صدفة في سماء الحرب
في عالم العلم والطب، غالبًا ما تولد أعظم الابتكارات من رحم الصدف البحتة. تعود بنا الذاكرة إلى أربعينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال الحرب العالمية الثانية، عندما تعرض طيار حربي لحادث تحطم مروع لطائرته. لم تقتصر أضرار الحادث على الإصابات الجسدية المباشرة، بل استقرت شظية صغيرة ودقيقة من مادة البلاستيك الشفاف (المعروف باسم البولي ميثيل ميثاكريلات أو الأكريليك) داخل عينه.
رؤية ثاقبة لطبيب عيون عبقري
اعتاد الأطباء في ذلك الوقت إزالة الأجسام الغريبة فوراً من العين لتجنب الالتهابات الخطيرة، لكن طبيب العيون البريطاني هارولد ريدلي لاحظ أمراً مذهلاً وغريباً؛ فعلى الرغم من بقاء الشظية البلاستيكية داخل عين الطيار لفترة طويلة، إلا أن جشماً حياً مثل العين لم يرفضها ولم يحددها كجسم غريب خطير كما يحدث عادةً. هذه الملاحظة البسيطة أيقظت في عقل ريدلي تساؤلاً ثورياً: إذا كان البلاستيك آمناً داخل العين البشرية إلى هذا الحد، فلماذا لا يُستخدم لتعويض العدسات الطبيعية التالفة؟
ثورة في جراحات المياه البيضاء
في ذلك الوقت، كان مرض المياه البيضاء (الساد) يمثل تحدياً كبيراً، حيث كان الأطباء يزيلون العدسة المعتمة من العين ليصبح المريض عاجزاً عن الرؤية بوضوح دون نظارات سميكة للغاية تشبه زجاجات الحاويات. استند ريدلي إلى تلك الشظية البلاستيكية لابتكار أول عدسة زرع داخل العين في التاريخ. واجه الطبيب في البداية رفخاً وانتقادات حادة من المجتمع الطبي الذي اعتبر الفكرة جنونية، لكن الأيام أثبتت صحة رؤيته.
إرث طبي أنقذ ملايين العيون
بفضل تلك الشظية البلاستيكية الطائشة التي استقرت في عين الطيار الشاب، تطورت تقنيات جراحات المياه البيضاء على مدار العقود اللاحقة لتصبح واحدة من أكثر العمليات الجراحية نجاحاً وأماناً في العصر الحديث. اليوم، يستعيد ملايين البشر حول العالم قدرتهم على الإبصار بوضوح بفضل عدسات دقيقة تزرع داخل العين، في قصة تبرهن على أن الصدفة قد تصنع تاريخاً طبياً مجيداً.
بقلم: هاني سلام
المصدر: SciShow

آخر فيديو
The Most Annoying Neighbor in This San Antonio Subdivision Is a Leaking Oil Well