كيف تُعيد “الأصالة” صياغة قواعد التسويق والعمل؟
بقلم د.علا محمود معوض
استشارى التحول الرقمى والتحليل المكانى والذكاء الاصطناعى
مدرس نظم معلومات الاعمال بالجامعات
نعيش اليوم في عصر يمتلك فيه أي فرد يحمل هاتفاً ذكياً القدرة على بناء جمهور عالمي وتأسيس ما يُعرف بـ “المؤسسة الفردية”. هذا التحول خلق ما يسمى باقتصاد صناع المحتوى، وهو سوق بمليارات الدولارات يعيد تشكيل علاقة الشركات بالمستهلكين. ولكن، مع دخول الذكاء الاصطناعي التوليدي كلاعب أساسي في توليد النصوص، الصور، والفيديوهات بضغطة زر، واجه هذا الاقتصاد تحدياً وجودياً يتمثل في كيفية الحفاظ على الأصالة والموثوقية في عالم تصنعه الخوارزميات.
لم يعد المستهلك الحديث يثق بالإعلانات التلفزيونية الضخمة أو الحملات التسويقية التقليدية التي تبدو مصطنعة وموجهة فقط للبيع. في المقابل، أصبح المستهلك يبحث عن الأصالة؛ يريد أن يرى شخصاً حقيقياً يشاركه تجربته الصادقة مع منتج ما بعيوبه وميزاته. من هنا ظهرت قوة صناع المحتوى الصغار، حيث أدركت الشركات أن صانع محتوى يمتلك آلاف المتابعين المخلصين لديه قدرة تأثير تفوق أحياناً مشاهير الملايين، لأن العلاقة هنا تُبنى على الثقة والصداقة الافتراضية وليس على بريق الشهرة الزائف.
ومع ذلك، فإن هذا التدفق نحو الأصالة واجه معضلة كبرى مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي. فالقدرة على إنتاج مئات المقالات أو مقاطع الفيديو يومياً بآلية كاملة هددت بإغراق الإنترنت بمحتوى مكرر وبلا روح. والشركات التي اندفعت لاستخدام هذه الأدوات لمجرد تقليل التكلفة وزيادة الكمية، اكتشفت سريعاً أن الجمهور بات يمتلك حاسة سادسة لاكتشاف المحتوى الذي كتبته الآلة دون لمسة بشرية، مما أدى إلى نفور العملاء وتراجع ثقتهم بالعلامة التجارية.
هذا التحدي فرض قواعد جديدة في عالم التسويق، حيث تعلمت الشركات الذكية وصناع المحتوى المحترفون عدم محاربة التكنولوجيا، بل تبنيها كعامل مساعد خلف الكواليس. الاستخدام الذكي يعني أن تترك للآلة مهام العصف الذهني، ترتيب الأفكار، والتحليلات الضخمة، بينما تظل الصياغة النهائية، ورواية القصص، واللمسة العاطفية بشريّة خالصة. فالأتمتة الكاملة للردود وصناعة الفيديوهات المزيفة تعني موت الأصالة، بينما دمج الذكاء الاصطناعي مع الحضور البشري يضمن الكفاءة والجاذبية معاً.
وفي خضم هذا التحول الرقمي المتسارع، برزت أخلاقيات عمل جديدة تحكم الأمانة الرقمية في الأسواق. أصبح من الضروري على الشركات وصناع المحتوى الإفصاح بشفافية عند استخدام التقنيات التوليدية في إنتاج أعمالهم، مع احترام حقوق الملكية الفكرية للمبدعين الذين تُدرب الخوارزميات على إنتاجهم. إن الالتزام بعدم تزييف الحقائق أو توليد تقييمات وهمية للمنتجات بات المعيار الأساسي لتقييم مصداقية أي شركة في السوق الحديث.وفي الختام، يمكن القول إن التحدي في العصر الرقمي الجديد لم يعد يكمن في كيفية إنتاج المحتوى، بل في كيفية الحفاظ على بشريته وأصالته. الشركات وصناع المحتوى الذين سيفوزون في المستقبل هم من يستغلون قوة التقنية والأتمتة لتسريع عملياتهم، مع إبقاء الصدق، الشفافية، والعلاقات الإنسانية الحقيقية في مقدمة الصورة لتخاطب قلوب وعقول المستهلكين.
اقرأ أيضًا: مراكز بيانات فضائية جديدة تمهّد لعصر الذكاء الاصطناعي خارج الأرض
اقرأ أيضًا: بريطانيا تحذر من مخاطر نماذج الذكاء الاصطناعي
المجلة العلمية اهرام مجلة مستقلة تحت إشراف هاني سلام