بقلم د.علا محمود معوض
مدرس وخبيراستراتيجي في الذكاء الاصطناعى ونظم معلومات الأعمال

في الماضي، كانت الحروب تُكسب بالسيطرة على الأرض، ثم انتقلت لتُكسب بالسيطرة على الأجواء، أما اليوم، فإن المعركة الكبرى تُدار في فضاء أكثر عمقاً وتعقيداً: “فضاء الوعي البشري”. ومع صعود التكنولوجيا الفائقة، لم تعد المعلومة مجرد أداة مساعدة، بل أصبحت هي الساحة والمقاتل والسلاح في آن واحد. إننا نعيش عصر “الحروب المعرفية” حيث يتم استبدال الرصاص بالبيانات المزيفة، واختراق العقول بدلاً من اختراق الحصون.
تعتمد معارك الوعي الحديثة بشكل أساسي على تزييف البيانات الممنهج؛ وهو لا يتوقف عند حدود نشر الإشاعات، بل يمتد إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء واقع بديل لا يمكن تمييزه عن الحقيقة. تقنيات “التزييف العميق” (Deep fakes) وتوليد المحتوى الاصطناعي أصبحت قادرة على صياغة سرديات بصرية وسمعية تهدف إلى ضرب الروح المعنوية وتفكيك الجبهات الداخلية. إن خطورة هذه الأدوات تكمن في قدرتها على تجاوز المنطق الواعي والنفاد مباشرة إلى العواطف، مما يجعل “الإنكار” أو “التكذيب” اللاحق قليل الأثر بعد أن تكون “الصدمة المعلوماتية” قد أحدثت شرخاً في الوعي الجمعي.
من الناحية التقنية والإدارية، يبرز تهديد آخر لا يقل خطورة، وهو “تسميم البيانات”في ظل اعتماد المؤسسات العسكرية والسيادية على نظم معلومات الأعمال والذكاء الاصطناعي لاتخاذ القرارات، يصبح التلاعب بالبيانات المدخلة لهذه النظم وسيلة لشل حركة القادة. إن تزييف البيانات التي تتغذى عليها خوارزميات التنبؤ يعني دفع متخذ القرار نحو خيارات خاطئة بناءً على نتائج مضللة تبدو علمية وموثقة. هنا، لا تصبح الحرب صراعاً بين جيوش، بل صراعاً بين خوارزميات الحقيقة وخوارزميات التزييف.
ختاماً، إن الانتصار في معركة الوعي لا يتطلب فقط تفوقاً تقنياً في وسائل الرصد والدفاع السيبراني، بل يتطلب بناء “حصانة معرفية” شاملة. إن دور المؤسسات الأكاديمية والبحثية اليوم هو تسليح الكوادر والأفراد بمهارات النقد الرقمي وفهم آليات التلاعب بالبيانات. ففي عالم أصبحت فيه البيانات هي “النفط الجديد”، صار الوعي هو “الدرع الواقي” الوحيد؛ إذ إن امتلاك الحقيقة في زمن التزييف يمثل أقوى استراتيجية دفاعية يمكن أن تمتلكها الدول لضمان سيادتها واستقرارها.
المجلة العلمية اهرام مجلة مستقلة تحت إشراف هاني سلام