أ.د الهلالى الشربينى الهلالى

ملامح النظام التعليمي الحالى فى اليابان

بقلم / أ.د الهلالى الشربينى الهلالى

أستاذ تخطيط التعليم بجامعة المتصورة
وزير التربية والتعليم والتعليم الفنى السابق

ملامح النظام التعليمى الحالى فى اليابان
( 1) التجربة اليابانية فى التعليم الأساسى

فى الفترة من 10-17 أكتوبر 2015 قمت بزيارة لدولة اليابان ضمن وفد بهدف الوقوف على ملامح النظام التعليمى فى اليابان ومدى إمكانية تطبيق أنشطة التوكاتسو فى النظام التعليمى المصرى ،

وقد تم استنتاج الحقائق التالية من خلال تلك الزيارة :
– مساحة اليابان الإجمالية : 377,9 كم مربع، وعدد السكان بها : 127 مليون نسمة.
– متوسط نصيب الفرد من الدخل القومى 42000 $ فى عام 2014/2015.
– إجمالى الناتج المحلى فى عام 2014/2015: 4.7 تريليون دولار أمريكى موزع كالتالى : الزراعة (1,2 % )، الصناعة (24,5 % )، الخدمات (74,3) .
– العملة الرسمية الين اليابانى ومتوسط سعر صرف الين مقابل الدولار الأمريكى 120 ين، وهو فى حالة انخفاض متتالى منذ عام 2013؛ حيث كان الدولار يعادل 80 ين .
– القوى العاملة فى اليابان : 60,4 مليون عامل، ومعدل البطالة فى عام 2014/2015: 3,6 %
– إجمالى الصادرات: 710,5 مليار دولار، وإجمالى الواردات 812 مليار دولار فى عام 2014/2015 .
– معدل التضخم فى عام 2014/2015 : 2,7 %.
– إجمالى احتياطى النقد الأجنبى (حتى أغسطس 2015): 1.24 تريليون دولار.
– إجمالى الاستثمار الأجنبى المباشر التراكمى فى الداخل حتى ديسمبر 2014: 205 مليار دولار
– إجمالى الاستثمار الأجنبى المباشر التراكمى فى الخارج حتى ديسمبر 2014: 1284مليار دولار

– تقع وزارة التعليم على رأس هيكل التعليم كواضع للسياسات، يليها 47 لجنة تعليمية بواقع لجنة فى كل محافظة تكون مسئولة عن إدارة التعليم فى المحافظة، يليها لجنة فى كل مدينة أو قرية تكون مسئولة عن المدارس التى تقع فى هذه المدينة أو تلك القرية .

– حقيبة الوزير المسئول عن التعليم تضم معها الثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا.

– يوجد مركز لتدريب المعلمين بكل محافظة يؤدى دورة وفقًا لمعايير وجداول محددة.
– يتم تقسيم الطلاب إلى مجموعات، تعمل كل مجموعة كوحدة متناسقة.

– الرياضة والموسيقى والفنون والأخلاق واحترام الوقت والنظافة جزء من العملية التعليمية.

– 50 % من التعليم الفنى الثانوى فى اليابان عبارة عن دراسة عملية تتم داخل المدرسة وخارجها فى مؤسسات الإنتاج الصناعية والتجارية التابعة للقطاع الخاص، وتقوم المدرسة بإرشاد وتوجيه الطلاب لسوق العمل بالتعاون مع القطاع الخاص، وتصل نسبة التوظيف إلى 88% تصل فى بعض الأحيان إلى 100 %.

– توجد مراكز توظيف حكومية فى كافة المحافظات اليابانية تقدم الدعم لحديثى التخرج وللشركات التى تبحث عن موظفين.

والوقع أن اليابان قد واجهت فى بداية حقبة ” ميجى ” فى منتصف القرن التاسع عشر معظم الصعوبات والتحديات التى تواجه الدول النامية فى التعليم الأساسي ،

والتى تتمثل فى نقص عدد المدارس وانخفاض جودة التعليم ، ونقص عدد المعلمين ، واعتماد أساليب التدريس على الحفظ والتلقين ، بالإضافة إلى عجز التمويل وترهل الإدارة التعليمية، إلا أن اليابان استطاعت أن تحقق نسبة التحاق وصلت إلى 99% فى وقت قياسى لم يتجاوز العشرين عامًا فى بداية القرن العشرين.

وفى منتصف القرن التاسع عشر قررت اليابان تطوير نظامها التعليمى كى يقدم تعليمًا وطنيًا موحدًا تحت إشراف الحكومة المركزية،

ومن ثم جمعت المعلومات عن الأنظمة التعليمية فى الدول الغربية المتقدمة حينذاك،

وفضلت فى البداية تبنى التنظيم الأمريكى للمدارس فى ثلاث مراحل هى الإبتدائى والإعدادى والثانوي ، وتبنى النظام الفرنسى فى الإدارة المركزية والإدارات التعليمية، وترجمة المقررات الدراسية الأجنبية من الأنظمة التعليمية الأخرى، وذلك إلى أن شكلت نظامها التعليمى الخاص بها.

وقد سعت الحكومة اليابانية منذ البداية إلى تعيين خبراء أجانب لوضع نظام لتدريب المعلمين ، ومتابعة جودة العملية التعليمية فى كل جوانبها ودفعت رواتب مجزية لهم،

وفى نفس الوقت أرسلت البعثات من الطلاب اليابانيين إلى الخارج كى يحلوا محل الأجانب عند عودتهم إلى اليابان، كما ركزت الدولة بقطاعاتها المختلة على نشر ثقافة تعزز دور المعلم وتنظر إليه على أنه صاحب مهمة مقدسة لخدمة الأمة اليابانية،

وفى إطار ذلك تم إعفاء الطلاب فى كليات التربية من المصروفات الدراسية الجامعية، وكذا إعفاء المعلمين من الخدمة العسكرية، وتوفير بدلات الملبس وتخصيص رواتب مجزية لهم عند التعيين.

وعندما تلاحظ للحكومة اليابانية فى البداية أن الطلاب لا يقبلون على الالتحاق بالنظام التعليمى الجديد، لجأت الحكومة إلى تطبيق نظام الإلزام فى مرحة التعليم الأساسى بشكل تدريجى من 4 إلى 6 حتى وصلت إلى 9 سنوات .

وفى عام 1900 تم إلغاء المصروفات المدرسية وإلغاء الرسوب فى المراحل الدراسية الأولى . وقد تمكنت اليابان من خلال هذه السياسات من محو أمية الشعب اليابانى تمامًا بحلول عام 1907،

كما تمكنت من خلال هذه السياسات من رفع نسب الالتحاق بالمدارس الابتدائية من 50%إلى 99% خلال 20 عامًا فقط .

وتعود أسباب سرعة تطور النظام التعليمى اليابانى منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى أن هناك إرثًا من احترام التعليم العام والتعليم التقليدى إضافة إلى علمانية التعليم والوحدة اللغوية لليابانيين والاهتمام بمسألة الوحدة الوطنية من خلال التعليم، هذا بالإضافة لربط الوظائف بشكل مباشر بمدى التحصيل التعليمى .

ويستمد النظام التربوى اليابانى أهم مقوماته من طبيعة مجتمعه وروح أمته واحتياجات وطنه، ولا يأتى انعكاسًا لنماذج تربوية خارجية.

ويهدف التعليم الإلزامى (9 سنوات) إلى بناء جيل قادر على تحمل مسئولية تقدم الأمة، وتوفير أساس يساعد كل فرد على أن يعيش حياة كريمة.

وتحدد وزارة التعليم القواعد والخطوط الإرشادية الأساسية للمناهج، بينما تترك دور النشر الخاصة تقوم بتأليف الكتب وفقًا لتلك القواعد ثم تعرضها على وزارة التعليم التى تراجعها وتوافق على بعضها ، وبذلك يسمح هذا النظام بالاستفادة من مبادرات القطاع الخاص مع الإبقاء على اتساق المناهج فى جميع المدارس.

ويستوعب النظام التعليمى فى اليابان مئة فى المئة من السكان حتى المرحلة الجامعية، ويقوم على مبدأ المساواة فى المعاملة بين جميع الطلاب دون أى اعتبار لأى انتماءات طبقية أو قدرات ذهنية( فلا يتم مثلاً فصل الطلاب المتفوقين عن بقية الطلاب كما هو الحال فى بعض الدول الأخرى ومنها مصر)؛ حيث إن الهدف الجوهرى يتمثل فى ارتقاء الجماعة ككل والتفاعل مع عينات مختلفة من أبناء المجتمع من خلال افتراض أساسى يرى أن جميع التلاميذ يتساوون فى القدرات وعلى المعلم أن يعمل على تنمية كافة القدرات بشكل متوازن بين الجميع.

وفى إطار هذا الافتراض بضرورة المساواة بين الجميع وتنفيذ الحق الدستورى لكل مواطن فى التعليم يتم الانتقال من مرحلة تعليمية إلى مرحلة تعليمية أعلى بدءًا من التعليم الابتدائى حتى المرحلة الثانوية بشكل تلقائى وبدون رسوب للتلاميذ . ولا يعنى ذلك أن التلاميذ لا يتعرضون للامتحان ولكنها تكون امتحانات دورية، بالإضافة للواجبات المنزلية وتقرير فى نهاية كل فصل دراسى حول قدرات كل طالب و لكن دون رسوب.
وغالبًا ما يقوم مدرس واحد بتدريس عدد من المواد الدراسية ما عدا المواد التخصصية مثل الفنون والموسيقى، كما يقوم المعلمون بزيارات دورية إلى منازل الطلاب للاطمئنان على المناخ العام لاستذكار الطلاب من ناحية، ومن ناحية أخرى لتأكيد التواصل مع الأسرة.

ويعد الطلاب اليابانيون حاليًا الأكثر إقبالًا فى العالم على الدراسة، وذلك على الرغم من أن السنة الدراسية فى اليابان تعد من أطول السنوات الدراسية فى العالم، حيث يصل عدد أيام السنة الدراسية إلى 240 يومًا، ويعود ذلك لإدراك الطلاب أن التعليم هو السبيل المهم للحصول على وظيفة جيدة فى الدولة .

وهناك قوانين فى اليابان خاصة بالتغذية داخل المدرسة وأخرى خاصة بالصحة العامة والنظافة، ويتم إعداد خطة مفصلة فى كل مدرسة حول صحة الطلاب وكيفية المحافظة عليها.

و تتمثل أبرز سلبيات النظام التعليمى الحالى فى اليابان فى عدم الاهتمام باللغات الأجنبية بالقدر الكافى (صدر مؤخرًا قرار ببدء دراسة اللغة الإنجليزية من الصف الثالث الابتدائى بدلاً من الصف الخامس) بالإضافة للمشكلات الخاصة بكيفية شرح حقبة التاريخ الاستعمارى الياباني، وعلاقات اليابان بالدول المجاورة ، كما يتم التركيز حاليًا على تشجيع المبادرة لدى الطلاب ورفع الرغبة للتعلم عندهم، وتوضيح أهمية المشاركة السياسية فى ضوء السعى لخفض سن التصويت فى الانتخابات العامة من 20 إلى 18 سنة .

ويتشكل البناء القيمى للمواطن اليابانى من خلال التعليم عن طريق المواد التى تستهدف بناء الشخصية ؛ حيث تشكل فى مرحلة التعليم الابتدائى نسبة تتراوح بين 40% -50% من مواد الدراسة فى هذه المرحلة، بينما تشكل هذه المواد فى المرحة الإعدادية نسبة تتراوح بين 48%-52% من مواد الدراسة فى هذه المرحلة

وتمثل الأنشطة التالية نموذج ليوم دراسى فى مدارس التعليم الأساسى باليابان

– يذهب الطلاب إلى المدرسة صباحًا فى مجموعات ويتناوب أولياء الأمور الإشراف على سلامتهم، وفى الغالب يكون الذهاب إلى المدرسة والعودة منها إلى المنزل سيرًا على الأقدام أو باستخدام مواصلات عامة
– يستقبل مدير المدرسة ونائبه الطلاب فى مدخل المدرسة.
– ارتداء الأحذية محظور داخل المدرسة وعلى الجميع تركها عند المدخل وارتداء أخرى خفيفة للدخول بها إلى المدرسة وقاعات الدراسة.
– تعويد الطلاب على القراءة من خلال حثهم على القراءة لمدة عشر دقائق فى كتاب يفضله أو يختاره.
– فى ذات الوقت الذى يقرأ فيه الطلاب يجتمع المعلمون لمراجعة جدول اليوم والتأكد من توزيع المهام على المدرسين.
– هناك بعض المدارس التى تتبع نظام “One Minute Speech” فى الصباح؛ حيث يتدرب الطالب مع زميله على تنظيم أفكاره والتعبير عنها بوضوح والإنصات لما يقوله الآخرون.
– يطمئن المعلم على صحة جميع التلاميذ وينادى الحضور ويعرض الأنشطة الدراسية لليوم، ويعين قائد الفصل( بالتناوب بين الطلاب) ويتلقى أية ملاحظات.
– يختار الطلاب إحدى الأغنيات لليوم ويقومون بترديدها بصوت عال مما يساعدهم على الاستعداد لبدء الحصص الدراسية بنشاط .
– يتضمن اليوم الدراسى من 5 إلى 6 حصص يوميًا مدة كل منها 45 دقيقة.
– تستخدم أساليب متعددة داخل الفصل الدراسى لدفع الطلاب نحو التفكير والابتكار ، وتستخدم السبورة لعرض تسلسل الحصة بحيث يمكن فى نهايتها مراجعة ملخص ما تم من خلال السبورة.
– تتجلى روح العمل الجماعى فى مجموعات العمل التى يكونها المعلم عندما يطلب من الطلاب الإجابة عن بعض الأسئلة أو حل مسألة أو إنجاز بعض الأعمال أو الأنشطة للفصل ، وبعد المشاورات يعلن أحد طلاب المجموعة باسمها الانتهاء من المهمة، ويعاد تشكيل المجموعات من فترة لأخرى حتى لا تتكون تكتلات أو أحزاب داخل الفصل.
– هناك 20 دقيقة راحة ين الحصة الثانية والثالثة.
– العمل كجماعة والمسئولية مشتركة ؛حيث يساعد الطلاب فى تجهيز قاعات الغذاء وتقديم الطعام بالتناوب فيما بينهم، ويتدرب الطلاب يوميًا على الحفاظ على سلامة الأغذية والعادات الغذائية السليمة، كما يقوم مشرف التغذية بالمرور على الطلاب للتأكد من تناولهم الطعام بطريقة سليمة، ويتناول المعلمون الطعام مع طلاب الفصل.
– ينظف الطلاب أيديهم وأسنانهم عقب تناول الطعام، ويتركون الأدوات الخاصة بذلك فى المدرسة.
– لا يوجد وظيفة فراش فى المدارس اليابانية، ومن ثم فمن المعتاد أن يقوم الطلاب بالتناوب فيما بينهم بكنس الفصول الدراسية ، وكنس الطرق والممرات ، ومسحها بقطع قماش مبللة وغسل دورات المياه ، وجمع أوراق الشجر المتساقط فى الفناء ، وكذلك جمع القمامة من المدرسة، وفى معظم الأحيان يشاركهم المدرسون فى أوقات معينة لإجراء نظافة عامة ، مما ينمى لدى الجميع الإحساس بحب معلمهم والمسئولية تجاهه.
– يشارك الطلاب قبل بدء اليوم الدراسى وعقب انتهائه فى كثير من الأنشطة الاختيارية الرياضية أو الفنية ، مما يتيح لهم الالتقاء بزملائهم من المراحل الدراسية الأخرى.
– يجتمع الأساتذة عقب نهاية اليوم الدراسى لإعداد المواد الدراسية لليوم التالي، ويعتاد الأساتذة البقاء فى المدرسة حتى ساعة متأخرة يوميًا ، مما يعكس الشعور بالمسئولية الملقاة على عاتقهم.

عن هاني سلام

اترك رد