وقد أصابها الأسى وليس مجرد القلق على الإرهابيين في مصر فليتركوا القضاء المصرى يحاسبهم ويقتص ممن قتل أو نهب أو تآمر منهم وعندما يسددوا ديونهم فليمنحوهم الجنسية وهنيئا لهم بهم ، أما المثليون والمثليات ومزدوجو الميل الجنسي وغيرهم من أصحاب مبادرات الحقوق الشخصية ومن هم على شاكلتهم فعليهم أن يحترموا تقاليد المجتمع المصري وقيمه الدينية والخلقية إن أرادوا أن يعيشوا في هذا الوطن، أو تقوم تلك الدول بإفساح الطريق لهم ليذهبوا إليها ويعيشوا بينهم ويهنأوا بهم.
● أن الولايات المتحدة التي قادت هذا التوجه ضد مصر ليست عضوا بمجلس حقوق الإنسان منذ أن انسحبت منه في عام 2018 بحجة أن المجلس تم تسييسه، وذلك عندما اتخذ بعض الإجراءات التي تمس كيان الاحتلال الصهيوني.
● أن الدول الأساسية التي وقعت على التقرير ليس لها سجل ناصع البياض في مجال حقوق الإنسان ، ودعوني أذكر ذوي العقول النابهة بما فعلته دول مثل: الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل التي ترعاها، وفرنسا ، وبريطانيا ، وألمانيا ، في السنوات الأخيرة فقط من انتهاكات لحقوق الإنسان، وعلى الرغم من ذلك لا زالت تتشدق وتدعي زورًا وبهتانًا حمل راية الحرية وحقوق الإنسان في العالم ، وواقع الحال أن الأمر بكامله تسييس للمواقف والقضايا في إطار النظام العالمى الجديد للضغط على كثير من الدول لكى لا تنفك من القيود التي فرضتها العولمة والسير في طريق القولبة والتبعية الغربية والتنازل قصرًا أو جبرًا عن ثرواتها الطبيعية واستقلال قراراتها التي تصب في مصلحتها الوطنية لصالح تلك الدول ومصالحها الاستراتيجية.
وفى ضوء ما تقدم فإن كل الأقوال الخادعة والعبارات المُضللة والمزاعم الباطلة حول أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسرائيل تجعل الكثيرين يتوقون لزيارة أي من هذه الدول وبذل جهود مُضنية وتقديم تنازلات لا حصر لها من أجل الحصول على الجنسية الأمريكية أو الفرنسية، أو الإنجليزية أو الألمانية ، والواقع أن كل من انخدعوا بكل ما سبق من عبارات وشعارات ما إن وصلوا إلى أي من تلك الدول حتى صُدِموا وخاصة فيما يتعلق بحقوق الإنسان التي لطالما تشدقت بها هذه الدول، والسطور التالية تكشف الوجوه الحقيقية لهذه الدول وما تخفيه من تمييز وقمع للحريات وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ثانيًا: قراءة فى ملف انتهاكات الولايات المتحدة الأمريكية لحقوق الإنسان

تزعم الولايات المتحدة أنها دولة تأسست على حقوق الإنسان، وأنها مهمومة بالدفاع عن هذه الحقوق حول العالم وتتطوع بإصدار تقارير حول هذه الحقوق في الدول الأخرى كل عام ، إلا أن تصريحات كثير من الساسة الأمريكيين تفضح نفاقهم حيال ما يدعون لأنهم يكذبون ويتبنون معايير مزدوجة بشأن قضايا حقوق الإنسان وتسيسها للحفاظ على الهيمنة الأمريكية ، ويؤكد ذلك ما ذكره وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو” في خطاب له يوم 15 أبريل عام 2019؛ حيث قال ” قمنا بأعمال الكذب والخداع والسرقة … ” ، هذا بالإضافة إلى أن التقارير التي تصدرها الولايات المتحدة حول حقوق الإنسان في الدول الأخرى تتعمد من خلالها تشويه وضع حقوق الإنسان في دول بعينها كونها لا تتوافق معها فى مصالحها الاستراتيجية، مع غض الطرف عن الانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان بالداخل الأمريكي وفى الدول التي غزتها ودمرتها وذلت شعوبها ونهبت ثرواتها.
وبمراجعة مجموعة من التقارير الإعلامية والصحفية والأممية والحكومية التي صدرت حول هذا الموضوع من داخل الولايات المتحدة ومن خارجها – وبصفة خاصة التقرير الذي أصدرته الصين فى 13 مارس 2020 تحت عنوان: سجل انتهاكات حقوق الإنسان في الولايات المتحدة- يتضح أن وضع حقوق الإنسان في الولايات المتحدة بات سيئاً ومتدهورًا بل ومخزيًا، سواء بالداخل الأمريكي أو بالخارج في الدول التي احتلتها أو غزتها أو غيرها، وذلك على النحو التالى:

أ‌. الانتهاكات الأمريكية لحقوق الإنسان بالداخل؛ ويمكن استخلاص الحقائق التالية :
● تتباهى الولايات المتحدة بأنها “أرض الحرية والأمان” و “منارة الديمقراطية والاستقرار”، إلا أن هذا الادعاء لا يشكل سوى زعمًا باطلًا ؛ حيث إنها تتمتع بأسوأ سجل في العالم فيما يتعلق بعنف السلاح ؛ حيث وصلت عمليات القتل الجماعي بها إلى 415 عملية ، بإجمالى 39052 قتيلًا خلال عام 2019، بمعنى أن هناك شخصًا يقتل بالسلاح كل 15 دقيقة- وبحسب تقرير إعلامي أمريكي نشر على الإنترنت بتاريخ 11 ديسمبر 2019- فإن المدنيين الأمريكيين يمتلكون أسلحة أكثر بكثير من المدنيين في أي دولة أخرى ؛ بلغ عددها في 2017حوالي 120.5 سلاحًا لكل 100 فردًا ، وهو ما يعني أن هناك أسلحة أكثر من عدد السكان ، هذا بالإضافة إلى أن تدخل سياسة المال في تشكيل الرأي العام جعلت الانتخابات والديمقراطية لعبة في يد الأثرياء، وذلك وفقًا لتقرير بتاريخ 14 أغسطس 2019 نشر على الموقع الإلكتروني لمجلة (ذا تايم) ذُكر فيه أن طغيان الأموال على العملية السياسية في أمريكا ، يمنح الأثرياء حاليًا مصالحًا ونفوذًا أكثر من أي وقت مضى في التاريخ الأمريكي الحديث، “ويشوه أصوات المواطنين العاديين ويضع الديمقراطية في خطر.
● تتصدر الولايات المتحدة الدول المتقدمة في التباين بين الأثرياء والفقراء؛ حيث يمتلك أغنى 10 بالمئة من الأسر الأمريكية قرابة 75 بالمئة من صافي الثروة، وقد شهدت نسبة الـ 50 بالمئة الأقل ثراء مكاسب صافية صفرية بالثروة خلال الفترة من عام 1989 حتى 2018، وذلك بحسب تقرير لمؤسسة جيه بي مورجان تشيس المالية ومقرها نيويورك، وما نشرته صحيفة (يو.إس. أيه توداي) على موقعها الإلكتروني فى 26 مايو 2019، وغالبًا ما تطرح الحكومة سياسات تدعم هذه الظاهرة؛ حيث يقول ” الستون” – مقرر الأمم المتحدة الخاص-: “إن استمرار الفقر المدقع يعد خيارًا سياسيًا يقرره من هم في السلطة”.
● وفقا للأرقام الصادرة عن مكتب التعداد الأمريكي عام 2018، تعد الولايات المتحدة حاليا الدولة المتقدمة الوحيدة التي تضم ملايين الجوعى، ففي ليلة واحدة من عام 2017، كان هناك أكثر من نصف مليون أمريكي يفتقرون إلى مأوى دائم، كما كان هناك 65 مليون شخص آثروا عدم السعي للحصول على علاج طبي بسبب التكلفة.
● توجد فجوة عرقية مذهلة تمتد لأكثر من 40 عامًا في التوظيف والثروة، فمعدل البطالة بين العمال من ذوي الأصول الأفريقية يناهز ضعفي المعدل لنظرائهم من البيض، كما أن ثروات الأسرة البيضاء تمثل قرابة 10 أضعاف ثروات الأسرة ذات الأصول الأفريقية، وإذا ما استمر هذا الوضع، فإن الأمر قد يستغرق أكثر من 200 سنة حتى تتمكن الأسرة ذات الأصول الأفريقية من جمع ذات القدر من الثروة الذي جمعه البيض.
● استمرار تفاقم التعصب الديني؛ حيث أظهرت استطلاعات مركز بيو للبحوث أن نحو 82 % من المستجيبين قالوا إن المسلمين يتعرضون للتمييز، كما ذكر نحو 64 % منهم أن اليهود يواجهون على الأقل بعض التمييز.
● ذكرت كثير من التقارير الإخبارية في وسائل إعلام أمريكية وغير أمريكية أن هناك تكرار لعمليات إطلاق النار من قبل الشرطة ضد الأمريكيين الأفارقة، كما أنهم أيضًا أكثر عرضة للاحتجاز بواقع 5.9 ضعف مقارنة بالأمريكيين البيض، وقد تم وصف هذه الممارسات من قبل مقرر خاص للأمم المتحدة بأنها من بقايا العبودية والفصل العنصري.
● يُعد وضع النساء في أمريكا هو الأخطر بين دول العالم ذات الدخل المرتفع؛ ففي عام 2015 تبين أن 92% من النساء اللائي قتلن بأسلحة في تلك الدول كن من أمريكا، وأنه في كل شهر كانت تقتل 52 امرأة جراء إطلاق نار من قبل شريك حميم، هذا بالإضافة إلى تعرض نحو 70% من النساء الأمريكيات لعنف جسدي أو جنسي خلال حياتهن.
● يعيش نحو 12.8 مليون طفل أمريكي في فقر، منهم 3.5 مليون دون الخامسة، وبينهم 1.6 مليون يعيشون في فقر مدقع، وقد جاء في تقرير لصندوق الدفاع عن الأطفال أنه:” لا ينبغي أن يشعر أي طفل بالقلق من أين ستأتي وجبته القادمة، وما إذا كان يتوفر له مكان للنوم كل ليلة فى أغنى أمة على ظهر المعمورة “، ثم أضاف: ” لكن نحو طفل من كل خمسة أطفال في أمريكا يعيش في فقر ويواجه هذه الحقائق القاسية يوميًا “.
● يوجد في الولايات المتحدة مسن واحد من بين كل 12 مسنا بلغوا سن الـ 60 أو أكثر لا يتوفر له طعام كاف، بينما يعيش قرابة 40 بالمئة من الطبقة المتوسطة في أمريكا على شفا الفقر أو في حالة فقر لدى بلوغهم سن الـ 65.
● أدت سياسة “عدم التسامح مطلقا” -التي انتهجتها أمريكا مع المهاجرين- إلى انفصال الأطفال عن أسرهم؛ حيث قامت سلطات الهجرة الأمريكية بفصل أكثر من 5400 طفل عن آبائهم عند الحدود المكسيكية، ويوجد 24 مهاجرا بينهم سبعة أطفال في مراكز الاحتجاز منذ 2018.
● تعد الولايات المتحدة هي” الأكثر حروبًا في تاريخ العالم؛ ففي خطاب للرئيس الأسبق جيمي كارتر في يونيو 2019، أكد أن “بلاده تمتعت بـ 16 عامًا فقط من السلام في تاريخها الممتد على مدار 242 عامًا، وأنها شنت حروبًا على العراق وأفغانستان وسورية واليمن وغيرهم، بدون موافقة من مجلس الأمن الدولي ولا من الكونجرس الأمريكي، وأن هذه الحروب تسببت في خسائر بشرية ومادية فادحة ، كما أدت إلى وقوع كوارث لحقوق الإنسان، وبلغت تكلفتها منذ أواخر عام 2001 نحو 6.4 تريليون دولار، وقتل فيها 801 ألف شخص ، وذلك وفقًا للتقارير الصادرة عن مشروع تكاليف الحرب الذي أعده معهد واطسون للشؤون الدولية في جامعة براون في عام 2019 ؛ حيث أودت حرب أفغانستان بحياة أكثر من 40 ألف مدني، وحولت حوالي 11 مليون إلى لاجئين، كما أودت حرب العراق بحياة أكثر من 200 ألف مدني وتحويل أكثر من 2.5 مليون إلى لاجئين، وأودت الحرب السورية بحياة أكثر من 40 ألف مدنى وفرار أكثر 6.6 مليون من البلاد”.
● أظهر تقرير “الجريمة في الولايات المتحدة ” الصادر عن مكتب التحقيقات الفيدرالي في عام 2019، أنه وقع في عام 2018 ما يقدر بنحو 1206836 جريمة عنف في أنحاء البلاد، بينها 16214 جريمة قتل ، و139380 جريمة اغتصاب ، و282061 جريمة سطو ، و807410 اعتداء عنيف، كما أشار تقرير” الضحايا الجنائيين” الصادر عن مكتب إحصاءات وزارة العدل أن عدد ضحايا جرائم العنف في عمر 12 عاما فأكثر في الولايات المتحدة بلغ 3.3 مليون ضحية في عام 2018، وأنه قد وقع في نفس العام حوالى 7196045 جريمة بشأن الممتلكات ، أدت إلى إحداث خسائر تقدر بنحو 16.4 مليار دولار.
● ذكر تقرير نشرته صحيفة (دالاس مورنينج نيوز) على موقعها الإلكتروني يوم 6 ديسمبر 2019، أن ولاية تكساس تضم ثمانية مراكز مراقبة سرية، مدعومة من قبل دوائر إنفاذ القانون على المستويات الفيدرالية والمحلية، وأن هذه المراكز قد أقيمت بهدف تبادل المعلومات الاستخباراتية وتحسين المراقبة وتحليل وسائل التواصل الاجتماعي، كما ذكر تقرير أصدره مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي في 4 يونيو عام 2019، أن مكتب التعرف على الوجوه التابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي لديه قواعد بيانات تضم أكثر من 641 مليون صورة شخصية للتعرف على الوجوه، وفق ما ذكره تقرير بحثي لجامعة جورج تاون، الأمر الذى يطرح أسئلة خطيرة حيال انتهاكات الخصوصية والكرامة والحريات المدنية بشكل ممنهج.
● ذكر تقرير نشر على الموقع الإلكتروني لوزارة العدل الأمريكية في 3 أبريل 2019، أن سجون ألاباما للرجال لا توفر الحماية للنزلاء من العنف بين المساجين ومن الإساءة الجنسية، كما نشر الموقع الإلكتروني لجريدة (ذا صن) في 10 ديسمبر 2019 تقريرًا يتضمن تقديم 14 امرأة دعاوى ضد مجمع كوليمان الإصلاحي الفيدرالي جراء إساءات ممنهجة قلن إنهن تعرضن لها في السجن ، كما سجلت الادعاءات بشأن الاعتداءات والتحرشات الجنسية خلف القضبان زيادة هائلة وصلت 180 % خلال الفترة من 2011 حتى 2015 بحسب تقرير نشر فى4 سبتمبر 2019 على موقع صحيفة (ذا جارديان) ، كما أوضح مسح للسجون في عام 2017، أن نحو 61 ألف سجين يتم احتجازهم في حبس انفرادي على الرغم من أن هذا الحبس يعد أحد ممارسات التعذيب ويسبب معاناة عقلية وجسدية شديدة وقد يؤدي إلى الوفاة
● تعرض ما لا يقل عن 54 صحفيًا منذ عام 2017 للاستدعاء أو مصادرة سجلاتهم، كما تم القبض على 36 صحفيا خلال تغطيتهم احتجاجات، وكذلك تعرض 38 صحفيا عام 2019 للاعتداء، كما مُنع صحفيون من تغطية 28 حادث وفعالية حكومية، وتعرض 9 صحفيين للتوقيف ومواجهة اتهامات جنائية، وذلك وفق ما جاء في تقرير نشر على الموقع الإلكتروني لصحيفة (ذا جارديان) فى 12 ديسمبر 2019.
● تم القبض على نحو 100 محتج في نيويورك في عام 2018 كانوا يطالبون بإغلاق وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك، وفق ما ذكره تقرير لشبكة (سي. إن. إن) نشر في 11 أغسطس 2019، كما تم القبض على ما لا يقل عن 15 محتجًا في مظاهرة نظمتها منظمة السلام الأخضر الأمريكية (جرين بيس يو.إس. أيه) في 12 سبتمبر 2019، وفق ما ذكره تقرير على الموقع الإلكتروني لـ (هيوستن كرونيكل).
● ذكرت صحيفة (ذا يو.إس. أيه توداي) على موقعها الإلكتروني في 7 أكتوبر 2019، أنه في ليلة واحدة من عام 2018، كان هناك أكثر من نصف مليون أمريكي بدون مأوى دائم، كما أوردت صحيفة (لوس أنجلوس تايمز) على موقعها الإلكتروني في 2 يوليو عام 2019، أن قرابة 8 ملايين أمريكي فقدوا منازلهم خلال الركود الاقتصادي وفي أعقابه، وفي 4 يونيو عام 2019، أعلنت هيئة خدمات المشردين في لوس أنجلوس أن 58936 شخصا في مقاطعة لوس أنجلوس يعانون التشرد، بارتفاع بلغ 12 % مقارنة مع 2018، كما ذكرت شبكة (سي. إن. إن) في 18 يونيو 2019 أن نسبة التشرد في المقاطعات المجاورة كانت بذات القدر ولكنها ارتفعت بواقع 43 % في مقاطعة أورانج، و28 % في مقاطعة فينتورا و50 % في مقاطعة كيرن، ولم يحصل المشردون على أي مساعدة.
● يلعب لون البشرة دورا هاما في تحديد مصير الأمريكيين، ويؤدى الهيكل السياسي وأيديولوجية تفوق البيض إلى معاناة الأقليات العرقية من التمييز الشامل في مختلف مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والحياة الاجتماعية ، ولا تزال أمريكا في جوهرها بلدًا للبروتستانت الأنجلو ساكسونيين البيض، أما جميع الأعراق الأخرى فيتعرضون لمستويات مختلفة من التمييز، وقد أشاد كبير مستشاري البيت الأبيض” ستيفين ميلر” بسياسات الهجرة القائمة على العرق التي تبنتها الولايات المتحدة في أوائل القرن الـعشرين، وخلال ترشحه للانتخابات أشار حاكم فلوريدا “رون ديسانتيس” إلى استعارات عرقية قديمة تربط بين ذوي الأصول الأفريقية والقردة.
● شيوع التمييز العرقي خلال إنفاذ القانون، حيث ذكر مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالأشكال المعاصرة من العنصرية والتمييز العرقي وكراهية الأجانب وأوجه التعصب ذات الصلة، أن الأشخاص المنحدرين من أصول أفريقية في الولايات المتحدة لا يزالون يواجهون القتل والمعاملة الوحشية بمعدلات خطيرة من قبل سلطات إنفاذ القانون والحراس، الذين قليلا ما يتعرضون للمساءلة، ويعد البالغون من الأمريكيين الأفارقة عرضة أكثر بواقع 5.9 ضعفًا للسجن مقارنة مع نظرائهم من البيض، وتعد هذه التباينات العنصرية إرثا من بقايا العبودية والفصل العنصري.
● شيوع التمييز العرقى في موقع العمل؛ حيث ذكر مركز (أميريكان بروجريس) على موقعه الإلكتروني يومي 7 أغسطس و5 ديسمبر عام 2019، أنه بالمقارنة مع نظرائهم البيض، يواجه الأمريكيون الأفارقة عوائق كثيرة للحصول على وظائف، فهم يواجهون معدلات بطالة عالية وفرص عمل أقل وأجورا أدنى وإعانات أقل وعدم استقرار وظيفي أكبر، وقد عملت العبودية والفصل العنصري على تركيز العمال الملونين في مهن أقل قيمة ، ويعد الفصل المهني والخفض المستمر لقيمة العمال الملونين نتيجة مباشرة لسياسة حكومية متعمدة، فبينما يمثل الأمريكيون من أصول أفريقية أو آسيوية أو إسبانية أو لاتينية 36 % من إجمالي الأيدي العاملة الأمريكية، إلا أنهم يشكلون 58 % من العمال الزراعيين المتنوعين و70 % من الخدم وعمال النظافة ، و74 % من حمالي الأمتعة والفرّاشين وحراس المباني، ويقل متوسط الأجور لهذه الوظائف بشكل كبير عن متوسط الأجور لكافة الوظائف الأخرى في الولايات المتحدة.
● انتهاك حقوق السكان الأصليين، حيث يقول المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالسكن اللائق كعنصر من عناصر الحق في مستوى معيشي لائق وعدم التمييز، في تقرير حول هذا السياق أن الأمريكيين الأصليين يتعرضوا لمعاملة سلبية بنسبة 28 % من الوقت، عندما يحاولوا استئجار منزل في منافسة مع نظير لهم ولكنه أبيض من غير السكان الأصليين.
● التمييز والعنف ضد المرأة؛ فمنذ تأسيس الولايات المتحدة، لطالما حاربت النساء من أجل المساواة بين الجنسين، لكن حتى يومنا هذا لم تصدق الولايات المتحدة بعد على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ولا تزال النساء في الولايات المتحدة يواجهن تمييزا منهجياً ومؤسسياً واسع النطاق، مع تمييز صريح وسري بين الجنسين بأشكال مختلفة.
● ترفض الولايات المتحدة كأكبر اقتصاد متطور في العالم التصديق على العديد من الاتفاقيات الدولية الرئيسية لحقوق الإنسان، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، وليست لدى الحكومة الأمريكية إرادة سياسية كافية لتحسين ظروف الفئات الضعيفة فحسب، بل إنها تواصل أيضا خفض مشاريع التمويل ذات الصلة.
● ترفض الولايات المتحدة الوفاء بالتزاماتها الدولية في السنوات الأخيرة، وذلك بانسحابها من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، والاتفاق العالمي بشأن الهجرة، وذكرت شبكة ” سي إن. إن” على موقعها على الإنترنت في 4 نوفمبر 2019 أن أمريكا قدمت إخطارًا رسميًا بانسحابها من اتفاق باريس للمناخ. وقال التقرير: إن ذلك يبعث برسالة قوية إلى بقية العالم مفادها: حيث أصبحت الآثار الضارة لتغير المناخ أكثر وضوحًا، فإن الولايات المتحدة لن تكون جزءًا من المسؤولين الدوليين لحل الأزمة.

ب- الانتهاكات الأمريكية لحقوق الإنسان بالخارج؛ ويمكن استخلاص الحقائق التالية.

إن المراجعة المتأنية للتقارير الإخبارية، والإعلامية، والأممية الممثلة في مجلس الأمن والأمم المتحدة والصليب الأحمر واليونيسيف ومنظمة العفو الدولية وغيرها، توضح مدى التهديد وأعمال البلطجة التي تمارسه الملايات المتحدة على المؤسسات الدولية؛ فعندما تقدم المدعون العامون للمحكمة الجنائية الدولية بطلب إلى القضاة لإجراء تحقيق في جرائم الحرب من جانب جميع الأطراف في حرب أفغانستان وكان هناك اشتباه في أن بعض الجنود الأمريكيين وضباط المخابرات مارسوا التعذيب والمعاملة القاسية والاعتداء على الكرامة الشخصية والاغتصاب والاعتداء الجنسي على معتقلين في أفغانستان حذر مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق جون بولتون ووزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو” في سبتمبر 2018 ومارس 2019 على التوالي من أنه إذا ما مضت المحكمة الجنائية الدولية قدما في التحقيق بشأن شخصيات من الولايات المتحدة وحلفائها، فإن الولايات المتحدة ستتخذ تدابير مضادة ضد الأفراد المسؤولين بشكل مباشر عن هذه التحقيقات مثل حظر دخولهم إلى الولايات المتحدة وتجميد الأموال وحتى فرض عقوبات اقتصادية على المحكمة الجنائية الدولية، وبالطبع هذه التهديدات تشكل تدخلاً غير لائق في استقلال المحكمة الجنائية الدولية وتعيق القضاة والمدعين العامين والموظفين التابعين للمحكمة الجنائية الدولية عن أداء واجباتهم المهنية ،كما أنها توضح بشكل جلي أن الحكومة الأمريكية تأخذ القانون الدولي على محمل الجد فقط عندما يكون ذلك في مصلحتها.
● تفرض الولايات المتحدة عقوبات من جانب واحد على دول كثيرة ؛ فوفقا لتقرير على موقع الأمم المتحدة على شبكة الإنترنت في 7 نوفمبر 2019، فإنه للعام الثامن والعشرين على التوالي، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يدعو إلى إنهاء الحصار الاقتصادي والتجاري والمالي الذي تفرضه الولايات المتحدة على كوبا، منذ ستة عقود تقريبا باعتباره انتهاكا صارخا لحقوق الإنسان لجميع الكوبيين ، وقال التقرير: “من الضروري أن تستجيب حكومة الولايات المتحدة لدعوة الامتثال للقرارات التي اتخذها المجتمع الدولي في الجمعية العامة وأن تنهي سياسة الحظر المفروضة على كوبا دون قيد أو شرط”، كما أشارت ميشيل باشيليت المفوضة السامية لحقوق الإنسان إلى أن العقوبات الأحادية التي تفرضها الولايات المتحدة على فنزويلا ستكون لها آثار بعيدة المدى على الحق في الصحة والغذاء في بلد يعاني بالفعل نقصاً خطيرًا في السلع الأساسية.
● تفضح المراجعة البسيطة لبعض الوثائق التي قام موقع ويكيليكس بتسريبها حول الغزو الأمريكي للعراق، مدى التناقض بين الدعوات والشعارات الأمريكية والبريطانية على وجه الخصوص في احترام حقوق الإنسان ونشر العدالة والمساواة والرفاه في العراق وبين ما حدث على أرض الواقع من انتهاكات بشعة وتجاوزات تقشعر منها الأبدان أثناء وعقب غزو العراق لم يقابلها إلا تصريحات ضعيفة وغير مسئولة من قبل بعض المسئولين الأمريكيين والبريطانيين عن مدى عدالة الإدارة الامريكية والبريطانية في معاقبة الجنود الأمريكيين والبريطانيين المسيئين للسجناء والمواطنين العراقيين والمتورطين فى بشاعة القتل والتعذيب والإذلال الذي مارسوه بما يتعارض مع كل القوانين والتشريعات والمواثيق الدولية التي ترفض انتهاك آدمية الإنسان في أوقات السلم والحرب، وذلك على النحو التالى:
▪ تشير الوثائق العسكرية الأمريكية الخاصة بالحرب على العراق التي تم تسريبها عبر موقع ويكيليكس إلى أن القيادة العسكرية الأمريكية في العراق كانت على علم بانتهاكات حقوق الإنسان وأعمال التعذيب التي كان المعتقلون يتعرضون لها في السجون العراقية لكنها فشلت في التحقيق فيها.
▪ كما تشير تلك الوثائق أيضًا إلى أن مئات المدنيين العراقيين قتلوا على حواجز التفتيش التي أقامتها القوات الأمريكية في أعقاب غزو العراق عام 2003، ويقول مراسل بي بي سي في الولايات المتحدة “آدام بروكس” الذي اطلع على الوثائق أنها تتضمن تفاصيل عن عمليات التعذيب التي كانت تجري في المعتقلات العراقية والتي شملت استخدام الصعقات الكهربائية والمثاقب وحتى عمليات القتل.
▪ وحسب الوثائق تلقت القوات الامريكية شريطاً مصورًا لعملية لقتل أحد المعتقلين من قبل ضباط عراقيين في أحد السجون في بلدة تلعفر في شمالي العراق وأنها تسلمت أحد الضباط المتورطين في عملية القتل ولكنهم كانوا يتجاهلون هذه الحوادث أو تسليم المتهمين بهذه الانتهاكات إلى الحكومة العراقية.
▪ وتتهم الوثائق جنودًا أمريكيين بقطع أصابع معتقل عراقي وحرقه باستخدام الآسيد، كما تكشف عن حادثة وقعت في يوليو 2007 قتل فيها 26 شخصًا نصفهم من المدنيين، عندما أطلقت طائرة عمودية الرصاص باتجاه الضحايا، وتؤكد الوثائق أيضًا وقوع حوادث قتل لمدنيين عراقيين في نقاط تفتيش للجيش الأمريكي خلال عمليات ميدانية، كما تظهر كذلك إطلاق الرصاص من طائرة أباتشي أمريكية على رجلين كانا قد أطلقا قذائف مورتر على قاعدة عسكرية في بغداد، إلا أن إطلاق الرصاص على الرجلين تم برغم محاولتهما الاستسلام، حيث تظهر الوثيقة تسجيلاً بين فريق الطائرة الأباتشي يسأل محاميًا ما إذا كان من الواجب قبول استسلام الرجلين أم لا، وكان الرد هو عدم قبول الاستسلام ويمكن إطلاق النار باتجاههما.
▪ كانت الشركات الأمنية تتمتع بحصانة من المقاضاة فى العراق بموجب الأمر رقم 17 الذي أصدره في عام 2004 “بول بريمر” رئيس سلطة التحالف المؤقتة أنذاك ، وفى 16 سبتمبر من نفس العام قُتل 17 مدنياً عراقياً وجُرح 27 آخرين عندما أطلق عليهم النار حراس أمنيون من “شركة بلاكووتر ” ومقرها الولايات المتحدة، ” في مفترق طرق مزدحم في حي المنصور في بغداد، وقالت الشركة إن الحراس أطلقوا النار دفاعاً عن النفس، ولكن الحكومة العراقية وشهود العيان أكدوا أن الحراس بادروا بإطلاق النار، وخلص “مكتب التحقيقات الفيدرالي” في الولايات المتحدة إلى أن إطلاق النار لم يكن مبرراً.
والشيء الغريب في هذا الأمر أن رد فعل الإدارة الأمريكية والأوروبية تجاه نشر هذه الوثائق لم يتطرق لا من قريب ولا من بعيد لما تضمنته من انتهاكات لحقوق الإنسان في العراق ، وكان كل تركيزهم ينصب على كيفية المحافظة على عناصر القوات الأمريكية والأوربية والعراقيين المتعاونين معهم فى ارتكاب هذه الانتهاكات؛ حيث خرجت وزيرة الخارجية الأمريكية -هيلاري كلينتون آنذاك- لتدين “أي تسريب قد يعرض حياة الأمريكيين للخطر.”، كما حذر أمين عام حلف الأطلسي “أندرس فوغ راسموسن” من تلك التسريبات ، وقال خلال مؤتمر صحفي مشترك مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل: “إن هذه التسريبات مؤسفة للغاية ويمكن أن تكون لها عواقب سلبية جدًا على سلامة الأشخاص المعنيين”.
يا سادة للناس عيون مبصرة وعقول مفكرة وتستطيع أن تدرك أن الولايات المتحدة لطالما أظهرت نفسها على نحو خادع بأنها “نموذج يحتذى للدفاع عن حقوق الإنسان، بينما هى -كما تلاحظون- تمارس بشكل فاضح معايير مزدوجة في قضايا حقوق الإنسان، بل وتنظر لحقوق الإنسان كأداة للحفاظ على هيمنتها، ومن ثم تدافع عنها أو تنتهكها وفقاً لاحتياجاتها الخاصة، إن الولايات المتحدة المنشغلة بمشاكل حقوق الإنسان في داخلها، تدوس بلا ضمير حقوق الإنسان للأشخاص في البلدان الأخرى، ما يخلق معاناة لا توصف، وهذه الأعمال المؤذية تشكل انتهاكا خطيرًا للأخلاق والضمير الإنساني، فضلا عن احتقارها من جميع الأشخاص الذين يتمسكون بالعدالة، إن الأفعال أبلغ من الأقوال، ومن ثم ننصح السلطات الأمريكية بكبح جماح غطرستها وتحاملها، والنظر بعين فاحصة لمشاكلها الخاصة بحقوق الإنسان والعمل على إصلاحها، بدلاً من توجيه الاتهامات إلى بلدان أخرى وإبداء ملاحظات غير مسؤولة تجعلها تخصر الأصدقاء قبل الأعداء.

ثالثًا: قراءة في ملف انتهاكات حقوق الإنسان فى فرنسا

● يعلن رئيس فرنسا السابق نيكولاى ساركوزي في أكثر من مناسبة أن النقاب ليس رمزاً دينياً لكنه رمز لإذلال المرأة، وغير مُرحّب به في أراضي الجمهورية الفرنسية، ولا يمكن أن نقبل في بلادنا نساء سجينات خلف سياج ومعزولات عن أي حياة اجتماعية ومحرومات من الكرامة، وقد حظرت فرنسا منذ 2010 ارتداء وإظهار الرموز الدينية في الأماكن العامة والحكومية، وبالطبع الفتيات المسلمات هن أكثر فئة تأثرت بهذا القرار وذلك بالمخالفة للقانون الدولي فيما يتعلق بالحريات الدينية، كما تسئ بعض الجهات داخل فرنسا إلى النبي محمد صل الله عليه وسلم دون أى احترام أو مراعاة لمشاعر المسلمين حول العالم ، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: إننا لو افترضنا جدلاً أن النقاب ليس رمزاً دينياً، فماذا عن الحرية الشخصية؟ وماذا عن احترام تقاليد الآخر وخصوصياته؟ وماذا سيكون رد فعل فرنسا لو أن دولة إسلامية عاملت النساء الفرنسيات في بلادها بالمثل وقامت بمنعهن من كشف رؤوسهن ووجهوهن، واعتبرت أن هذا ضد عفة المرأة، وضد تقاليد وأعراف المجتمع؟!
● في نوفمبر 2017 تم استبدال “حالة الطوارئ” بقانون ” مكافحة الإرهاب” الذي يسمح للشرطة بأن تقوم بتفتيش الممتلكات والتنصت الإلكتروني وإغلاق المساجد… في انتهاك صارخ لحقوق المسلمين، وفرض قيود على حرية التجمع السلمي، وحرية التظاهر واستخدام القوة ضد المتظاهرين أصحاب “السترات الصفراء” مما حوَّل المظاهرات السلمية من قبل المواطنين إلى مواجهات دامية مع الشرطة نتج عنها إصابات بالغة بين المتظاهرين؛ حيث فقد ما لا يقل عن 25 متظاهراً إحدى أعينهم، كما فقد خمسة متظاهرين يداً، كما نتج عن الممارسات القمعية ضد المتظاهرين إصابة الآلاف من المحتجين، وتعرض مراقبو حقوق الإنسان، والصحفيون للإصابة والتهديد بالاعتقال من جانب الشرطة.
● تترك القيود المبالغ فيها على المحتجين السلميون والاعتداء عليهم من قِبَل الشرطة والنظام القضائي، واحتجازهم بسبب إطلاق البالونات أو حمل اللافتات تأثيراً صادماً للغاية على مجتمع دأب على التشدق بالحرية واحترام حقوق الإنسان؛ حيث تم في العامين الماضيين إدانة عشرات الآلاف من الفرنسيين بموجب قوانين غامضة ومطاطة تشمل: تجريم ازدراء الموظفين العموميين، والمحاكمة بزعم المشاركة في جماعة بهدف ارتكاب أعمال عنف، والمحاكمة بسبب تنظيم احتجاج دون الامتثال لمتطلبات الإشعار، وغير ذلك من التهم الفضفاضة، بل والهلامية التي يمكن تأويلها وتطويعها لخدمة السلطات.
● في عامي 2018 و2019 أصدر وزير الداخلية الفرنسي عدة إجراءات من شأنها تقييد حرية المواطنين؛ منها منع الأشخاص من مغادرة مدينة محددة، وإلزامهم بالحضور إلى مقر الشرطة يومياً، ومنعهم من الاتصال بأشخاص معينين، وذلك بحجة حفظ الأمن ومكافحة الإرهاب.
● كما وافق مجلس الشيوخ الفرنسي على قانون يسمح للنساء العازبات والأزواج المثليات بالتلقيح الصناعي، كخطوة على طريق الإصلاح الاجتماعي الساعي إلى الاعتراف للأزواج المثليين بكل ما يتم الاعتراف به للأزواج من جنسين مختلفين.
● وفي 2018 رفضت فرنسا طلبات لجوء مقدمة من أكثر من ألفي شخص من جنسيات مختلفة بالرغم من الانتهاكات التي يمكن أن يتعرضوا لها عند عودتهم لبلادهم.
● وفي العام 2019 قامت فرنسا بإيقاف آلاف المهاجرين واللاجئين إليها من بينهم أطفال غير مصحوبين بذويهم، وإبعادهم إلى إيطاليا وإسبانيا واعتقال بعض الأفراد الذين قاموا بتقديم مساعدات إنسانية لهم على مقربة من الحدود الفرنسية – الإيطالية.
هذه هي فرنسا من الداخل، ذات القشرة البراقة من الخارج والتلوث الأخلاقي، والاستبداد الفكري، والانحطاط الثقافي، والمراهقة السياسية من الداخل ، لذا نجد النائبة الفرنسية في البرلمان الأوروبي “مانون أوبري” تعلن صراحة “أن العلمانية ليست ذريعة ومبرراً لإثارة كراهية المسلمين في الصباح والظهيرة والمساء”، وكذا يصرح الاقتصادي الفرنسي “توماس بيكيتي” قائلا: “من غير الأخلاق أن يستخدم السياسيون الإرهاب لمصلحتهم، فهذه هي استراتيجية الهندوس القوميين الذين دأبوا منذ 10 سنوات على لصق تهمة الخيانة والإرهاب بكل من يدافع عن الأقلية المسلمين.

رابعا: قراءة في ملف انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان في الأراضى الفلسطينية

على الرغم من أن إسرائيل -كسلطة احتلال- يقع عليها العديد من الالتزامات بموجب الأحكام المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقية لاهاي 1907 (المواد 42-57) واتفاقية جنيف الرابعة 1949 (المواد 27-34 و47-78) والبروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جينيف، بالإضافة إلى الالتزامات المقررة عليها بموجب العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1967 إلا أن إسرائيل تواصل توسيع المستوطنات بصورة غير قانونية في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية؛ حيث قامت في عام 2019 بتهجير أكثر من 900 فلسطينيًا في الضفة الغربية بعد هدم منازلهم، وقامت بترخيص البؤر الاستيطانية التي أُنشئت بدون تراخيص على أراضٍ يملكها فلسطينيون، والعجيب في هذا الأمر هو الفجر الأمريكي بالإعلان أن حكومة الولايات المتحدة لن تعتبر المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية غير قانونية بموجب القانون الدولي ثم اعتراف الرئيس الأمريكي السابق ” ترامب” بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان السورية المحتلة -ضاربًا بقرارات مجلس الأمن عرض الحائط- بأن ضم الجولان إلى إسرائيل أمر غير قانوني، ودعونا نتناول هذه الانتهاكات بشيء من التفصيل طبقًا لم ورد في كثير من التقارير الفلسطينية والدولية والأممية الصادرة في عام 2019.
❖ التمييز: حيث تنتهج إسرائيل سياسة التمييز ضد الفلسطينيين الذين يعيشون داخل إسرائيل وفى الأراضي المحتلة منذ زمن بعيد، ولكن جيشها في عام 2019 قتل 38 فلسطينياً لم يشكلوا خطراً على حياة أحد، بينهم 11 طفلاً خلال مظاهرات اندلعت في قطاع غزة والضفة الغربية ولم يتم محاسبة مرتكبي هذه الجرائم، كما تواصل إسرائيل حصارها لقطاع غزة ، وفرض القيود على تنقل الفلسطينيين بإقامة نقاط كثيرة للتفتيش، وإغلاق الطرق ، واحتجاز آلاف الفلسطينيين من داخل إسرائيل بشكل غير قانوني، وإخضاع الفلسطينيين في الأراضى المحتلة للعقوبات الجماعية، وتعريض المعتقلين منهم ومن بينهم الأطفال للتعذيب والمعاملة السيئة، هذا وقد رفضت مصلحة السجون الإسرائيلية طلباً لترجمة أنظمة السجون إلى اللغة العربية، قدَّمته “جمعية حقوق المواطن في إسرائيل”. وردت على هذا الرفض بأن “قانون الدولة القومية” يقتضي ذلك، حيث إنه يجعل حق تقرير المصير حقاً حصرياً يقتصر على اليهود، ويتضمن تمييزاً ضد المدنيين الفلسطينيين، بما في ذلك تخفيض مكانة اللغة العربية.
❖ التعذيب والمعاملة السيئة: حيث إن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تواصل تعذيب المعتقلين الفلسطينيين بما فيهم الأطفال، بالضرب، والصفع، والتقييد المؤلم، والحرمان من النوم، والتهديد ، والحبس الانفرادي لعدة أشهر، وفي 29 سبتمبر 2019، أجرت وزارة العدل تحقيقاً عقب إدخال سامر عربيد المستشفى، حيث أُصيب بكسر في أضلاعه، وبفشل كلوي، إثر تعذيبه أثناء التحقيق، كما توفى أربعة فلسطينيين في الحجز نتيجة للتعذيب كان من بينهم ناصر طقاطقة، الذي حقق معه جهاز الأمن العام الإسرائيلي في 16 يوليو داخل السجن، ومات فى غضون شهر من اعتقاله، كما رفضت السلطات الإفراج عن جثامين ثلاثة من السجناء، واستمرت إسرائيل في منع دخول هيئات حقوق الإنسان إلى الأراضي المحتلة، ومنهم المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بأوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
❖ تقييد حرية التنقل وفرض الحصار على الفلسطينيين: حيث تواصل إسرائيل حصار قطاع غزة ليدخل عامه الحادي عشر، أما في الضفة الغربية فالقيود مفروضة على حركة المدنيين والبضائع مع استمرار فرض الحواجز العشوائية والفجائية في مناطق متفرقة من الضفة مما يؤدى إلى حرمان السكان من العديد من حقوقهم مثل حرمان آلاف الطلاب من الوصول إلى مدارسهم أو جامعاتهم وصعوبة وصول المرضى إلى المستشفيات.
❖ الاعتقال التعسفي وسوء معاملة الأطفال والنساء: حيث إنه بموجب اتفاقية حقوق الطفل – وإسرائيل موقعة عليها- لا يجوز اعتقال الطفل أو احتجازه أو سجنه إلا كملاذٍ أخير ولأقصر مدةٍ ممكنة، ولكن الجيش الإسرائيلي يقاضي المئات من الأطفال الفلسطينيين في المحاكم العسكرية الخاصة بالقُصّر في كل عام وإخضاعهم للمعاملة السيئة على نحو ممنهج، بما في ذلك العنف الجسدي والحبس الانفرادي ووضع عُصابة على العينين، والاستجوابات القاسية بدون وجود محاميهم أو عائلاتهم، ويوجد في الوقت الحالي ما يزيد على 7000 فلسطينيًا في مراكز الاعتقال والاحتجاز بصورة تعسفية منهم ما يقارب 350 طفلاً، كما يمارس العنف ضد النساء الفلسطينيات، وقد قُتل ما لا يقل عن 13 امرأة نتيجة لاستخدام العنف .
❖ قمع المسيرات السلمية المطالبة بحق العودة: ففى خلال شهري أبريل ومايو 2018 نظم الفلسطينيون في قطاع غزة مسيرات سلمية للمطالبة بحق العودة ووقف الجرائم الإسرائيلية التي تستهدفهم، وقد قتلت إسرائيل خلال هذه المظاهرات 39 فلسطينيًا وأصابت أكثر من 5000 أخرين من بينهم 138 كانوا في حالة خطرة.
❖ أكد مقرر الأمم المتحدة الخاص “مايكل لينك” في 18 مارس 2019 بجنيف أن استغلال إسرائيل للموارد الطبيعية الفلسطينية يشكل انتهاكاً مباشراً لمسؤولياتها القانونية باعتبارها القوة التي تمارس الاحتلال، وقال في معرض تقريراً رفعه إلى مجلس حقوق الإنسان في جنيف “أن تدهور إمدادات المياه المستحقة للفلسطينيين واستغلال إسرائيل لمواردهم الطبيعية وتشويه بيئتهم فإنها تؤكد سياستها القائمة على اغتصاب الموارد الفلسطينية واستخدامها -تماماً كما تستخدم أي دولة تحظى بالسيادة- مواردها، وأضاف أن انهيار الموارد الطبيعية لمياه الشرب في غزة، وعدم قدرة الفلسطينيين في الضفة الغربية على الوصول إلى معظم مواردهم من المياه ، أصبح يمثل رمزاً قوياً لانتهاك حقوق الإنسان بشكل ممنهج في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
❖ وأعرب “لينك” عن مخاوفه بشأن مصير الأسر الفلسطينية في القدس الشرقية، حيث تتعرض 200 أسرة تقريباً لخطر الإخلاء القسري، وقال: “ينبغي أن نفهم بأن هذه القضايا والانتهاكات تحجب عن الفلسطينيين أي مسار واضح نحو تقرير المصير، وتقود عوضاً عن ذلك إلى مستقبل أكثر سوداوية ينذر بالمخاطر للشعبين في آن معاً
❖ وقدّمت “ميشيل باشيليت” المفوضة السامية لحقوق الإنسان أربعة تقارير أمام الدورة 43 لمجلس حقوق الإنسان، تغطي الفترة من أول نوفمبر 2018 حتى 31 أكتوبر 2019، أوضحت من خلالها الانتهاكات المتكررة للقانون الإنساني الدولي من قبل جميع المكلفين بالواجبات: إسرائيل ودولة فلسطين وسلطات الأمر الواقع في غزة، وقالت “باشيليت” أن السلطات الثلاث واصلت تقييد حقوق حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمّع السلمي، واحتجزوا الكثيرون بسبب التعبير عن آرائهم على مواقع التواصل الاجتماعي أو المشاركة في مظاهرات أو انتقاد السلطات.
❖ وبحسب تقارير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، قُتل في فترة التقرير 131 فلسطينيا من بينهم 23 طفلا وخمس سيّدات في الضفة الغربية بما فيها القدس، وقطاع غزة، وبالإضافة إلى ذلك أصيب آلاف الفلسطينيين بذخائر حيّة استخدمتها القوات الإسرائيلية، ومن بينهم أكثر من 2,075 جريحا خلال مسيرات العودة في غزة.
❖ وشدد التقرير على التداعيات السلبية للحصار المفروض على غزة والذي يشل حركة تنقل المواطنين والبضائع من غزة وإليها، وهدم المنازل كإجراء عقابي، وإلغاء تصاريح السفر والعمل، واحتجاز الجثث. وقالت باشيليت: “بالإضافة إلى أن القانون الإنساني الدولي يحظره، فإن العقاب الجماعي ينتهك طيفا واسعا من حقوق الإنسان، مثل الحق في افتراض البراءة، وفي مستوى معيشي لائق والصحة والتعليم والعمل والحياة الأسرية”.
وفي التقرير الثاني، تطرقت “باشيليت” إلى المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية، وفي الجولان السوري المحتل، إذ يلحظ التقرير تسارعا في الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وتسارع وتيرة إقامة البؤر الاستيطانية وهدم وتدمير الممتلكات الفلسطينية وما يترتب عليها من تشريد، وتابعت المفوضة السامية تقول:” في الكثير من الأحيان، فشلت القوات الإسرائيلية في حماية السكان الفلسطينيين، أو حتى شاركت في المضايقات والاعتداءات عليهم، ويطغى الإفلات من العقاب على معظم تلك الممارسات”.

وفى ضوء كل ما تقدم نتساءل أين أنتم يا من ترفعون راية الحرية وتدعون حمل راية المحافظة على حقوق الإنسان في العالم من كل هذه الانتهاكات، إن اليوم العالمى لحقوق الانسان من كل عام أصبح بالنسبة للفلسطينيين مناسبة يشعرون فيها بالخذلان في ظل استمرار تسييس قضايا حقوق الإنسان عندما يتعلق الأمر بأراضيهم المحتلة وانتهاكات قواعد القانون الدولي بأشكالها وأنماطها المختلفة فيها، وكذلك في ظل عدم وضع حد لمعاناتهم وإنصاف ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة والممنهجة التي ترتكبها إسرائيل تجاههم. والواقع أن وقف مسلسل هذه الجرائم والانتهاكات يتوقف على إرادة المجتمع الدولي الذي يتوجب عليه تفعيل المساءلة والمحاسبة الدولية لإسرائيل؛ حيث إن استمرار الحصانة التي تمنحها لها أمريكا وبعض القوى الكبرى في العالم تسهم في مزيد من تدهور حالة حقوق الإنسان والأوضاع الإنسانية في الأراضي الفلسطينية.

تعقيب وخاتمة

من القراءة السابقة لملفات حقوق الإنسان في مصر في ضوء كل من التقرير الصادر مؤخرًا عن مجلس حقوق الإنسان في جينيف والموقع عليه من 31 دولة في مقدمتهم الولايات المتحدة وانجلترا وفرنسا ، وبيان وزارة الخارجية المصرية الذي رفض ما جاء بالتقرير من مغالطات وتسييس مكشوف للقضايا، وكذا من القراءة المتأنية لملفات انتهاك حقوق الإنسان في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإسرائيل كعينة للدول التي تدعى الديمقراطية والحرية وحمل لواء الدفاع عن حقوق الإنسان في العالم ؛ يتضح أن الدول التي وقعت على ذلك التقرير تمارس ازدواجية واضحة فى معايير حقوق الإنسان التى تتبعها، وتوظف التقارير التي تصدرها لإدانة الدول التى لا تنتهج سياسات تحقق مصالحها وأهدفها ، وتغض الطرف في نفس الوقت عن انتهاكاتها نفسها لحقوق الإنسان .
إن حكومتي الولايات المتحدة وفرنسا اللتين -على سبيل المثال- تدعيان حمل لواء الدفاع عن حقوق الإنسان فى العالم، لديهما سجلًا معيبًا ومخزيًا فى مجال حقوق الإنسان وتأتى على شاكلتهما بريطانيا وألمانيا وباقى الدول الصغيرة الأخرى التي صارت في ركبهم، واتقاء لشرهم وقعت على التقرير الصادر بحق مصر بتلك الصورة المعيبة بل المفضوحة؛ حيث يتضح جليًا من خلال القراءة التي عرضتها هذه الورقة أن هناك انتهاكات لحقوق الإنسان فى كل من الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل -التي لا يسألها أحد- فى مختلف المجالات، بما فى ذلك الحقوق المدنية، وانتشار المال السياسي، وعدم المساواة فى الدخل، والتمييز العنصري، والمخاطر التى يتعرض لها الأطفال والنساء والمهاجرون، وانتهاكات حقوق الإنسان الناجمة عن سياسات وممارسات أحادية الجانب مع الشعوب الأخرى دون اعتبار للمنظمات الدولية، هذا بالإضافة إلى الانسحاب من كثير من المنظمات الدولية، وتخفيض المساعدات الإنسانية، وتهديد المحكمة الجنائية الدولية وغير ذلك من الانتهاكات التي تم ذكرها في متن هذه الورقة.
لذا فإننى أثمن رد وزارة الخارجية المصرية على ذلك التقرير والتي أعربت فيه عن رفضها التام لما تضمنه ذلك التقرير من أحاديث مُرسَلة تستند الى معلومات غير دقيقة، مؤكدةً على شدة الاستغراب والاستهجان لعدم الاستعانة بما يتم توضيحه لهذه الدول من حقائق ومعلومات حول أوضاع حقوق الانسان فى مصر، كما أننى أحيي وزارة الخارجية على تشديدها على ضرورة المراجعة المدققة لمثل ذلك الكلام المرفوض، ومطالبة تلك الدول بالتوقف عن توجيه اتهامات تعبّر فقط عن توجُّه سياسي غير محمود يتضمن مغالطات دون أسانيد، رفضها أيضًاً أن يتم الاستسهال من خلال الإدلاء بمثل ذلك البيان الذي لا يراعي الجهود المصرية الشاملة في مجال حقوق الإنسان فى كافة جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما تم تحقيقه على هذا الصعيد خلال الأعوام الماضية ، كما أثمن أيضًا قيام بعثتنا في جينيف بإلقاء بيانا أمام مجلس حقوق الإنسان، تم من خلاله تسليط الضوء على أوجُه القصور داخل تلك الدول صاحبة البيان المشترك، بما في ذلك الممارسات التي تتنافى مع مبادئ حقوق الإنسان وتوضيح أن مسألة حقوق الإنسان مسألة تنطوي على عملية تطوير دائم لم تبلغ فيها أى دولة حد الكمال، ولا توجد دولة -أيًا كانت- بإمكانها تنصيب نفسها مقيّماً أو حكماً في هذا الشأن.

عن هاني سلام

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: