أخبار عاجلة

فرضية جايا

 

فرضية جايا

بقلم / د. ميسة صلاح الدين _ رئيس القسم العلمى و عضو مجلس إدارة بالمجلة العلمية اهرام

يمكن واحدة من أغرب الفرضيات العلمية اللي ممكن تسمع عنها في حياتك، هي الفرضية اللي بتقول إن كوكب الأرض بتاعنا ده مش مجرد كوكب، ده كائن حي كامل شديد الضخامة، وكل الكائنات الحية اللي عليه، سواء الإنسان أو الحيوانات أو النباتات أو الطيور، ما هي إلا أجزاء عضوية من جسمه!

ما هي فرضية جايا؟

الموضوع كله بدأ سنة 1978، لما عالم البيئة، وخبير المستقبليات )جيمس لوفلوك James lovelock ( طرح فرضية غريبة حبتين، وجديدة على أدمغة الناس وعلماء الطبيعة والبيولوجيا وقتها،

حيث قال إن الأرض بكل اللي موجود فيها وعلى سطحها، سواء عناصر حية أو عناصر غير حية، هي عبارة عن نظام حيوي معقد، بينظم كل العناصر اللي عليه دي بنفسه، عشان يفضل مستمر وعامر بالحياة، على مدى سنين عمره كلها!

وهذا يعني باختصار، إن كوكب الأرض ده عبارة عن كائن حي! كائن عايش وبيمارس الحياة البيولوجية بالفعل، زيه زيك بالضبط،

بس الحياة بتاعت الكوكب طبعًا، بما إنه كوكب ضخم وشديد التعقيد، هي متطورة ومعقدة أكتر بكتير من كل العمليات البيولوجية اللي بتدور في أجسام الحيوانات أو النباتات، أو حتى الإنسان اللي عايش على سطحه.

الفرضية المبهرة دي سماها فرضية جايا (The GAIA Hypothesis)، وطرحها في أوساط العلماء والبيولوجيين سنة 1972، إنما الناس والعامة ابتدوا يعرفوها بعدها بفترة لما نزل كتابه الأشهر (جايا: نظرة على الحياة على الأرض) وبعد ما الناس شافوا النظرة اللي بتطرحها الفرضية دي، كان الموضوع صعب شوية على الاستيعاب.

فرضية جايا وأسباب استمرارية الحياة على الأرض

استخدمت الفرضية حقائق علمية كانت معروفة بالفعل وقتها، وحقائق تانية تم إثباتها بعدها ، في إثبات إن كوكب الأرض بتاعنا زيه زي الأجسام الحية، بيغير العوامل الطبيعية اللي موجودة حوالينا، بشكل تلقائي ومعقد جدًا،

عشان يحافظ على نفسه دايمًا من التلوث أو الدمار أو الفناء، أو إنه يتم استهلاك موارده بشكل كامل، عندك حاجات زي نسب الغازات اللي في الجو، زي الأكسجين وثاني أكسيد الكربون، ودرجة الحرارة، ونسب ملوحة المحيطات،

كل دي كانت عوامل أساسية لاستمرار الحياة على سطح الأرض، وفضلت مستقرة دايمًا على مرور آلاف ويمكن ملايين السنين، برغم إنه الطبيعي إن المفروض النسب دي تتغير.

يعني مثلًا، نسبة الأكسجين في الجو تقريبا 21%، ودي المفروض إنها نسبة ثابتة بشكل أو بآخر، وبقالها آلاف السنين على وضعها الحالي ده، وده اللي مخلي الطبيعة اللي إحنا عايشين فيها على الأرض هي طبيعة مناسبة للحياة، عشان لو النسبة دي زادت أكتر من كده بأي شكل، فالنتيجة هتكون إن الحرائق والكوارث المتعلقة بيها هتزيد وتكتر جدًا لحد ما تقضي على الأخضر واليابس كله، ولو قلت فالناتج هيكون إن الكائنات الحية مش هتقدر تعيش عشان مفيش أكسجين صالح لاستيعاب عملياتهم التنفسية مع بعض!

ثبات نسب الغازات في الجو

والأدهى إن السر في ثبات الأكسجين على النسبة بتاعته دي مش مجرد الغابات أو الأشجار أو المساحات الخضراء اللي على الأرض، لأ هو في الواقع حسب كلام (لوفلوك)، السر يكمن في البكتيريا الزرقاء والطحالب النباتية في البحار والمحيطات، زي مثلًا طحالب (الدياتوم- Diatoms) اللي بتنتج نسبة أكسجين أكبر من كل الغابات الموجودة على سطح الكوكب!

الي جانب ان الأكسجين O2 أو ثاني أكسيد الكربون (الـ CO2) اللي بيتم إطلاقه من عمليات التنفس، الغاز ده بيتم إعادة تدويره وتحويله لأكسجين زي ما أنت عارف، من الأشجار والنباتات، والطحالب البحرية،

وهناك نوع من الطحالب اسمه (Coccolithophores)، بياخد ثاني أكسيد الكربون اللي في البحر، وبيستعمله في صنع غطاءات له، وبينتج منه غاز تاني اسمه ثنائي ميثيل الكبريت dimethyl sulphate، والمفاجأة إن الغاز ده هو اللي بيحفز صناعة السُحب الموجودة في الغلاف الجوي!

ولو ده مكانش مذهل بما فيه الكفاية، فيكفي ان نقول إن لما نسب الـ CO2 بتقل، فالطحالب بتقلل نشاطها واستخدامها له تلقائيًا بدون تدخل صناعي! ودي طريقة طبيعية بتشتغل بالتوازي مع عمليات طبيعية تانية، عشان تحافظ على نسبة الغاز في الغلاف الجوي، الضرورية لحياة النباتات!

ثبات نسب ملوحة المحيطات

حتى في المحيطات، المفروض كانت الأملاح مع مرور السنين تزيد، كنتيجة للأنهار اللي بترسب الأيونات بتاعتها في المصبات الطبيعية بتاعتها في البحار، بس العلم بيأكد إن نسب ملوحة البحار ثابتة منذ ملايين السنين، وهي بالضبط 3.4% بتقل شوية أو تزيد شوية باختلاف المنطقة،

وهذه هي بالضبط النسبة المناسبة للكائنات الحية اللي بتعيش في المحيطات، ولو زادت عن كده، فالكائنات دي كلها هتموت، وبالتالي هتسبب موجة من التأثيرات تخلي باقي الحياة كلها على سطح الكوكب تتدمر!

النظام المناعي للأرض

لماذا تكون النسب ثابته؟!

عشان في مكونات طبيعية أرضية جوه المحيطات زي الصخور البازلتية والشعاب المرجانية وغيرها حاجات تانية كتير، كلها بتحفظ توازن النسبة دي بصورة طبيعية تمامًا!

كإن الأرض عندها نظام مناعي، بيحميها من الكوارث أو الأمراض اللي بتتمثل في زيادة أو قلة نسب الغازات أو الملوحة! وكل الكائنات الحية اللي بتحافظ ع التوازن ده، هي أشبه بالخلايا المناعية للأرض، زي اللي موجودة في جسم الإنسان!

رؤية فرضية جايا للإنسان

حتى الإنسان نفسه، لوفلوك بيقول إنه عبارة عن طريقة الأرض في التكاثر، من خلال الغلاف الحيوي للكوكب كله، ما هو إحنا اللي بنخرج من الكوكب وبنسافر لأماكن وكواكب تانية، وبننقل معانا البكتيريا والكائنات الحية الأرضية لكواكب تانية في الفضاء،

لنبدأ سلسلة جديدة من الحياة في أماكن أخرى من الكون، بدون حتى ما نعرف إننا بنعمل ده، عشان عمليات بدء الحياة دي بتاخد ملايين السنين، يعني إعمار لا يمكن استيعابه أو إدراكه بالنسبة لنا كبشر. يعني كوكب الأرض بيتكاثر عادي من خلالنا إحنا، بس عملية التكاثر دي بتحصل على مدار ملايين السنين!

كيف تحافظ الأرض على جهازها المناعي؟

هل الارض بتحافظ على جسمها المناعي اللي بيحميها من التقلبات البيئية والكوارث دي؟! بمعنى آخر، هل الأرض بتحافظ على الكائنات الحية اللي على سطحها، وبالتالي علينا كبشر؟! الإجابة هنا هتكون صعبة..

إحنا شفنا في التاريخ عمليات انقراض جماعي كتيرة جدًا حصلت لكائنات كتير، بس ممكن نقول إن الأرض عندها نظام حيوي معين بيحافظ على الحياة عليها، بغض النظر عن الكائنات، يعني لو كائن معين تطور وبدأ يستهلك الطبيعة بشكل لا يمكن السيطرة عليه،

فالأرض تلقائيًا بتبدأ تتغير وتبقى عدوانية تجاه الكائن ده، بالضبط كإنه فيروس أو مرض! وده بالضبط اللي إحنا بدأنا نشوفه دلوقتي كبشر، بسبب الكوارث الناتجة عن التلوث والتغير المناخي والاحتباس الحراري وهكذا.

هل الأرض كائن حي يشعر بوجودنا؟

الحقيقة الفرضية دي غريبة ومذهلة، وبتعرض نوع جديد من التفكير خارج الصندوق، وبره إطار الرمزيات العلمية اللي إحنا متعودين عليها، وبتطرح طبعًا أسئلة كتير علمية واجتماعية، ويمكن دينية كمان، وبإذن الله ممكن نتطرق لها في مقالات تانية مستقبلية، بس المرة دي هسيبلك أنت التفكير في معنى الفرضية دي، والمنظور المذهل اللي بتطرحه.

هل ممكن فعلًا تكون الأرض نفسها اللي بنمشي عليها وبنتنفس هواها، وبنتدفن تحت ترابها بعد عمر طويل، هي كائن حي ذكي وعاقل حاسس بوجودنا على سطحه، بالضبط زي ما إحنا بنحس بلمسات الآخرين وآثار الجراثيم؟

الله أعلم، بس لو ده حقيقي، فهو هيكون معناه إن العالم اللي إحنا عايشين فيه ده أغرب بكتير من ما نتصور.

وإن كل اللي إحنا كنا فاكرين إننا نعرفه عن الكون ده هيتغير تمامًا، وللأبد..

مصادر:

https://www.sciencedirect.com/…/earth…/gaia-hypothesis

https://www.nature.com/articles/d41586-019-01969-y

https://www.britannica.com/science/Gaia-hypothesis

 

عن محمد الأمين

شاهد أيضاً

ورشه عمل بالمعهد القومي لعلوم البحار والمصايد – “التغيرات المناخيه: التقنيات الحديثه في الرصد والمتابعه”

متابعه د. كيميائيه. ميسه صلاح الدين رئيس قسم العلوم وعضو مجلس الاداره تحت رعاية السيد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.