تاريخ الطب العربي

تاريخ الطب العربي

بقلم

عبد السلام تنبكجي .. سوريا 

موافقة وزارة الإعلام

31 / 10 / 2019

117978

بسم الله الرحمن الرحيم

علم التاريخ من أجلِّ العلوم قدراً، وأرفعها منزلة وذكراً، وأنفعها عائدة وذخراً

ولله در ابن الخطيب إذ يقول:

وبعد فالتاريخ والأخبار
وفيه للمستبصر استبصار
يجري على الحاضر حكم الغائب
وينظر الدنيا بعين النبل

فيه لنفس العاقل اعتبار
كيف أوتي القوم وكيف صاروا
فيثبت الحق بسهم صائب
ويترك الجهل لأهل الجهل

والطب كما هو معروف

علم به يعرف حفظ الحاصل

من صحة الجسم ورد الزائل

والمنتمي إليه يسمى طبيباً

عاش الطبيب مواسياً ومداوياً

ومعافياً ومعلماً … وعظيما

ولما انتشر الإسلام، واطمأن المسلمون إلى مدائن الأرض التي فتحوها اتجهوا إلى العلوم والمعارف فعنوا بالطب عناية فائقة، واستوحوا كتب من سبقهم من اليونان وغيرهم ثم عدلوها وصححوها، وأضافوا إليها أبواباً لم يسبقهم إليها أحد فتقدم الطب على أيديهم تقدماً ظاهراً

اشترطوا في الطبيب الإلمام بأصول الدين، والفلسفة، والفلك، والموسيقى علاوة على إلمامه بالعلوم الطبية

والعلم الحديث مدين لهم باستعمال عقاقير وأدوية كثيرة كالراوند، والكافور، والصندل، والكحول، والقرنفل، وجوز الطيب، والمر، والعنبر وغيرها من الأشربة والمراهم …

والفحص الطبي عندهم لا يختلف كثيراً عما هو عليه الآن، ويتناول عموماً اختبار البول وجس النبض …

ووجهوا الكثير من عنايتهم للبيمارستانات أو المستشفيات فشيدوها في بغداد، ودمشق، والقاهرة وغيرها وكانت أهم المراكز التي يدرس فيها الطب، وكان منها ما هو خاص ببعض الأمراض، ومنها ما هو عام لجميعها، ومنها المحمول الذي ينقل من مكان إلى مكان على نحو ما هو معروف في زماننا

ويقول غوستاف لوبون: إن مستشفيات العرب كانت من الناحية الصحية أفضل من مستشفيات أوروبا اليوم بسعتها، وجمال موقعها، وكثرة مياهها، وانطلاق الهواء في أطرافها … 

نعم لقد عني المسلمون بالطب عناية فائقة، ونبغ منهم علماء كبار، وجهابذة أفذاذ أنسوا من كان قبلهم، ومهدوا السبيل لمن جاء بعدهم، وعلى أساس نظرياتهم، وابتكاراتهم، ومنجزاتهم كانت النهضة الكبرى في القرن العشرين (الرابع عشر الهجري) فهم وحدهم آباء هذا العلم كما كانوا آباء غيره من العلوم في العصر الحديث … 

ونذكر منهم:

الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العزى بن عوف بن قصي الثقفي من الطائف، رحل إلى أرض فارس وأخذ الطب عن أهل جنديسابور، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يوصي بالتطبب عنده

ومن أقواله المأثورة:

دافع بالدواء ما وجدت مدفعاً، ولا تشربه إلا من ضرورة فإنه لا يصلح شيئاً إلا أفسد مثله …

وأبو بكر محمد بن زكريا بن نصر بن إسماعيل بن إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد الرازي دبر مشفى الري ثم مشفى بغداد زماناً، وكان في ابتداء أمره يضرب العود ويغني ثم نزع عن ذلك وأقبل على تعلم الطب والفلسفة فنال منهما كثيراً 

يقول جورج سارتون: إن الرازي من أعظم أطباء القرون الوسطى

كما يعتبره غير واحد أباً للطب العربي … 

وتقول زيغريد هونكه: امتاز الرازي بمعارف طبية شاملة لم يعرفها أحد قط منذ أيام جالينوس …

ومن أقواله المأثورة:

الأطباء الأميون والمقلدون والأحداث الذين لا تجربة لهم ومن قلت عنايته وكثرت شهواته قتالون

ينبغي للطبيب أن يوهم المريض أبداً بالصحة، ويرجيه بها، وإن كان غير واثق بذلك فمزاج الجسم تابع لأخلاق النفس

ينبغي للمريض أن يقتصر على واحد ممن يوثق به من الأطباء فخطؤه في جنب صوابه يسير جداً …

من تطبب عند كثير من الأطباء يوشك أن يقع في خطأ كل واحد منهم …

وأصيب الرازي في أواخر أيامه بالماء الأزرق أو الساد فجاءه قداح ليقدح عينه فسأله الرازي: كم طبقة للعين؟ فقال: لا أعلم فقال: خير لي أن أبقى كفيفاً من أن يقدح عيني جاهل وصرفه

وأبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي ابن سينا اشتغل بالعلم الإلهي والطبيعيات ثم درس الطب واستوعب الكتب المصنفة به وعالج تأدباً لا تكسباً …

ومن أهم مؤلفاته القانون وفيه كل ما يتعلق بالطب أو يتصل بالمرض أو ينحو ناحية العلاج وقد ترجم إلى اللاتينية وطبع فيها أكثر من ثلاثين مرة وترجم أيضا إلى الإنكليزية …

وكان ابن سينا طبيباً نفسانياً من الطراز الأول

ودعا إلى طب النفوس دواؤها

من دائها وشفاؤها متحقق

وقد أثنى عليه أحدهم بقوله:

طأ الأقدار واستبق السنينا
رسول أنت للأحياء طراً
محوت شجونها بأعف كف
وروحك بلسم في كل جرح
نشرت الطب في الدنيا لواء
وما احتضن السرير سواك رب

واسمعنا حديثك يا ابن سينا
فلا روما خُصصت ولا أثينا
أنرت على أصابعها اليقينا
أشيخاً رحت تلمس أو جنينا
نثرت عليه قلبك والعيونا
على قانونه جمع القرونا

ومن أقواله المأثورة:

أفضل المسكنات: المشي الطويل والانشغال بالأشياء المفرحة …

وأبو الحسن المختار بن الحسن بن عبدون بن سعدون ابن بطلان عاصر ابن رضوان المصري وكان فكهاً، ظريفاً، عذب اللفظ، وافر الأدب، أبي النفس، شديد الإحساس، محباً للخير

ومن خير وصاياه لابنه:

إياك أن تدخل طعاماً على طعام 

ولا تمش حتى تعيا

ولا تجامع عجوزاً 

ولا تدخل حماماً على شبع  

وإذا جامعت فكن على حال وسط من الغذاء 

وعليك في كل أسبوع بقيئة  

ولا تأكل الفاكهة إلا في أوان نضجها 

ولا تأكل القديد من اللحم 

وإذا تغديت فنم وإذا تعشيت فامش أربعين خطوة  

ونم على يسارك لتقع الكبد على المعدة فينهضم ما فيها وتستريح الكبد من حرارة المعدة  

ولا تنم على يمينك فيبطئ الهضم 

ولا تأكل بشهوة عينيك بعد الشبع  

ولا تنم ليلاً حتى تعرض نفسك على الخلاء إن احتجت إلى ذلك أو لم تحتج  

واقعد على الطعام وأنت تشتهيه وقم عنه وأنت تشتهيه …

وأبو علي يحيى بن عيسى ابن جزلة وكان يطبب أهل محلته وسائر معارفه بغير أجرة ولا جعالة ويحمل إليهم الأدوية بغير عوض … 

وأبو نصر أسعد بن إلياس بن جرجس ابن المطران اقتنى أموالاً وافرة وكان جيد المداواة كريم النفس شديد العناية بالكتب خدم صلاح الدين الأيوبي وحظي في أيامه …

وأبو محمد عبد الله بن أحمد ابن البيطار المالقي درس كتب ديسقوريدس، وجالينوس، والرازي، والزهراوي، وابن وافد، والغافقي، وابن رومية واقتبس منها ثم رحل إلى المغرب وسوريا واليونان ليرى النبات في موضعه ويتحقق صفاته بالعيان منكباً عن خطة التحدي والتقليد

وينبغي للطبيب الذي يستحق التقديم أن يكون: معتدلاً في مزاجه، طاهراً في نفسه، متمسكاً بدينه، ملازماً لشرعته، وافر العقل، قوي الذكاء، حسن التصور، معروفاً بصدق اللهجة وأداء الأمانة، مهتماً بما يعنيه، محباً لاصطناع المعروف، يساوي ظاهره باطنه في أفعال الجميل، حسن الخط والعبارة، مواظباً على درسه ومطالعته، ناظراً في كتب المتقدمين، شفوقاً بالضعفاء والفقراء والمساكين، سابقاً إلى معالجتهم قبل معالجته الأغنياء، معروف الأستاذين والشيوخ، أخذ العلم عمن دونه ومن فوقه لقوله صلى الله عليه وسلم: التمسوا الحكمة ولو من يد ذمي ولقوله صلى الله عليه وسلم: الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها التقطها، ويكون عفيف الفرج والبطن والنظر، كتوماً للأسرار، حلو اللسان، قليل المزح والكلام أي لا يتكلم إلا بحسب الحاجة خوفاً من سقوط الحرمة، وأن يلبس ثياباً نظافاً وأجملها البياض

تم بعونه تعالى

عن هاني سلام

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: