بقلم: عبدالله سعيد الحبسي (A.S. Alhebsi)
كاتب وباحث إماراتي مستقل، متخصص في القيادة والتطوير التنظيمي؛ عضو معهد القيادة البريطاني The Institute of Leadership (MIoL)، المملكة المتحدة
حين نتابع الحوار الاقتصادي الإماراتي الفرنسي الذي شهدته أبوظبي في العشرين من أكتوبر، يسهل أن ننشغل بأسماء القطاعات الكبرى مثل الطاقة والذكاء الاصطناعي. لكنني أرى أن السؤال الذي يستحق أن يصل إلى القارئ المصري هو ما الذي يبقى في المؤسسات والجامعات والورش بعد انتهاء اللقاءات وتوقيع الاتفاقيات.
من الاتفاقيات إلى بناء الخبرات
تملك مصر خبرات هندسية وصناعية وتعليمية عميقة، فيما طورت الإمارات قدرة على جمع الشركاء الدوليين حول مشروعات متنوعة. ويمكن للعلاقة بين الخبرة المصرية والانفتاح الاستثماري الإماراتي أن تنتج فرصًا تتجاوز البيع والشراء، إذا وضعت تدريب الإنسان ونقل المعرفة في قلب أي مشروع.
أعتقد أن من حق الشاب المصري الذي يدخل سوق العمل أن يعرف أين موقعه في هذه المشروعات. هل سيكتفي بمراقبة المعدات المستوردة، أم سيتعلم تشغيلها وصيانتها وتطويرها؟ وهل ستصل فرص التوريد إلى المنشآت الصغيرة أم ستبقى محصورة في دائرة ضيقة من المتعاملين؟
الإعلان وحده لا يثبت نجاح الشراكة
أول ما أطالب به هو الفصل بين قيمة الإعلان وقيمة التنفيذ. فالبيان الرسمي قد يذكر قطاعات واعدة وأرقامًا كبيرة وأسماء مؤسسات مرموقة، لكنه لا يثبت وحده أن المشروع قابل للاستمرار أو أن ثماره ستصل إلى الشركات الصغيرة والموظفين. هذه أمور تحتاج إلى خطة واضحة ومواعيد محددة ومسؤوليات لا تضيع بين الجهات المختلفة.
نقل المعرفة التزام وليس شعارًا
أما الأمر الثاني فهو أن يصبح نقل المعرفة التزامًا مكتوبًا لا عبارة جميلة في نهاية الاتفاقية. لا تكفي دورة قصيرة أو شهادة مشاركة حتى نقول إننا امتلكنا التكنولوجيا. المطلوب أن يتدرج العامل والمهندس والإداري من الفهم إلى التشغيل، ثم إلى تشخيص العطل وإصلاحه وتطوير الأداء، وأن يستطيعوا نقل هذه الخبرة إلى غيرهم.
التكاليف الخفية واستدامة المشروعات
هناك أيضًا حساب مالي لا يجوز تجاهله. قد يبدو شراء نظام حديث قرارًا موفقًا، ثم تظهر لاحقًا تكاليف الصيانة والتحديث والتراخيص والقطع البديلة. وإذا ارتبطت المؤسسة بمورد واحد أو بخبير لا يستطيع الحضور عند الحاجة، فإن الإنجاز الذي احتفينا به قد يتحول إلى مصدر تعطيل. الإدارة الجيدة تسأل عن هذه التفاصيل قبل التوقيع لا بعد وقوع المشكلة.
فرص عادلة للشركات الصغيرة والشباب
وأرى أن الشركات الصغيرة والباحثين الشباب يجب ألا يبقوا خارج الصورة. عندما تُعلن شراكة كبرى، ينبغي أن نعرف كيف يمكن لمؤسسة ناشئة أن تدخل سلسلة التوريد، وكيف يمكن لطالب جامعي أن يحصل على تدريب حقيقي، وكيف تُصاغ شروط المنافسة والدفع حتى لا تصبح الفرص حكرًا على الجهات الأكبر حجمًا.
الشراكة المتوازنة تحقق مكاسب للطرفين
لا تعني هذه الأسئلة التشكيك في الاستثمار الأجنبي أو التقليل من أهمية العلاقات الدولية. على العكس، فإن وضوح الالتزامات يطمئن المستثمر ويمنح المؤسسة المحلية قدرة أفضل على الوفاء بوعودها. والشراكة المتوازنة هي التي يشعر فيها الطرفان أنهما تعلما شيئًا جديدًا واكتسبا قدرة لم تكن متاحة لهما من قبل.
لقد نجحت الإمارات في بناء علاقات واسعة مع دول وشركات ومؤسسات من ثقافات متعددة، وهذه ميزة تستحق التقدير. غير أن قوة هذه العلاقات لا ينبغي أن تقاس بما يُعلن عنها وحده، بل بما تضيفه إلى قدرة الناس على العمل واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية. وأعتقد أن هذا المعيار يصلح لكل دولة تريد أن تحول الانفتاح الاقتصادي إلى تقدم ملموس.
قياس النتائج هو الاختبار الحقيقي
والأهم من ذلك أن نراجع نتائج المشروعات بصدق. فالمؤسسة التي تعترف بما لم يتحقق وتشرح أسبابه تفتح باب التعلم، أما المؤسسة التي تكتفي بإعلان النجاح فتغلقه. وتحتاج الشراكات الدولية إلى متابعة دورية تستمع إلى العامل والمورد والمستفيد، لا إلى المسؤولين وحدهم.
في النهاية، أسأل نفسي سؤالًا بسيطًا: ماذا سيقول الموظف أو صاحب المشروع الصغير بعد عام من توقيع الاتفاقية؟ هل أصبح أكثر قدرة على أداء عمله؟ هل يستطيع إصلاح ما يتعطل دون انتظار طويل؟ وهل وجد فرصة عادلة ليشارك في مشروع أكبر منه؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإن الشراكة تكون قد تركت أثرًا يستحق الاحتفاء.

آخر فيديو
The Most Annoying Neighbor in This San Antonio Subdivision Is a Leaking Oil Well