أ.د الهلالي الشربيني
أ.د الهلالي الشربيني

الإسكان الجامعى الطلابى في مصر بين المجانية والخصخصة (٢/٢)

أ. د الهلالى الشربينى الهلالى
وزير التعليم السابق يكتب :
الإسكان الجامعى الطلابى في مصر
بين المجانية والخصخصة (٢/٢)

يمثل الإسكان الجامعي الطلابي خدمة مهمة تقدمها الجامعات الحكومية للطلاب الملتحقين بها القادمين من أماكن بعيدة، ومن الضروري أن تتوافر في هذه الخدمة عناصر الأمان والجودة والوظيفية والحد الأدنى للتكلفة التي يستطيع الطالب أن يتحملها، والواقع أن الطالب – فى الغالب – لا يهتم بمعرفة الجهة التي تتولى إدارة أو تطوير هذه الخدمة؛ حيث إن كل ما يهمه هو الحصول عليها بشكل ملائم ومتكامل مع خدمات أخرى إدارية وأكاديمية.

ويشير الواقع الحالي إلى أن الجامعات الحكومية في معظم دول العالم تعاني من مشاكل في تدبير التمويل اللازم، ومن ثم فمعظمها في حالة بحث متواصل عن مصادر تمويل إضافية غير حكومية، وقد ظهرت في السنوات القليلة الماضية الخصخصة في خدمة أو أكثر من الخدمات التي تقدمها كمصدر من هذه المصادر، ويشير مسح أجرته مجلة الجامعات والمدارس الأمريكية إلى أن نحو (93%) من الجامعات الأمريكية قد لجأت إلى خصخصة خدمة أو أكثر من الخدمات غير التعليمية التي تقدمها.

وهناك مجموعة من الأمور الأساسية التي يجب وضعها في الاعتبار قبل اتخاذ قرار بإبرام اتفاق مع أي جهة خارجية لإدارة خدمة معينة داخل الجامعة – بصرف النظر عن نوع الخدمة – منها: أولًا: التمويل؛ ويقصد به مدى قدرة الجامعة على تحمل التكاليف المباشرة وغير المباشرة لتشغيل وإدارة الخدمة. ثانيًا: المصادر البشرية؛ ويقصد بها مدى امتلاك الجامعة للعناصر البشرية المدربة القادرة على إدارة الخدمة وتشغيلها بالكفاءة المطلوبة. ثالثًا: الرسالة والثقافة؛ ويقصد بهما مدى علاقة الخدمة المراد تقديمها برسالة الجامعة وثقافتها والانعكاسات التي يمكن أن تحدث نتيجة التعاقد مع طرف لا يتوافق مع هذه الثقافة وتلك الرسالة التاريخية للجامعة. رابعًا: الكفاءة والرقابة؛ ويقصد بهما مدى التأثير المحتمل لهذا الاتفاق على قدرة الجامعة على التحكم في التوجه العام وأولويات التشغيل والرقابة. خامسًا: جودة الخدمة؛ ويقصد بها مدى قدرة الطرف الآخر على مواجهة احتياجات العملاء (الطلاب والعاملين وأعضاء هيئة التدريس). سادسًا: الاعتبارات الأخلاقية والقانونية؛ ويقصد بها مستوى المخاطرة وصراع المصالح المحتمل ظهوره نتيجة تنفيذ التعاقد.

وهناك أيضًا مجموعة من الأمور التي تتعلق بالطلاب يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند التحول كليًا أو جزئيًا من الإسكان الجامعي الطلابي الحكومي إلى الإسكان الجامعي الطلابي الخاص، نذكر منها: أولًا: المرشد المقيم؛ فالمرشد المقيم في الإسكان الحكومى يهتم بشكل أساسي بالجانب التعليمي أكثر من اهتمامه بالجوانب الإدارية للإسكان الجامعي، ولكن في الإسكان الخاص يتم تحديد مرتبات وحوافز المرشدين في ضوء إسهاماتهم في تحقيق الإدارة الفعالة. ثانيًا: الحالات النفسية الملحة؛ ففي مثل هذه الحالات يتم الاتصال بالجهات المعنية سواء الشرطة أو المستشفيات للتعامل مع الحالة، ثم تحديد مدى الحاجة للاتصال بأي شخص آخر من أقارب الطالب أو مسئولي الكلية التي ينتسب إليها، وهذا يعني أن الجامعة لن تتدخل إلا بعد السيطرة على الحالة والتعامل معها. ثالثًا: عدم التوافق بين الطلاب في الغرف؛ وفي مثل هذه الحالات يجب أن تتوافر لدى الطلاب المسئولية الشخصية للتعامل مع المواقف بأنفسهم والانتقال إلى غرف أخرى في حالة وجود أماكن خالية. رابعًا: إعلام أولياء الأمور؛ وهذا يعنى ضرورة إعلام أولياء الأمور بأي انتهاكات قد يرتكبها الطالب إذا كانوا قد اشتركوا معه في التوقيع على عقد الإيجار. خامسًا: الانتهاكات القانونية؛ مثل تعاطي المخدرات والخروج عن الآداب العامة… إلخ، وهنا لا بد من توضيح كيفية التعامل مع هذه الانتهاكات، هل يتم التعامل معها على أنها مخالفات لعقد الإيجار أم على أساس أنها جرائم يعاقب عليها القانون، وهل يعاقب مرتكب مثل هذه المخالفات في إطار قانون الجامعات ولوائح تأديب الطلاب أم يحال إلى النيابة العامة ويحاكم أمام المحاكم خارج إطار الجامعة. سادسًا: شكاوى الطلاب؛ وهذا يعنى ضرورة وجود مسئول إداري مقيم من قبل الجامعة لتلقي شكاوى الطلاب والتعامل معها في ضوء شروط العقد، وذلك حفاظًا على حقوق الطلاب.

وبالإضافة إلى الأمور سالفة الذكر هناك كذلك مجموعة من الأمور التي تتعلق بالإدارة الجامعية ، يجب أن توضع في الاعتبار عند خصخصة الإسكان الطلابي الجامعي الحكومي كليًا أو جزئيًا ، تشمل المصادر البشرية والإدارة المالية وإدارة التشغيل ، ولا شك أن التخطيط الجيد قبل التحول إلى خصخصة الخدمة يجعل كل الإدارات المعنية على علم بدورها الجديد ، وعلى الرغم من تفرد كل جامعة بظروفها فإن عملية اتخاذ القرار ربما تكون واحدة ، وحتى يحقق صانعو القرار ومتخذوه بالجامعات نجاحًا ملموسًا من الضروري استخدام منهجية بنائية تمكنهم من وضع مدى كبير من القضايا في اعتبارهم للوصول إلى قرار يراعي وجهات نظر عدد كبير من ذوي الاهتمام بموضوع القرار ، وتتمثل أهم المكونات أو المراحل الرئيسة لعملية القرار الجيد في مثل هذا الوضع في تحديد المشاركين الرئيسيين، ووضع إطار للعمل، وتقييم البيئة الحالية، وتحديد متطلبات العميل، ووضع تصور للتشغيل، وتحديد بدائل للتشغيل، ومراجعة الجوانب التشريعية والأخلاقية والمجتمعية ، ومقارنة البدائل المقترحة، واختيار البديل الأفضل، وبناء عملية التقويم والتطوير المستمر.

وفي ضوء ما سبق يمكن إجمال الخطوات التي يمكن اتباعها لخصخصة الإسكان الجامعي الطلابي أو جزء منه بشكل فعال في : استثمار قادة الجامعة لجهودهم الإدارية الحقيقية لتحقيق أفضل أداء مع تحديد شخص محدد لقيادة هذه الجهود، ومراجعة النظير؛ بمعنى مقارنة تكلفة التشغيل والتجديد والتطوير والصيانة التي تتم في الإطار الحكومي بمثيلاتها في القطاع الخاص، ومناقشة عملية الخصخصة وشرحها وتحليلها مع المجتمع الجامعي قبل الدخول في أية مفاوضات أو ارتباطات ، والبدء بمشروع تجريبي يتم من خلاله توضيح المفهوم الحقيقي لخصخصة الخدمات الجامعية غير التعليمية أو البحثية، ثم استخدام نتائج المشروع بعد ذلك لتنفيذ التحول المطلوب .

ويمكن أن تسير جهود المشاركة بين الجامعات والقطاع الخاص في مجال الإسكان الجامعي الطلابي في مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في التخطيط للمشروع على مستوى الجامعة، ويتضمن ذلك وضع استراتيجية مستقبلية للإسكان الجامعى تأخذ في الاعتبار السوق المحيطة بالجامعة، والجهات التى ستقوم بتمويل المشروع من خلال المشاركة مع إتاحة الرقابة من قبل الجامعة، والموارد المطلوبة للجهة التي ستقوم بالبناء، وتوفير الأراضي سواء بالشراء أو الإيجار، هذا بالإضافة إلى تحديد أهداف الجامعة الساعية نحو خصخصة الإسكان الطلابي؛ إذ ينبغي الإفصاح عن هذه الأهداف بوضوح، وأن تكون بمثابة مدخلات للجامعة في سبيل الأخذ بنموذج من نماذج المشاركة .

أما المسار الثانى فيتعلق بهيكلة المشاركة، ويتضمن ذلك تحديد الجوانب القانونية والتنظيمية والسياسية التي تحتاج إلى مزيد من الدراسة، وكذا تحديد الأهداف التي تسعى الجامعة إلى تحقيقها من وراء هذا التوجه، ومن ثم الإجابة عن تساؤلات كثيرة، منها: هل هناك مشكلات مالية تواجه نظام الإسكان الطلابي القائم تحول دون إقامة مشروعات جديدة بنفس الطريقة؟ وهل الجامعة مهتمة بإبعاد تكاليف المنشآت الجديدة عن حساباتها حتى لا تتحمل الديون من أجل مبانٍ لا تدر عائدًا عليها؟ وهل تعد الرغبة في تحقيق كفاءة كتلك الموجودة في القطاع الخاص وتجنب البيروقراطية الحكومية عاملاً أساسيًا؟ هذا بالإضافة إلى فحص التفاصيل الخاصة بمقدرة كل جامعة على دعم مشروع لا يسعى للربح، وما إذا كانت لديها الحرية والحق فى تأجير المدينة الجامعية لجهة ما من عدمه.

عن هاني سلام

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: