في الليالي الصافية، تبدو النجوم كأنها كائنات صغيرة نابضة بالحياة. فهي لا تضيء بثبات كامل، بل تلمع وتخفت سريعًا، وكأن السماء نفسها تتنفس ببطء فوق رؤوسنا.
وقد حيّر هذا «الترمش» البشر منذ القدم. فبعض الحضارات القديمة اعتقدت أن النجوم ترسل إشارات غامضة، بينما تخيل آخرون أنها أرواح بعيدة تراقب الأرض من السماء.
لكن العلم الحديث كشف أن السر لا يوجد داخل النجوم نفسها، بل في الهواء الذي يحيط بكوكبنا.
اقرأ المزيد
الرحلة الطويلة لضوء النجوم
تصل إلينا النجوم من مسافات هائلة تفوق الخيال. فبعضها يبعد عشرات أو مئات أو حتى آلاف السنين الضوئية عن الأرض.
وخلال تلك الرحلة الطويلة، يتحرك ضوء النجم عبر الفضاء في خط شبه مستقيم، حتى يصل أخيرًا إلى الغلاف الجوي للأرض.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية لرمش النجوم.
الهواء الذي يحرّك الضوء
الغلاف الجوي ليس طبقة ثابتة وهادئة كما يبدو لنا، بل بحر ضخم من الهواء المتحرك باستمرار. فهناك تيارات هوائية ودرجات حرارة مختلفة تجعل الهواء يتقلب ويتغير طوال الوقت.
وعندما يمر ضوء النجم عبر هذه الطبقات المضطربة، ينحرف قليلًا في اتجاهات متعددة.
ونتيجة لذلك، يبدو النجم وكأنه يتحرك أو يومض أو يغيّر لمعانه بسرعة، رغم أنه في الحقيقة يضيء بثبات بعيدًا في الفضاء.
لماذا لا ترمش الكواكب بالطريقة نفسها؟
ربما لاحظ بعض مراقبي السماء أن الكواكب تبدو أكثر هدوءًا وثباتًا من النجوم.
والسبب أن النجوم بعيدة جدًا، لذلك تصل إلينا كنقاط ضوء صغيرة للغاية، فيتأثر ضوؤها بسهولة باضطرابات الهواء.
أما الكواكب فهي أقرب نسبيًا، وتظهر كأقراص ضوئية صغيرة لا كنقاط دقيقة، ولهذا يبدو ضوؤها أكثر استقرارًا في السماء.
ألوان تتغير في لحظة
أحيانًا لا يقتصر الأمر على الوميض فقط، بل قد يبدو النجم وكأنه يغيّر لونه بسرعة بين الأحمر والأزرق والأبيض.
ويحدث ذلك أيضًا بسبب اضطراب الغلاف الجوي، الذي يفرّق ألوان الضوء بدرجات مختلفة أثناء مرورها نحونا.
ولهذا تبدو بعض النجوم القريبة من الأفق أكثر اضطرابًا وتغيرًا في اللون، لأن ضوءها يمر عبر طبقة أكبر من الهواء.
سماء تبدو حيّة
ربما لهذا السبب بالتحديد أحب البشر النجوم منذ آلاف السنين. فالسماء لم تبدُ جامدة أبدًا، بل مليئة بالحركة الخفية والضوء المتغير.
وعندما ينظر الإنسان إلى النجوم وهي تومض فوقه في صمت الليل، يشعر أحيانًا أن الكون كله يتحرك ببطء بعيد لا يمكن سماعه.
ورغم أن العلم كشف تفسير هذه الظاهرة، فإن النجوم ما تزال تحتفظ بسحرها القديم، وكأنها ترفض أن تتحول إلى مجرد أرقام ومعادلات.
هانى سلام
المجلة العلمية اهرام مجلة مستقلة تحت إشراف هاني سلام