مستقبل الطاقه في ظل التغيرات المناخيه الراهنه (1)

بقلم د. كيميائيه. ميسه صلاح الدين اسماعيل

دكتوراه في علوم المواد

يتسارع تغير المناخ العالمي مهددًا سكان الأرض بأخطار محدقة، تمثل مواجهتها تحديًا كبيرًا. يتطلب ذلك التحدي أن يحدث تحوُّل واضح في قطاع الطاقة، بما يعزز الكفاءة في استخدام الموارد، ويرفع مستوى إنتاج الطاقة المتجددة، وينتج آلية فعالة لتوزيع التكلفة على المستهلكين على نحو يحقق العدالة الاجتماعية. فمن الممكن أن تتحقق المواءمة العادلة اجتماعيًا بين حماية البيئة ودعم الاقتصاد إذا تمت عبر آليات واضحة وفعالة.

بالإضافة إلى ذلك، انخفضت أسعار تكنولوجيات الطاقة المتجددة فأصبح بعض أنواعها أرخص مصادر الطاقة المعروفة، وهو ما يقدم لنا فرصة ذهبية يجب اغتنامها والتوسع في الاستثمار فيها، لكنَّه يتطلب قرارات وإجراءات حكومية مدروسة جيدًا. وبناء على ذلك، يناقش هذا التعليق الجهود المطلوبة لتحقيق العدالة الاجتماعية بين الأجيال، في ظل تطور قطاع الطاقة المتجددة في مصر.

مبادئ العدالة الاجتماعية والعدالة بين الأجيال

لو أننا نجهل مكاننا في هذا العالم، فما نوع المجتمع الذي سنؤسسه؟ كان هذا أحد الأسئلة الأساسية التي استلهمها جون رول في صياغة مصطلحه: “حجاب الجهل”  .(Rawl, 1971) وقد رأى رول أننا قادرون على تأسيس مجتمع عادل بالنظر لكل فرد على حدة، في حين رأى إيمانويل كانْت، أن هذا المجتمع سينهض على مبدأين أساسيين للعدالة الاجتماعية: تعظيم المساواة في الحقوق والواجبات لكل شخص، وعدم التسامح مع التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية، إلا إذا كانت نافعة لكل فرد في المجتمع، وفي ظل إتاحة فرص متساوية للجميع.

ومن خلال “مبدأ التوفير العادل”، يؤكد رول على مسؤولية المجتمع عن ضمان حد أدنى من الحياة الكريمة للأجيال القادمة. ويمكن اعتبار ذلك عقدًا أخلاقيًا مُتَّفقًا عليه ضمنيًا بين الأجيال الحالية والأجيال المقبلة. بمعنى آخر، يسعى مفهوم العدالة بين الأجيال إلى تطوير نظام “يلبي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال المقبلة على تلبية احتياجاتهم الخاصة” (WCED, 1987)، وهذا هو جوهر التنمية المستدامة.

لذلك يعد تأسيس نظام بيئي فعال وآمن أحد الجوانب التي لا غنى عنها في التنمية المستدامة. ويؤكد هذا التعليق على أهمية دور الطاقة المتجددة في الحفاظ على البيئة، وفقًا لمبادئ العدالة الاجتماعية والعدالة بين الأجيال.

الحاجة إلى نقلة في مجال الطاقة

لقد بلغ المستوى الإجمالي لغازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي مستوًى قياسيًا جديدًا، بينما زاد التأثير الإشعاعي الإجمالي بنسبة 41٪ منذ عام 1990 (WMO، 2018)، وهو ما يشكل خطرًا وجوديًا على رفاه الكوكب في الحاضر والمستقبل.

بالطبع، سيؤدي عدم اتخاذ إجراءات سريعة إزاء ذلك إلى تغير مدمر في المناخ، تصاحبه آثار مدمرة للحياة على الأرض، من بينها انقراض حوالي 20٪ – 30٪ من الكائنات الحية الحالية، بالإضافة إلى إفناء الشعب المرجانية، وارتفاع كبير في مستوى سطح البحر، كما سنواجه الجفاف الشديد والفيضانات التي تؤدي إلى موجات النزوح وتفجر الصراعات (WWF، 2019).

ولا يمكن معالجة هذا التهديد الخطير، الذي يؤثر بشكل غير متوازن على الفئات الأضعف في المجتمع، إلا من خلال شراكة عالمية. في الواقع، قُطِع شوطٌ مهمٌ في هذا الصدد عام 2015 بالتصديق على اتفاقية باريس ((UNFCCC, 2019، وعلى خطة التنمية المستدامة لعام 2030.

ومن بين 17 هدفًا من أهداف التنمية المستدامة يتمثل الحد من التغير المناخي في الهدف الثالث عشر، وهو: “اتخاذ إجراءات عاجلة لمكافحة تغير المناخ وآثاره من خلال تنظيم الانبعاثات والنهوض بمجالات الطاقة المتجددة” (UN, 2018a). لكن كيف يمكننا تحقيق العدالة الاجتماعية أثناء هذا التحول؟

يشير الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة إلى وجود صلة واضحة بين العدالة الاجتماعية والحد من تغير المناخ، وذلك من خلال زيادة استخدام الطاقة المتجددة. كما ينص الهدف السابع صراحة على أن الرفاه العام للمجتمع يعتمد على “خدمات طاقة موثوقة وبأسعار معقولة […] من أجل التنمية بشكل منصف” (UN 2018b). ويرجع ذلك إلى أن عدم توفر الطاقة بأسعار معقولة يعرقل التنمية الاجتماعية، بسبب تضرر قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والزراعة.

القدرة على تحمل تكاليف إمدادات الطاقة في المستقبل

لا مفر، إذن، من تقليل استخدام الكربون في الصناعة والأعمال، وهذا ما يجعل التحول عن قطاع الطاقة التقليدي مطلبًا حتميًا (IRENA 2018a). ولن يُتاح الانتقال من نظام توليد الطاقة القائم على الوقود الأحفوري إلى نظام خالٍ من الكربون بأسعار مقبولة إلا بتفعيل ثلاثة مبادئ مهمة: “الاستثمار في موارد الطاقة المتجددة، وتعزيز الممارسات الموفرة للطاقة، واعتماد تكنولوجيات الطاقة النظيفة” .(UN, 2018b)

ويجدر بنا أن نشير إلى أن كفاءة استخدام الطاقة أهم من استخدام الطاقة المتجددة. كما تنعكس زيادة التكلفة على ميزانية الدولة، وبالتالي على المستهلكين؛ وهو ما لا يتوافق مع الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة الذي يدعم القدرة على تحمل التكاليف، كما يشكك في مفهوم رول للحريات الأساسية، لأن المجتمع يجب أن يراعي استدامة البيئة من أجل الأجيال القادمة، مع وضع العبء المالي على الجيل الحالي في الاعتبار.

وقد أدى التوسع السريع في تكنولوجيات الطاقة المتجددة على مدار السنوات القليلة الماضية إلى تقليل التكلفة المرتبطة بها، مما دفع بعض مصادر الطاقة المتجددة إلى أن تصبح “[…] الخيار الأقل تكلفة في عدد متزايد من الأسواق” (IRENA, 2019a). وإذا أضفنا عامل التلوث البيئي إلى ذلك، تضاعفت أهمية الانتقال إلى توليد واستخدام الطاقة المتجددة حتى نفي بمسؤوليتنا في الحفاظ على العدالة بين الأجيال.

أيضًا، يجب النظر إلى مقدرة الفئات الضعيفة في المجتمع بعين الاعتبار أثناء التحول إلى استخدام الطاقة الخالية من الكربون، ويشمل ذلك التوزيع العادل لأي رسوم إضافية خلال فترة التحول. وعلى المستوى العالمي تُطَبَّق أدوات مثل: تعريفة التغذية (Feed-in-Tariff)، أو أنظمة المزادات العلنية أو تداول الانبعاثات.

وتتطلب عملية التحول تحليل الوضع الراهن لتحديد الأدوات التي يمكن تطبيقها على النحو الأمثل في كل بلد. أما على المدى الطويل، فإن الحد من الكربون هو الحل الوحيد للتعايش المستدام بين البيئة والاقتصاد والمجتمع.

المراجع

 

المقال القادم : تطور قطاع الطاقه في مصر (2)

عن Dr. Maisa Salah

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.