في إنجاز جديد لعلم الفلك الحديث، أعلن باحثون عن اكتشاف ما يشبه “عالماً مفقوداً” من الثقوب السوداء، بعد تحليل كميات هائلة من البيانات التي جمعتها مراصد موجات الجاذبية خلال السنوات الأخيرة.
وكشف الفهرس العلمي الجديد عن 161 حدثاً إضافياً لاندماج الثقوب السوداء، ما رفع العدد الإجمالي للأحداث المرصودة إلى مئات الحالات. ونتيجة لذلك، حصل العلماء على صورة أكثر وضوحاً لأحد أكثر الأجسام غموضاً في الكون.
ولا يعني هذا الاكتشاف العثور على ثقوب سوداء جديدة فقط، بل يكشف أيضاً عن تاريخ كوني معقد استمر مليارات السنين.
اقرأ المزيد
كيف اكتشف العلماء هذه الثقوب السوداء؟
لا يمكن رؤية الثقوب السوداء مباشرة لأنها لا تصدر ضوءاً يمكن للتلسكوبات التقليدية التقاطه.
لذلك يعتمد العلماء على تقنية مختلفة تعرف باسم موجات الجاذبية. وهي تموجات في نسيج الزمكان تنشأ عندما تصطدم أجسام فائقة الكتلة ببعضها البعض.
وعندما يندمج ثقبان أسودان، يطلقان كمية هائلة من الطاقة على شكل موجات جاذبية تنتشر عبر الكون بسرعات هائلة.
وتلتقط مراصد متخصصة هذه الإشارات الدقيقة، ما يسمح للباحثين بدراسة أحداث وقعت على بعد مليارات السنين الضوئية.
عالم لم يكن مرئياً من قبل
أظهرت البيانات الجديدة أن عمليات اندماج الثقوب السوداء أكثر شيوعاً مما كان يعتقد سابقاً.
كما كشفت عن وجود ثقوب سوداء تشكلت نتيجة اندماجات سابقة، ثم شاركت لاحقاً في اندماجات جديدة.
ولهذا شبه بعض الباحثين الأمر باكتشاف حضارة مفقودة ظلت مخفية عن الأنظار لفترة طويلة.
فبدلاً من رصد أحداث منفردة، بدأ العلماء يرون شبكة معقدة من التفاعلات الكونية التي تمتد عبر فترات زمنية هائلة.
لماذا يعد هذا الاكتشاف مهماً؟
يساعد هذا الفهرس الجديد العلماء على فهم كيفية تشكل الثقوب السوداء ونموها عبر الزمن.
كما يساهم في اختبار بعض النظريات الأساسية في الفيزياء، بما في ذلك نظرية النسبية العامة التي وضعها ألبرت أينشتاين.
وعلاوة على ذلك، قد تساعد هذه البيانات على كشف أسرار تطور المجرات والنجوم العملاقة التي تنتهي حياتها بتكوين الثقوب السوداء.
ماذا تعلمنا موجات الجاذبية؟
قبل سنوات قليلة فقط، كان العلماء يعتمدون على الضوء لرصد معظم الظواهر الكونية.
أما اليوم، فقد أصبح بالإمكان “الاستماع” إلى الكون عبر موجات الجاذبية.
وبفضل هذه التقنية الجديدة، أصبح الباحثون قادرين على دراسة أحداث كانت غير مرئية بالكامل في الماضي.
ولهذا يصف بعض العلماء عصر موجات الجاذبية بأنه بداية فصل جديد في تاريخ علم الفلك.
الكون ما زال يخفي الكثير
رغم هذا الإنجاز الكبير، يؤكد الباحثون أن ما اكتشف حتى الآن قد يمثل جزءاً صغيراً فقط من عدد الثقوب السوداء الموجودة في الكون.
ومع تحسن حساسية المراصد خلال السنوات المقبلة، يتوقع العلماء اكتشاف آلاف الأحداث الجديدة.
وقد يؤدي ذلك إلى إعادة رسم فهمنا لتاريخ الكون وتطوره منذ نشأته الأولى.
فكل إشارة جديدة تلتقطها مراصد موجات الجاذبية قد تكشف جانباً آخر من هذا العالم الخفي الذي ظل بعيداً عن أعين البشر لمليارات السنين.
هانى سلام
المجلة العلمية اهرام مجلة مستقلة تحت إشراف هاني سلام