أ.د الهلالي الشربيني
أ.د الهلالي الشربيني

تعليم STEM في مصر بين الواقع والمأمول

بقلم :

وزير التعليم السابق
أ. د الهلالى الشربينى الهلالى

ثمة اتفاق على الأهمية التي يحتلها تعليم العلوم، والرياضيات في أي نظام تعليمى في ظل المقارنات التي تتم بين مواقع الدول في مجال التعليم على تقارير التنافسية العالمية،

وبين نتائج طلاب هذه الدول على اختبارات التوجهات الدولية في العلوم والرياضيات (TIMSS) ،

وكذا بين نتائجهم فى البرنامج الدولى لتقييم الطلاب ( PISA)،

وقد ازدادت تلك الأهمية مع الإدراك المتزايد لأهمية الرياضيات والعلوم في تطور الاقتصاد وتوفير مجالات عمل جديدة والمساعدة في القضاء على البطالة ، الأمر الذى حدا بكثير من الدول منها:

أمريكا وبريطانيا والصين والهند وجنوب إفريقيا وغيرهم إلى تبنى مبادرات لتعزيز دراسة العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) منذ منتصف القرن الماضى بهدف سد الثغرات التي تواجهها إزاء الدول الأخرى في هذه المجالات ،

ومن ثم الدخول معها في المنافسة وتحقيق الريادة في مجال الابتكارات.

والواقع أن تعليم STEM لا يعد مجرد تجميعة من المواد الدراسية ولكنه حركة لتطوير الاحتياجات العلمية والرياضية اللازمة لإعداد الطلاب لوظائف معينة في المستقبل لكى يصبحوا قادرين على المنافسة في سوق العمل في القرن الحالي،

كما أنه يذهب إلى أبعد من ذلك حيث يطور مهارات التفكير والمنطق والاستقصاء والمهارات الإبداعية والعمل ضمن فريق،

ومن ثم فهو يحتاج إلى قيادات تعليمية ومعلمين لديهم فكر وتوجهات استراتيجية نحو التغيير والتطوير، والعمل التعاونى في فريق، وتوفير بيئة تعلم تتمركز حول الطالب وتدعم التواصل مع أولياء الأمور ومؤسسات المجتمع ذات العلاقة،

وتركز على المعرفة المتكاملة، وتزود المعلمين بخبرات تعليمية أكثر اتساقًا وذات صلة بدلاً من المفاهيم المجزأة التي تقدم في منهج واحد،

الأمر الذى يترتب عليه إكساب مهارات القرن الحادي والعشرين لقوى عاملة جديدة من المبدعين والمخترعين يمكنها توظيف تلك المهارات والمعارف في إيجاد حلول للمشكلات وتحسين جودة الحياة.

وفى ضوء ما أسفرت عنه النتائج المتدنية للطلاب المصريين في دورات اختبار TIMSS واختبار PISA التي دخلوها في عامى2003، و 2007

كان السعى إلى الأخذ بهذا المدخل في التعليم المصرى للحاق بركب التقدم العلمى والتكنولوجي مثلما فعلت الدول المتقدمة،

ومن ثم بدأت تجربة تعليم STEM في مصر بإنشاء مدرسة بمدينة 6 أكتوبر بالجيزة في عام 2011 وأخرى بالمعادى بمدينة القاهرة في عام 2012،

وانطلاقًا من استمرار تدنى نتائج الطلاب على الاختبارات المشار إليه في عام 2015 ،

وكذلك من رؤية مستقبلية للتعليم الثانوى تؤكد على ضرورة توفير متطلبات التحول نحو الاقتصاد القائم على تحديث المناهج الدراسية وطرق التدريس والأساليب والوسائل التقنية وتطبيق المعرفة التي تساعد الطلاب على مواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية

تم التوسع في التجربة استنادًا إلى مجموعة من المبادئ ، تشمل:

التكامل بين العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات

بتخصصاتها المختلفة ، والتعلم القائم على المشروعات ، والتعلم القائم على الاستقصاء وحل المشكلات ،

والتركيز على تطبيق المعلومات في مواقف الحياة الواقعية ، والتعلم من خلال العمل في فريق أو في مجموعات صغيرة ،

والتنوع في بيئة التعلم سواءًا داخل حجرات الدراسة أو خارجها في المتاحف ونوادي العلوم، ومراكز الاستكشاف والبحث العلمى، والمصانع ، وغيرها ،

ونظام التقويم المستمر المعتمد على الأداء.

ويتم اختيار المقررات الدراسية وطرق التدريس في إطار المعايير القومية والمعايير العالمية لنظام ( STEM)،

ويجوز لمجلس الإدارة إضافة بعض المقررات الإثرائية والأنشطة ، أو أن يحدد أعضاء هيئة التدريس في كل مادة الموضوعات الدراسية التي تحقق أهداف المنهج طوال العام الدراسي ،

والمشروعات التي يقوم الطالب بإجرائها ؛

حيث تعتمد الدراسة على استخدام طريقة المشروعات ، والوحدات التكاملية القائمة على البحث والاستقصاء من خلال العمل التعاونى في مجموعات صغيرة ،

ويتم مقارنة المشروعات وتحويلها إلى أفكار محورية كبرى تدور حول المشروعات التكاملية ( مادة المشروع ) تحت اسم كابستون.

وبعد أن يتخرج الطلاب من مدارس STEMالثانوية ، يكون لهم تنسيق خاص يختلف عن تنسيق طلاب المرحلة الثانوية العامة المصرية العادية،

بالإضافة إلى تمتع المتفوقين منهم بعدد من المنح الدراسية التي تقدم من بعض الجامعات الحكومية والخاصة مثل الجامعة الامريكية والجامعة الألمانية والجامعة البريطانية وجامعة النيل وجامعة زويل والجامعة المصرية اليابانية وغيرهم،

كما تحظى هذه المدارس أيضًا بدعم من جامعة النيل ، وجامعة العلوم والتكنولوجيا ، وجامعة زويل ، ومؤسسة عبدالله الغرير للتعليم ، وبرنامج الغرير لطلبة العلوم والتكنولوجيا ، والجامعة الأمريكية بالقاهرة، وبرنامج الساعات المعتمدة بكلية الهندسة وكلية الحاسبات والمعلومات بجامعة القاهرة ،

والجامعة المصرية اليابانية ، والأكاديمية العربية للنقل البحرى ، ويعد إنشاء جامعات الجلالة للعلوم والتكنولوجيا، و الملك سلمان للعلوم والتكنولوجيا ، والعلمين الجديدة للعلوم والتكنولوجيا؛ والمنصورة الجديدة للعلوم والتكنولوجيا تكملة لمسار تعليم المتفوقين في مدارس STEM.

وقد تضمن برنامج وزارة التربية والتعليم 2015 / 2018 التوسع فى إنشاء هذه المدارس، بحيث يصبح بكل محافظة مدرسة مع نهاية عام 2018، وقد وصل العدد مع بداية عام 2017 إلى (11) مدرسة عاملة و(6) مدارس تحت الإنشاء،

ويمكن إجمال المشكلات التي تعاني منها مدارس(STEM) في الوقت الحالى فيما يلي:

• ضعف التمويل المقدم لهذه المدارس؛

حيث إن موارد صندوق دعم وتمويل المشروعات التعليمية الذي يتولى الصرف عليها لا تكفى في ظل الاحتياجات المادية المتزايدة لها من تجهيزات وورش ومعامل وتمويل مشروعات طلابية وتدريب معلمين.
• وجود فجوه كبيرة بين مجالات تعليم STEM بهذه المدارس والمجالات التي تناظرها بمعظم الجامعات المصرية الحالية.

• جمود التشريعات واللوائح والقواعد الإدارية والمالية التي تحكم العمل بهذه المدارس،

الأمر الذى يفقد القيادات بها الاستقلالية المالية والإدارية ومن ثم الإبداع والتميز.

• تطبيق نفس الأساليب الإدارية التقليدية المتبعة في إدارة المدارس الحكومية في إدارة هذه المدارس،

الأمر الذي يفقد قيادات هذه المدارس القدرة على التميز والمنافسة.

• عدم وجود بطاقة وصف وظيفي لقادة هذه المدراس، الأمر الذى يعطى فرصة لتدخل الواسطة والمحسوبية في اختيار وندب قيادات هذه المدارس في بعض الأحيان.

• عدم الفصل بين إدارة المدرسة وإدارة الإقامة، مع عدم استكمال الجهاز الإداري في بعض المدارس، الأمر الذي ينعكس سلبًا على مستوى أداء الإدارة.

• قلة التدريبات المتخصصة التي تقدم لقيادات ومعلمى هذه المدارس مع قلة أنواع التحفيز والتنشيط المادى والمعنوى.

• ضعف التنافسية بين قيادات هذه المدارس نظرًا لعدم وجود معايير واضحة وآليات محددة لتقييم أداء القيادات بهذه المدارس.

• تدخل بعض أعضاء المتابعة الميدانية من قبل الوزارة والمديريات التعليمية في سير العمل دون دراية بأساليب عمل هذه المدارس.

وفى ضوء ما تضمنته هذه الورقة من توضيح لمفهوم تعليم STEM وأهدافه وطرق وأساليب تنفيذه وخلفية ظهوره في مصر، وفى ضوء الخبرة الأكاديمية والميدانية والاطلاع على كثير من الدراسات التي تناولت التجربة منها دراسة الشامى 2017، والديسطى 2018، والدرس 2020وغيرهم، فإننى أرى أنه لكى يحقق هذا النوع من التعليم الأهداف المرجوة منه في مصر،

 

يجب علينا مراعاة الآتى:

• تدريس العلوم والرياضيات والهندسة والتكنولوجيا في الفصول بطريقة تدفع بالطلاب إلى الانغماس في المعرفة العلمية،

وممارسة البحث، والتحري، والتفكير العلمي، وحل المشكلات بطرق إبداعية تركز على مواءمة ما يتم تدريسه داخل الفصول مع ما يحدث في الواقع.

• تغيير رؤية التعليم وأهدافه في هذه المدارس بحيث يتم التركيز على تحقيق فهم العلوم، والرياضيات وتطبيقاتهما التكنولوجية من قبل جميع أفراد الشعب، وليس من قبل فئة من الصفوة العلمية فقط.

 

• إعطاء المدرسة الشخصية الاعتبارية التي تمكنها من التعاقد والتعاون والتنسيق مع مصادر التمويل المجتمعية.

• تحويل المناخ المدرسي الي مناخ جاذب للطلاب والمعلمين عن طريق تنظيمات مدرسية داعمة للطلاب والمعلمين، وخدمات طلابية اجتماعية، وترفيهية، وطبية مع توجيه وإرشاد أكاديمى.

• تقليل الاعتماد على التمويل الخارجي والتحول نحو مصادر التمويل المجتمعية والمحلية والذاتية للمدرسة.

• إعداد نظام مالي لهذه المدارس يتضمن تحديد موازنة لكل مدرسة للعام الدراسي، وتحديد ضوابط للإنفاق في ضوء أولويات التطوير بها.

• وضع قواعد مقبولة من كافة العاملين بالمدرسة للمساءلة والمحاسبية بما يتماشى مع رؤية المدرسة ورسالتها.

• تيسير الإجراءات الخاصة بالصرف المالي والبعد عن التعقيدات والروتين، في ضوء طبيعة الأنشطة والمشروعات التي يقوم بها الطلاب داخل كل مدرسة.

• تعيين مرشد أكاديمى لكل مدرسة يقدم المشورة العلمية لكل من الإدارة والطلاب والمعلمين فيما يتعلق باختيار ودراسة مشروعات الطلاب وتطويرها، ويكون اختياره وفقًا لخبراته السابقة في مجال الإرشاد وتعليم وتدريب وتقويم أداء المتفوقين.

• إجراء التعديلات الضرورية على المناهج القائمة ومتابعة تنفيذها فى ضوء نتائج الدراسات التي تقوم بها مراكز البحوث التربوية التابعة للوزارة حول احتياجات طلاب مدارس المتفوقين.

• وضع رؤية مستقبلية لهذه المدارس تتضمن بدائل تستخدم حسب التغيرات المتوقعة في المستقبل.

• التركيز على التعاون بين المدرسة وأولياء الأمور ومؤسسات المجتمع المدني في دراسة مستوي نمو الطلاب المعرفي، والتعرف على الصعوبات التي يواجهونها، والعمل على التغلب عليها.

• توفير عدد كاف من المنح الدراسية لطلاب هذه المدارس لإتمام دراستهم الجامعية بجامعات محلية وعالمية تعمل بنظام STEM، سواءًا على نفقة الحكومة أو غيرها.

• تعزيز دور المتابعة الواعية بعناصر وأهداف تعليم Stem، وتوفير تغذية راجعة مستمرة لتحقيق الأهداف والنتائج المرجوة.

• فصل ارتباط التجارب والأفكار الحديثة التي يتم تطبيقها بهذه المدارس عن المسؤولين في الوزارة وربطها بالسياسة التعليمية لهذه المدارس حتى يكون لها صفة الدوام والاستمرار.

• توظيف وسائل الإعلام الوطنية المختلفة للعمل باتجاه زيادة الوعى المجتمعى بأهمية هذا النوع من التعليم في تقدم الدول والمجتمعات بحثيًا واقتصاديًا، ومن ثم تحسين جودة الحياة.

• التوسع في برامج التعليم الجامعى المصري التي تقدم بنظام STEM، وربط التعليم في مدارس STEM بها، وإعطاء فرص أوسع لخريجى هذه المدارس للالتحاق بها.

• تفعيل برامج الدبلومة المهنية لإعداد القيادات التربوية لمدارس STEM، التي تم تنفيذها أخيرًا بكليات التربية المعتمدة بجامعات: القاهرة، والمنصورة، وأسيوط، والزقازيق، والإسكندرية).

إجراء دراسة تتبعية بمعرفة أحد المراكز البحثية التربوية حول مصير الطلاب الذين تخرجوا من هذه المدارس، وتوضيح نوعية الكليات والتخصصات التي التحقوا بها داخل مصر أو خارجها ومدى ارتباطها بخطط التنمية الاقتصادية للدولة المصرية في ضوء رؤية 2030 وأجندة 2063، ومدى تحقيق هؤلاء الطلاب تميز على أقرانهم الذين جاءوا من مدارس حكومية عادية أو خاصة أو دولية والتحقوا معهم بالجامعة في نفس التخصص، وأى المجالات ومواقع العمل التي التحقوا بها بعد تخرجهم ومدى ارتباطها بطبيعة ما درسوه.

………..

المصدر ..

https://www.dostor.org/3350775

عن هاني سلام

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: