منذ أكثر من 25 عامًا، يعتقد العلماء أن الكون يتمدد بسرعة متزايدة بسبب قوة غامضة أطلقوا عليها اسم “الطاقة المظلمة”. لكن دراسة نظرية جديدة تطرح احتمالًا مختلفًا تمامًا، وربما أكثر غرابة.
فبدلًا من وجود طاقة خفية تدفع الكون إلى التمدد، يقترح الباحثون أن السبب الحقيقي قد يكون مرتبطًا ببنية الزمكان نفسها، وبنوع جديد من عدم اليقين الكوني يشبه مبدأ هايزنبرج الشهير في عالم الكم.
اقرأ المزيد
ما هي الطاقة المظلمة؟
ظهرت فكرة الطاقة المظلمة عام 1998 عندما اكتشف علماء الفلك أن تمدد الكون لا يتباطأ كما كان متوقعًا.
بل على العكس، بدا وكأنه يتسارع مع مرور الزمن.
ولأن أحدًا لم يعرف السبب الحقيقي لهذا التسارع، اقترح العلماء وجود شكل مجهول من الطاقة يملأ الكون ويدفع المجرات بعيدًا عن بعضها.
ومنذ ذلك الوقت أصبحت الطاقة المظلمة جزءًا أساسيًا من النموذج الكوني الحديث.
فكرة جديدة قد تغير الصورة بالكامل
الدراسة الجديدة تقترح أن الكون ربما لا يحتاج أصلًا إلى طاقة مظلمة.
ويرى الباحثون أن هناك نوعًا من “الضبابية الكونية” قد يؤثر في الطريقة التي يتمدد بها الكون.
وتشبه الفكرة مبدأ عدم اليقين في ميكانيكا الكم، الذي ينص على استحالة معرفة بعض الخصائص الفيزيائية بدقة مطلقة في الوقت نفسه.
لكن النموذج الجديد يطبق مفهومًا مشابهًا على الكون كله.
كيف يعمل هذا النموذج؟
وفقًا للباحثين، قد يكون هناك حد طبيعي يمنع قياس حجم الكون وسرعة توسعه بدقة كاملة في الوقت نفسه.
ويؤدي هذا القيد إلى تعديل المعادلات التقليدية التي تصف تمدد الكون.
وعندما تُضاف هذه التأثيرات الجديدة إلى الحسابات، يظهر سلوك يشبه تأثير الطاقة المظلمة دون الحاجة إلى افتراض وجود طاقة غامضة جديدة.
بمعنى آخر، قد يكون التسارع الكوني نتيجة لطبيعة الزمكان نفسه، وليس بسبب قوة مجهولة تملأ الكون.
لماذا تثير هذه الفكرة اهتمام العلماء؟
تكمن أهمية الفكرة في أنها تحاول حل مشكلتين كبيرتين في علم الكونيات الحديث.
الأولى هي التفسير الغامض للطاقة المظلمة.
أما الثانية فهي “توتر هابل”، وهو الخلاف المستمر بين طرق قياس سرعة تمدد الكون.
ويرى أصحاب الدراسة أن النموذج الجديد قد يساعد في تفسير الظاهرتين ضمن إطار نظري واحد.
هل يمكن اختبار النظرية؟
حتى الآن ما تزال الفكرة نظرية بالكامل.
لكن الباحثين يؤكدون أن المراصد الفلكية الحديثة قد تتمكن خلال السنوات المقبلة من اختبار بعض تنبؤات النموذج الجديد.
وتشمل هذه المشاريع مراصد ضخمة مثل DESI ومهمة Euclid الأوروبية ومرصد فيرا روبين الأمريكي.
وإذا رصدت هذه الأدوات انحرافات دقيقة عن النموذج الكوني التقليدي، فقد تصبح الفكرة الجديدة أكثر جدية داخل المجتمع العلمي.
هل نقترب من حل أكبر لغز في الكون؟
حتى اليوم لا يعرف العلماء ماهية الطاقة المظلمة الحقيقية.
ورغم أن النموذج الجديد لا يقدم إجابة نهائية، فإنه يفتح بابًا مختلفًا لفهم الكون.
فربما لا تكون الطاقة المظلمة مادة أو قوة خفية كما تصورنا لعقود.
وربما يكون السر الحقيقي مختبئًا داخل القوانين العميقة التي تحكم الزمكان نفسه.
ومثل كثير من الأفكار الكبرى في الفيزياء، قد يبدأ الأمر بمعادلة رياضية جديدة، ثم يتحول لاحقًا إلى اكتشاف يغير فهمنا للكون بالكامل.
هانى سلام
المجلة العلمية اهرام مجلة مستقلة تحت إشراف هاني سلام