رحل عن عالمنا العالم الياباني البارز سوسومو تونيجاوا، أستاذ علم الأحياء الجزيئي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) والحائز على جائزة نوبل، عن عمر يناهز 86 عامًا. ويعد تونيجاوا أحد العقول الفذة التي أحدثت ثورة مزدوجة في علمين مختلفين تمامًا: علم المناعة وعلم الأعصاب، تاركًا خلفه إرثًا علميًا غير مفاهيمنا حول كيفية دفاع الجسم عن نفسه وكيفية تشكل الذكريات في أدمغتنا.
اقرأ المزيد
فك شفرة التنوع المناعي وجائزة نوبل
في سبعينيات القرن الماضي، واجه العلماء معضلة كبرى: كيف يمكن لجسم الإنسان، الذي يحتوي على عدد محدود من الجينات، أن ينتج ملايين الأنواع المختلفة من الأجسام المضادة لمواجهة عدد لا حصر له من الفيروسات والبكتيريا؟ هنا جاء دور تونيجاوا الذي قدم إجابة عبقرية هزت الأوساط العلمية.
أثبت تونيجاوا أن الجينات في الخلايا المناعية ليست ثابتة، بل تخضع لعملية إعادة ترتيب ودمج شبيهة بخلط أوراق اللعب. هذا “القص واللصق” الجيني يسمح لعدد صغير من الجينات بتوليد تنوع هائل من الأجسام المضادة. وبفضل هذا الاكتشاف الثوري، حاز تونيجاوا منفردًا على جائزة نوبل في الطب والفيزيولوجيا عام 1987، واضعًا حجر الأساس لفهم المناعة الحديثة وتطوير اللقاحات.
من هندسة الجينات إلى خبايا الذاكرة
لم يتوقف شغف تونيجاوا عند حدود المناعة. ففي النصف الثاني من مسيرته المهنية، قرر خوض تحدٍ جديد في مجال علم الأعصاب. تساءل تونيجاوا: كيف يخزن الدماغ الذكريات، وكيف نستعيدها؟
أسس مختبرًا رائدًا ركز على دراسة “خلايا الذاكرة” (Engram cells). وباستخدام تقنيات متطورة مثل علم البصريات الوراثي، تمكن فريقه من تحديد الخلايا العصبية المسؤولة عن تخزين ذكريات محددة لدى الفئران، بل ونجح في تحفيز ذكريات معينة أو حتى تعديلها وتنشيط الذكريات المفقودة. فتح هذا العمل آفاقًا جديدة تمامًا لفهم أمراض الذاكرة مثل الزهايمر، ممهدًا الطريق لعلاجات مستقبلية واعدة.
رحيل يطوي صفحة من العطاء العلمي
يمثل غياب سوسومو تونيجاوا خسارة فادحة للمجتمع العلمي العالمي. لقد كان رمزًا للفضول المعرفي الذي لا يهدأ، والقدرة على الانتقال بين التخصصات المعقدة وتحقيق الريادة فيها. ورغم رحيله، فإن أبحاثه ستظل منارات تضيء طريق الباحثين لفهم أسرار الجسد البشري والعقل الإنساني لعقود قادمة.
بقلم: هاني سلام
المصدر: MIT News
المجلة العلمية اهرام مجلة مستقلة تحت إشراف هاني سلام