أ.د الهلالي الشربيني
أ.د الهلالي الشربيني

توجهات السياسة التعليمية في مصر بعد جائحة كوفيد 19

وزير التعليم السابق
أ.د الهلالى الشربينى الهلالى يكتب:
توجهات السياسة التعليمية في مصر
بعد جائحة كوفيد 19 (1-7)

يشهد العالم فى القرن الحالى ثورات علمية وتكنولوجية غير مسبوقة أحدثت تغيرات كبيرة فى كل مناحى الحياة، الأمر الذى يستوجب منا إعادة النظر فى كيفية التعامل مع هذه الثورات وإقناع متخذي القرارات بضرورة تطوير السياسات التعليمية فى ضوء المستحدثات التكنولوجية التى أفرزتها والتغيرات العالمية التى أحدثتها، وما يطرحه الفكر التربوي من تساؤلات مهمة حول الفرد الذى يجب أن يتعلم، ولماذا يتعلم، وماذا يتعلم، وأمد التعليم وضوابطه، وآليات انتقال المتعلمين من مرحلة إلى أخرى، والطريقة المثلى لتوزيع الطلاب على أنماط التعليم المختلفة، ومسؤولية تمويل التعليم، ونوع وطبيعة المعارف التى يجب أن يقدمها النظام التعليمى للمتعلمين، وآليات ومعايير اختيار القيادات التعليمية، وغير ذلك من قضايا مهمة، وذلك من منطلق أن النظام التعليمى يمثل الركيزة الأساسية والقلب النابض لأنظمة المجتمع المختلفة؛ السياسية والاقتصادية والثقافية، وأن مستقبل العالم بات فى يد الشعوب المتعلمة التى تستطيع إنتاج المعرفة وتوظيفها وتحويلها إلى ميزات تنافسية وقيم مضافة.

وايمانا بأهمية السياسة التعليمية فى توجيه وضبط عمل أى نظام تعليمى وانعكاساته على كل مناحى الحياة؛ فإننى أطرح فى بداية هذه السلسة من المقالات التساؤل الرئيس التالى: كيف يمكن للسياسة التعليمية فى مصر أن تخرج النظام التعليمى من أزماته الحالية إلى حالة من التوازن والتكامل تضمن استمراره فى أداء وظيفته بصورة منتظمة ومتوازنة وعلى مستوى عال يفى بمتطلبات وتطلعات المجتمع المصري ويجعل التعليم قطاعا إنتاجيا فاعلا وخلاقا فيما بعد جائحة كوفيد١٩؟ ولأن الموضوع واسع ومتشعب فإننى سوف أحاول الإجابة عن هذا التساؤل من خلال تقديم سلسلة من المقالات، بحيث تجيب كل مقالة منها عن سؤال أو أكثر من الأسئلة الفرعية التالية: ما مفهوم السياسة التعليمية؟، وما أهميتها وخصائصها؟، وما المعايير التى تنطلق منها؟، وما علاقتها بقضايا مثل: تحقيق العدالة الاجتماعية، والمحافظة على الثقافة والهوية، وتمويل التعليم وتجويده، وإصلاح أحوال المعلم ، وبناء مجتمع المعرفة؟، هذا بالإضافة إلى تقديم مجموعة من المقترحات والتوصيات التى يمكن الاسترشاد بها والاستفادة منها فى رسم وتحديد توجهات السياسة التعليمية في مصر فيما بعد الجائحة الحالية (كوفيد١٩).
وبصفة عامة فإن مصطلح “السياسة” يعد من مصطلحات العلوم الإنسانية، ومن ثم تتعدد تعريفاته، وبالتبعية تتعدد تعريفات مصطلح “السياسة التعليمية” وتختلف من فترة زمنية لأخرى ومن مجتمع لآخر نظرا لارتباطه بمفهوم السياسة العامة، وفى هذا السياق يمكن اعتبار السياسة التعليمية مجموعة من التوجهات والمبادئ العامة التي تحكم عمل النظام التعليمى لتحقيق أهدافه في إطار السياسة العامة للدولة، وتمثل السياسة التعليمية عملية ديناميكية تتفاعل فيها مجموعة من العوامل المؤثرة من داخل النظام ومن خارجه، مع اختلاف كل منها في تأثيره بقدر ما يمتلكه من قوة أو سلطة ونفوذ.

وتتمثل أهمية السياسة التعليمية فى أمور كثيرة؛ من بينها تحديد السبل التى يجب اتباعها لتحقيق الأهداف التربوية، وتحويل هذه الأهداف إلى إنجازات ملموسة، والمساعدة على استقرار عمل النظام التعليمى مع تغير المسئولين؛ حيث إنها تمثل دستور عمل يساعد على الفهم السليم لمتطلبات العمل التريوي، ومن ثم التجانس فى الأعمال والقرارات وعدم الانحراف عن الخط المحدد سلفا.

وهناك أنماط متعددة من السياسات التعليمية، منها: السياسات التعليمية العامة؛ وتتولى المستويات الإدارية العليا تحديدها ككل دون الدخول فى التفاصيل، والسياسات التعليمية الإدارية؛ وتتولى وضعها الإدارات المركزية التى يتكون منها البناء التنظيمى للنظام التعليمى، والسياسات التعليمية الثانوية؛ ويتم اتباعها فى الإدارات الفرعية لمنظومة النظام التعليمى، وبالرغم من كونها ثانوية إلا أنها تعطى توجيها وترسم اتجاها لعمليتى صنع القرارات واتخاذها، والسياسات التعليمية المختلطة؛ وتغطى مجالات مختلفة فى إدارة معينة من إدارات التعليم مثل التمويل، والموارد البشرية، وتحسين المناخ التنظيمى، وتدريب الإداريين وغير ذلك، وبذلك تمثل السياسة التعليمية مظلة تحكم عمل النظام التعليمي ككل بما يتضمنه من محاور ومتغيرات تتعلق بقضايا مثل: الإتاحة وتكافؤ الفرص، والتمويل، والعولمة والهوية، والثقافة والإبداع وبناء مجتمع المعرفة ، وتجويد العملية التعليمية ، وإصلاح أحوال المعلم ، وتطوير المناهج الدراسية، وتنفيذ الأنشطة التربوية الصفية واللاصفية، والاهتمام بذوي الاحتياجات الخاصة، و ربط التعليم باحتياجات سوق العمل وخطط التنمية الاجتماعية والاقتصادية وغير ذلك كما سيتضح في المقالات القادمة.

وسوف يتناول المقال القادم إن شاء الله توجهات السياسة التعليمية في علاقتها بتحقيق العدالة الاجتماعية، بينما يتناول المقال الثالث توجهات السياسة التعليمية في علاقتها بتمويل التعليم، ثم يتناول المقال الرابع توجهات السياسة التعليمية في علاقتها بتجويد التعليم وإصلاح أحوال المعلم، أما المقال الخامس فسوف يركز على توجهات السياسة التعليمية في علاقتها بالعولمة والمحافظة على الهوية الوطنية والقومية، وأما المقال السادس فسوف يتناول توجهات السياسة التعليمية في علاقتها بالثقافة والإبداع وبناء مجتمع المعرفة، وريما نستمر في هذه السلسلة لأبعد من ذلك فنتحدث في مقالات أخرى عن علاقة السياسة التعليمية بتطوير المناهج وطرائق التدريس والأنشطة التريوية والفئات الخاصة من المعوقين والموهوبين والفائقين وغير ذلك، ثم ننتهي بمقال يقدم مقترحات عملية وإجرائية يمكن الاستفادة منها في وضع السياسة التعليمية وتطوير النظام التعليمى فيما بعد جائحة كورونا. تم النشر ايضا فى جريدة الدستور

عن هاني سلام

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: