عاجل

الموظف الذي يرى الخلل قبل أن تصل الشكوى

لماذا لا تصل ملاحظات الموظفين إلى الإدارة مبكرًا؟

تصل الشكوى إلى الإدارة بعد أن يكون صاحبها قد ضاق ذرعًا بالمشكلة، وربما خسر وقتًا أو مالًا أو ثقته في المؤسسة. غير أن الخلل نفسه قد يكون معروفًا منذ أسابيع لدى موظف يقف كل يوم في موقع العمل، ويرى تعطل الإجراء، ويسمع اعتراض المتعاملين، ويعرف أي خطوة تتكرر بلا فائدة. السؤال هنا ليس لماذا اشتكى الناس متأخرين، بل لماذا لم تصل ملاحظة الموظف مبكرًا إلى من يملك سلطة الإصلاح.

الموظفون في الصفوف الأمامية يرون ما لا تكشفه التقارير

في مؤسسات كثيرة، يجلس المسؤول أمام تقارير مرتبة وأرقام مطمئنة، بينما يعرف الموظفون في الصفوف الأمامية صورة أكثر تعقيدًا. قد يتكرر تعطل جهاز صغير، أو يضطر متعامل إلى زيارة مكتبين لإنجاز معاملة واحدة، أو تُطلب وثيقة سبق أن قدمها. هذه التفاصيل تبدو هامشية لمن لا يعيشها، لكنها تتراكم حتى تتحول إلى تأخير وخسارة وسمعة سيئة. والمفارقة أن المؤسسة قد تنفق أموالًا على استبيانات رضا المتعاملين، بينما لا توفر طريقًا واضحًا لسماع من يتعامل معهم طوال اليوم.

الإبلاغ عن الخلل وسيلة للإنذار المبكر

لا يعني ذلك أن كل رأي يقدمه الموظف صحيح، أو أن كل اقتراح يصلح للتنفيذ. فالعمل المؤسسي يحتاج إلى قواعد وموازنات ومراجعة للمخاطر. غير أن تجاهل الملاحظات لأنها جاءت من موظف صغير، أو لأنها لا تتوافق مع الصورة التي يحبها المدير، يحرم المؤسسة من إحدى أهم وسائل الإنذار المبكر. الموظف الذي يبلغ عن مشكلة لا ينبغي أن يشعر بأنه يشتكي على زملائه أو يطعن في كفاءة رئيسه؛ إنه يقدم معلومة يمكن اختبارها قبل أن تصبح أزمة.

كيف تتحول ملاحظة الموظف إلى تحسين حقيقي للخدمة؟

تخيل موظفة استقبال تلاحظ أن كبار السن يعودون مرات متكررة بسبب صيغة إلكترونية معقدة. قد لا تكون صاحبة صلاحية لتغيير النظام، لكنها تستطيع وصف موضع التعثر بدقة: ما الشاشة التي تتسبب في الخطأ، وما العبارة التي لا يفهمها المتعامل، وأي مستند يعجز عن رفعه. هذه المعرفة العملية قد توفر على المؤسسة شهورًا من المراجعات النظرية. وإذا كانت هناك قناة ترفع الملاحظة إلى المختصين وتعيد إلى الموظفة نتيجة النظر فيها، يصبح الإبلاغ جزءًا من تحسين الخدمة، لا عبئًا إضافيًا.

نظام مؤسسي يحول الإشارات إلى قرارات

وتتكرر الصورة في المصانع والمستشفيات والمصارف والمرافق العامة. فالعامل الذي يلاحظ صوتًا غريبًا في آلة، والممرض الذي يرى خطوة مربكة في تسليم المناوبة، وموظف البنك الذي يستقبل شكاوى متشابهة، لا يقدمون مجرد انطباعات شخصية. إنهم يلتقطون إشارات من واقع التشغيل. وما تحتاجه الإدارة هو نظام يحول هذه الإشارات إلى قرارات، ويمنعها من الضياع بين التسلسل الإداري والخوف من اللوم.

قنوات واضحة لتسجيل الملاحظات ومتابعتها

يمكن البدء بخطوات بسيطة: قناة مختصرة لتسجيل الملاحظة، وتحديد الجهة المسؤولة عن دراستها، وإبلاغ صاحبها بما انتهى إليه القرار. وليس مطلوبًا الموافقة على جميع المقترحات؛ المطلوب أن يعرف الموظف أن ملاحظته وصلت وأن رفضها، إن حدث، كان لأسباب مهنية مفهومة. ومن المهم أيضًا التمييز بين الإبلاغ عن خلل حقيقي وبين الخلافات الشخصية، حتى تبقى القناة وسيلة للإصلاح لا ساحة لتبادل الاتهامات.

القائد الناجح يستمع إلى من يواجهون تفاصيل العمل

القائد الذي يريد معرفة الحقيقة لا يكتفي بمن يقول له إن الأمور تسير على ما يرام. يذهب إلى موضع العمل، ويسأل من يواجه التفاصيل، ثم يستمع دون أن يبحث فورًا عن المسؤول الذي سيعاقبه. فالإدارة لا تقوى بإخفاء الأخطاء، وإنما بقدرتها على اكتشافها مبكرًا وتصحيحها بعدل. وربما كانت أفضل شكوى تلك التي لم تصل من المتعامل أصلًا، لأن موظفًا أمينًا رآها قبل وقوع الضرر، ووجد من يصغي إليه.

نبذة عن الكاتب

عبدالله سعيد الحبسي، MIoL، كاتب وباحث إماراتي متخصص في الأمن والقيادة وإدارة المخاطر وغرف العمليات والمرونة المؤسسية. عضو معهد القيادة البريطاني (Member of the Institute of Leadership – UK). التوقيع الأدبي: A.S. Alhebsi.A.S. Alhebs

عايز موقع بجودة موقع المجلة العلمية اهرام؟ اطلب تصميم موقعك الآن عبر واتساب
هاني سلام
نُشر بواسطة هاني سلام

هاني سلاممؤسس ورئيس تحرير المجلة العلمية أهراممجلة علمية عربية مستقلة تعمل منذ عام 2008، وتهتم بتبسيط العلوم والتكنولوجيا والفضاء والظواهر الطبيعية والقصص العلمية للقارئ العربي.وتضم المجلة أقسامًا متنوعة مثل «مجموعة الأبراج» و«قصص وحكايات»، إلى جانب موضوعات علمية تجمع بين المعرفة وروح الاكتشاف.تعمل المجلة بشكل مستقل،ولا تتبع مؤسسة الأهرام الصحفية أو أي جهة حكومية.

أضف تعليق

أثبت أنك إنسان: 9   +   1   =  

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المقالات المحفوظة