غابة الصنوبر ضحية للجرفات في الجزائر

كتبت – آمال زوبيد – الجزائر

للشهر الثاني على التوالي، لا تزال معضلة غابة الصنوبر المحاذية لحي حيدرة الراقي وسط الجزائر العاصمة، تثير مدا وجزرا لا متناهيين، فأبناء حي الصنوبر يعارضون بشدة مخطط السلطات لتحويل غابتهم العريقة التي يناهز عمرها القرن والممتدة على نحو أحد عشر ألف متر مربع، إلى حظيرة عملاقة للسيارات.

بهذا الشأن، يقول عدلان الناشط في جمعية الحي: “لن نسمح أبدا للجرافات بتدمير غابة احتضنتنا ونحن صغار، وتعانقنا كبارا”، ويشجب عدلان هذا الإصرار الغريب من سلطات بلاده على ابتلاع الاخضرار واقتلاع الأشجار كرياضة أضحت شائعة محليا وسط زحف الصحراء الهائل تُـجاه شمال البلاد.

بدوره يشير وليد المكنّى بـ”الرجل الأخضر” إلى أنّ الجميع يدرك الوضع السيئ للبيئة في الجزائر، رغم “الاستعراض ” الذي تتعاطاه الجهات الرسمية عبر عمليات تشجير مناسباتية على حد تعبيره، ومن المخجل بحسبه، أن تمتد أيادي العبث كما وصفها إلى أيقونة بوزن “غابة الصنوبر” التي تكتسي أهمية قصوى لضمان توازن النظام البيئي، لاشتمالها على ثروات طبيعية كأشجار البلوط الكثيفة وصنوبر الحلب والكاليتوس التي تمتص يوميا 1.7 كيلوغرام من ثاني أوكسيد الكاربون، مثلما تنتج 140 لترا من الأوكسجين.

وبجانب إقدام أعوان الإدارة المحلية على قطع عدد من أشجار الصنوبر، شدّد ناشطون في جمعية حي الصنوبر: “الغابة محمية طبيعية، ولا يجوز المساس بها بتاتا”، وعليه تحرّكت الجمعية لاستصدار قرار قضائي يمنع تنفيذ مخطط موصوف بـ”المشبوه”.

وإذا كان القضاء المحلي لم يفصل إلى حد الآن في القضية، أبدى حميد غرناوطي أحد رجال القانون ثقة بأنّ غابة الصنوبر لن تمنى بالمصير الذي طال غابات كثيرة في منطقتي القبة، بابا حسن ومحيط المتيجة، وحوّلها جميعا إلى كتل اسمنتية.

وفيما امتنع مسؤولون عن الإدلاء بأي تعليق، وتحججت وزارة البيئة الجزائرية بانشغالات الوزير وفريقه لتبرير عدم خوضها في الموضوع رغم أنّها أول المعنيين به، لاحظت السيدة فريدة إنّ ما تعيشه غابة الصنوبر أثرّ بشكل كبير على نفسيات أبناءها الخمسة، بينما أردفت جارتها صبرينة: ” الأمر مريب وغريب، فكيف تقرر السلطات بجرة قلم أن تغتال غابة وتستبدلها بحظيرة للسيارات؟”.

إلى ذلك، انضمت ثائرات جزائريات شهيرات إلى صفوف المدافعين عن الغابة، حيث تسنى مشاهدة كل من “جميلة بوحيرد” و”لويزة إيغيل أحريز” وغيرهنّ بين صفوف المحتجين، وهنّ يعربن بصوت عال عن رفضهنّ لهدم الغابة، وذكرت جميلة ولويزة رفقة أربع مجاهدات أخريات حكم عليهم المحتل الفرنسي القديم قبل نصف قرن بالإعدام، إنهنّ سيكافحنّ مثلما فعلنّ سابقا حتى لا يتم المساس بعذرية فضاء طبيعي جميل مثل غابة الصنوبر.

وفي ظلّ تضاؤل المساحات الخضراء بواقع عشر مرات أقل مقارنة بالمعدل المنصوص عليه دوليا، يقرع متخصصون أجراس الإنذار إزاء وجود وعاء طبيعي يزيد عن الثلاثة ملايين هكتار، لا يزال عاريا ومهددا بموجة البناء.

ويشير الخبير “أحمد بليلي” إلى معاناة الوسط الحضري من محدودية المساحات الخضراء بفعل فوضى التهيئة العمرانية التي أتت على ستين بالمائة من هذه المساحات، وإقدام البعض على اجتياح الحدائق واغتصاب الفضاءات المخضرة في سبيل توسيع البنايات وكذا التعمير العشوائي، في حين تراخى المسؤولون إزاء هذا الانحراف الذي جعل من بلديات خضراء بوزن الدويرة، أولاد فايت، الدرارية، العاشور وغيرها تتحول إلى غشاء إسمنتي كبير، رغم حاجة الطبيعة والسكان إلى متنفس.

من جهته، يلاحظ الباحث “نوار بورزق” أنّ التوازن بات مختلا، بفعل ما يسميه “تدمير الحزام الأخضر للمدن” وانتشار فضاءات فوضوية لرمي النفايات بأنواعها دون مراعاة الشروط البيئية والصحية، وعليه ينبّه بورزق إلى الخطر المحدق في الجزائر، حيث يتم ابتلاع المساحات الخضراء من طرف “علب اسمنتية” لا تحتوي على أي هامش للتهوية، ما يعرّض حياة السكان المحليين إلى آفات لا يُحمد عقباها.

ووسط مشهد متوتر يقابله صمت غريب من لدن نواب الجمعية الوطنية (البرلمان) وممثلي التشكيلات السياسية الذين لم يحركوا ساكنا تجاه قضية بهذا القدر من الحساسية، يتجه الوضع في محيط غابة الصنوبر إلى الاحتقان بشكل أكبر، سيما بعدما صارت الأيام الأخيرة عنوانا لسلسلة طويلة من الاشتباكات التي خلفت عشرات الجرحى والموقوفين والتساؤلات أيضا.

 

 

 

 

عن هاني سلام

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: