الأمن الغذائي يبدأ من الحقل.. كيف تؤثر اضطرابات الملاحة في وصول مستلزمات الزراعة إلى مصر؟
عبدالله سعيد الحبسي
كاتب وباحث إماراتي متخصص في الأمن وإدارة المخاطر والمرونة المؤسسية
من اضطراب الملاحة إلى مائدة الأسرة
حين تتأخر سفينة تحمل أجهزة إلكترونية قد ينتظر المستهلك شراء هاتف جديد، لكن تأخر شحنة من مستلزمات الزراعة قصة مختلفة. فالموسم الزراعي لا ينتظر انتهاء أزمة سياسية، والأرض لا تؤجل احتياجاتها حتى تستقر الأسواق. وهكذا قد يتحول اضطراب ممر بحري بعيد إلى مشكلة يومية لفلاح لم يغادر قريته قط.
أعادت المخاوف المتعلقة بالملاحة في مضيق هرمز طرح سؤال يتجاوز أسعار النفط: ماذا يحدث للغذاء حين تصبح حركة السفن أقل يقينًا؟ الأسمدة ومدخلات الإنتاج ليست مجرد أرقام في جداول الاستيراد، بل عناصر تحدد تكلفة المحصول وتؤثر في قدرة الناس على شرائه. وليس ضروريًا أن تنقطع الإمدادات حتى تبدأ المشكلة، فقد يكفي أن ترتفع تكلفة النقل أو يتأخر وصول الشحنات.
مصر وتأثير اضطراب سلاسل الإمداد
في مصر، حيث ترتبط أسر كثيرة بالزراعة، يبدو السؤال قريبًا من البيوت. الفلاح لا يتابع أسعار التأمين البحري كل صباح، لكنه يريد معرفة ما إذا كانت احتياجاته ستصل في الموعد المناسب وبسعر يستطيع دفعه. وإذا تأخرت الإجابة، فإن أثرها قد ينتقل من الحقل إلى التاجر ثم إلى السوق، قبل أن تكتشف الأسرة سبب ارتفاع فاتورة مشترياتها.
ولا يعني ذلك أن كل اضطراب في هرمز سيؤدي حتمًا إلى نقص الأسمدة في مصر، أو أن الإمدادات المصرية تعتمد جميعها على هذا الطريق. مثل هذه الأحكام تحتاج إلى بيانات دقيقة عن الإنتاج والمخزون ومصادر التوريد. لكن الأزمات تكشف أحيانًا نوعًا آخر من الاعتماد: أن تكون المادة متاحة نظريًا، بينما يصبح وصولها في الوقت المناسب أكثر صعوبة أو تكلفة.
الأمن الغذائي يبدأ قبل وصول السلع إلى الأسواق
لهذا أرى أن الأمن الغذائي لا يبدأ عند رفوف المتاجر. يبدأ في الحقل والمصنع والميناء، وفي المؤسسات التي تعرف متى تتحول زيادة عابرة في الأسعار إلى مشكلة تستدعي التحرك. الإنتاج المحلي مهم، لكنه يحتاج بدوره إلى طاقة ومستلزمات وقطع غيار ونقل. والمورد البديل لا يكون بديلًا حقيقيًا إذا كان يعتمد على الطريق البحري المعرض للخطر نفسه.
التعاون المصري الإماراتي في سلاسل الإمداد
يمكن لمصر والإمارات تبادل خبرات عملية في هذا المجال. لمصر خبرة زراعية وصناعية وسوق واسعة، وللإمارات حضور في الموانئ والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد. التعاون المفيد ليس في كثرة الاتفاقيات، بل في معرفة الاختناقات قبل وقوعها، وتبادل المعلومات عن السلع الأساسية، وفتح قنوات اتصال بين الجهات المختصة عندما تتغير ظروف الشحن.
الشفافية تحد من الشائعات والمبالغة في الأسعار
وتقع مسؤولية مهمة على الشركات والموردين. من حقهم حماية أعمالهم، لكن من حق المزارع والمصنع والمستهلك معرفة حقيقة التأخير المتوقع. الغموض قد يخلق مشكلة أكبر من النقص نفسه، لأنه يفتح الباب للشائعات والمبالغة في الأسعار. وكلما كانت المعلومات واضحة، استطاعت الجهات المعنية التمييز بين خطر حقيقي وبين من يحاول استغلال القلق العام.
وصول الإمدادات في الوقت المناسب
قد يقول البعض إن السوق قادر على تصحيح نفسه، وإن الأسعار المرتفعة ستجذب موردين آخرين. هذا صحيح في بعض الحالات، لكنه لا يجيب عن مشكلة التوقيت. المحصول الذي يحتاج إلى مدخل إنتاج في أسبوع محدد لا يستفيد كثيرًا من وصول البديل بعد شهر. لذلك لا يكفي قياس حجم المعروض في نهاية السنة، بل يجب الانتباه إلى توقيت وصوله إلى من يحتاج إليه.
الإنذار المبكر والاستعداد للأزمات
ومن المفيد أيضًا أن تتعامل الجهات المعنية مع الإنذار المبكر باعتباره خدمة للناس لا إعلانًا عن الخوف. عندما يعرف المنتجون ما قد يتأخر، يستطيعون تعديل خططهم. وعندما تشرح الحكومة ما تعرفه وما لا تعرفه، تقل مساحة الشائعة. لا أحد يطلب وعودًا باستحالة حدوث أزمة، بل معلومات صادقة وإجراءات معقولة تخفف أثرها إذا وقعت.
حماية الملاحة المدنية والسلع الغذائية
ليس من السهل تأمين التجارة الدولية عندما تتصاعد الخلافات السياسية والعسكرية. ومع ذلك، ينبغي أن تظل حماية الملاحة المدنية والسلع المرتبطة بالغذاء أولوية في أي نقاش دولي. فالذين يتحملون آثار التعطيل في النهاية ليسوا بالضرورة أطرافًا في الصراع، ولا ينبغي أن يصبح قوتهم اليومي مسألة مؤجلة إلى حين انتهاء المفاوضات.
من الحقل إلى مائدة الأسرة
قد لا يستطيع الفلاح تغيير مسار سفينة في الخليج، لكنه يستحق أن تكون هناك مؤسسات تفكر في أثر ذلك المسار على حقله قبل أن يدفع الثمن. وعندما نتحدث عن الأمن الغذائي، فإننا نتحدث أيضًا عن قدرة الدولة والمجتمع والقطاع الخاص على إبقاء الطريق بين الأرض ومائدة الأسرة مفتوحًا مهما تعقدت الظروف خارج الحدود.

آخر فيديو
استعرض معنا في هذا الفيديو الإبداع الفني الخالص من خلال عرض أعمال