رحلة إلى فجر الزمن
في إنجاز علمي يضاهي أفلام الخيال العلمي، نجح باحثون في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن) في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وتحديداً إلى اللحظات الأولى التي تلت الانفجار العظيم. لقد تمكن العلماء من خلق نسخة مصغرة ومجهرية من الكون الناشئ عبر تجارب تصادم دقيقة للغاية، فاتحين بذلك نافذة جديدة لفهم أسرار المادة التي شكلت اللبنات الأولى للوجود.
بلازما الكوارك-غلوون: حساء المادة الأولي
اعتمد العلماء في تجربتهم على تسريع نوى ذرية صغيرة جداً لتقترب من سرعة الضوء، ثم دفعها للاصطدام ببعضها البعض. هذه التصادمات العنيفة لم تؤدِ إلى تحطم الذرات فحسب، بل خلقت حالة نادرة من المادة تُعرف بـ “بلازما الكوارك-غلوون”. في هذه الحالة، تتفكك البروتونات والنيوترونات لتتحرر الكواركات والغلوونات التي تربطها، وهو ما يعيد خلق “الحساء الكوني” الحار والكثيف الذي ملأ الكون في أجزاء من الثانية بعد نشأته.
أصغر من المتوقع.. ولكن أقوى
كانت المفاجأة المذهلة للفريق البحثي هي أن نوى الذرات المستخدمة في التجربة كانت أصغر حجماً مما كان يُفترض سابقاً لإحداث مثل هذا التفاعل. هذا الاكتشاف لا يغير فقط فهمنا لفيزياء النواة الذرية، بل يقدم أداة جديدة تماماً للعلماء؛ حيث أثبتت التجربة أن الجسيمات الناتجة عن التصادم تحمل “بصمة” أو شكلاً هندسياً يعكس شكل النواة التي نشأت منها. هذا التطور يعني أننا لم نعد نحتاج إلى تجارب ضخمة ومستحيلة لرؤية بنية النواة، بل يمكننا استنتاجها من خلال تحليل بقايا التصادمات.
لماذا يهمنا هذا الاكتشاف؟
لا تتوقف أهمية هذه الدراسة عند حدود المختبرات النووية، بل تمتد لتجيب على أسئلة وجودية كبرى. فمن خلال مراقبة كيفية تشكل وتلاشي هذه المادة الأولية في أجزاء من الثانية، نحن نتعرف على القوانين الفيزيائية التي حكمت تطور كوننا منذ بدايته. إن كل تصادم ذري هو بمثابة كاميرا زمنية تلتقط صوراً لما كان عليه العالم قبل مليارات السنين، مما يجعلنا أقرب من أي وقت مضى لفهم كيف تجمعت المادة لتكون النجوم والمجرات التي نراها اليوم.
بقلم: هاني سلام
المصدر: ScienceDaily
