تطوير التعليم و اقتصاد المعرفة( ١)

بقلم :
د. الهلالى الشربينى الهلالى
أستاذ تخطيط التعليم
وزير التربية والتعليم والتعليم الفنى السابق

يدين العالم للمبدعين من أبنائه بكل التقدم الذى حدث فى مختلف الميادين الإنسانية والتطبيقية؛ فالثروات المختلفة كانت موجودة فى باطن الأرض منذ آلاف السنين، والشمس والرياح كانت موجودة فى السماء منذ بدء الخليقة، والمياه كانت تجرى فى الأنهار منذ فجر التاريخ ، إلا أن هذه المصادر كانت نسيًا منسيًا ولم تتحول إلى طاقة إلا بعد ظهور الإنسان المتعلم الذى اكتشفها ووظفها فى كل مناحى الحياة ، وبالطبع لم يتحقق ذلك بشكل عفوى أو نتيجة للصدفة ، وإنما كان نتيجة لبذل الجهد ابتداءًا من تربية النشء على إعمال الفكر وتشغيل العقل وحتى التجريب والتطبيق، وهو ما يعرف الآن باقتصاد المعرفة.

ومنذ نهاية القرن الماضى وبداية القرن الحالى ونحن نعيش فى ظل نظام عالمى جديد ، نظام ديناميكى متغير، لا شئ فيه ثابت أو دائم، نظام تسوده ثورات تكنولوجية ومعلوماتية غير مسبوقة، أفرزت للبعض مكاسب هائلة، وللبعض الآخر أزمات طاحنة، وتحديات متنوعة، تركت انعكاسات جد خطيرة على كل مناحى الحياة بما فيها مؤسسات التعليم، منها: التطور العلمى والتكنولوجى الهائل، وتنامى دور التكنولوجيا فى تسيير عمل المؤسسات حتى صارت تتحكم فى إدارة بعضها بالكامل ، والإنتاج الرأسمالى الضخم ، وترسخ مفهوم العولمة، والتحول الرقمى ، واقتصاد المعرفة ، وتصاعد حركة التنافسية الدولية وصدور تقاريرها والاعتداد بنتائجها. وقد قابل كل ذلك من جانب الدول العربية عدم قدرة على مواكبة ما يحدث فى العالم بصفة عامة ، وما يحدث فى دول الجوار غير العربية بصفة خاصة من تطورات علمية وبحثية واقتصادية غاية فى الأهمية ، ربما صارت تهدد أمن المنطقة بأثرها.

والواقع أن العالم يشهد حاليًا تطورًا غير مسبوق فى الاستثمار فى رأس المال المعرفى، ومن ثم تعاظمت مستحدثاته، وتشابهت مخرجاته وتشابكت ، وعليه زادت طموحات البعض وتضخمت، بينما اضمحلت عند البعض الآخر وتراجعت، ومن ثم صار متخذو القرارات فى معظم المؤسسات الصغيرة والدول الفقيرة فى حيرة من أمرهم، بينما صار أقرانهم فى المؤسسات الكبيرة، والدول المتقدمة فى سعادة بالغة ونشوة غامرة نظرًا لما قدمته التكنولوجيا لهم من حلول أشبه بالمعجزات، وما جلبته عليهم من نفوذ ، وتدفق فى الأموال ، وسرعة ودقة فى إنجاز الأعمال.

وإذا كان الرباعى المتمثل فى (رأس المال ، والعمل ، والأرض ، والتنظيم) يشكل العناصر الرئيسة للعملية الإنتاجية فى الاقتصاد التقليدى ، فإن المعرفة بما تتضمنه من ذكاءات وإبداعات ومعلومات تمثل المكون الأساسي والجزء الأكبر من القيمة المضافة في العملية الإنتاجية “لاقتصاد المعرفة” ، ويذهب ” فيرتز ماكلوب” فى هذا السياق إلى أن الاقتصاد يعد اقتصادًا معرفيًا أيضًا “عندما تفوق أعداد العمالة فى القطاعات المعرفية أعدادهم فى القطاعات الاقتصادية الأخرى”.

وطبقًا لتقديرات الأمم المتحدة فإن اقتصاد المعرفة يساهم فى الوقت الحالى بما يزيد على 7% من الناتج المحلي الإجمالي العالمى، وينمو بمعدل سنوي لا يقل عن10%، و يصل إلى حوالى50% من الناتج الإجمالي للدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي ، وتتمثل أهمية هذا الاقتصاد فى قدرته على تحويل الدول الفقيرة إلى دول متطورة وحديثة من خلال تقليل الاعتماد على الموارد الطبيعية، وتحسين الأداء، وزيادة الإنتاجيّة، وتطوير نوعية الإنتاج، وتقليل تكاليفه ، و دعم الدخل القومي، وزيادة الدخل الفردي، وتوسيع الاستثمار المرتبط ببناء رأس مال معرفي ينعكس على توليد المعرفة وتوفير فرص عمل متنوعة فى مجالات متقدمة ترتبط بنشاطات المعرفة.

ويؤكد الواقع الحالى أن الانطلاق في اقتصاد المعرفة يتطلب من الدولة إجراء زيادة حاسمة في الإنفاق المخصص لتطوير التعليم وتعزيز المعرفة فى مؤسساته ابتداءًا من المدرسة الابتدائية وصولاً إلى التعليم الجامعي، كما يتطلب من المستثمرين إدراك أهمية اقتصاد المعرفة، وذلك بالمساهمة في تمويل جزء من تكاليف البحث العلمي ، والابتكار ، وتعليم العاملين لديهم ورفع مستوى تدريبهم وكفاءتهم. ( يستكمل فى المقال القادم)

عن هاني سلام

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: