عاجل

لماذا عجزت البشرية عن بلوغ كوكب عطارد لعقود؟

رحلة مستحيلة إلى جوار الشمس

في الثالث من نوفمبر عام 1973، انطلق المسبار الفضائي “مارينر 10” في مهمة تاريخية غير مسبوقة استهدفت كوكب عطارد، وهو أقرب الكواكب إلى الشمس. لم تكن الرحلة مجرد إطلاق عادي، بل كانت تحدياً هندسياً وفيزيائياً هائلاً بلغ من التعقيد أن البشرية عجزت عن تكرار هذا الإنجاز لعدة عقود، ولم تنجح في الوصول إلى عطارد مرة أخرى إلا في القرن الحادي والعشرين. هذا العجز الطويل يطرح تساؤلاً ملحاً: لماذا يعد السفر إلى هذا الكوكب الصغير بهذه الكارثية والصعوبة؟

جاذبية الشمس القاتلة والسرعة الهائلة

تكمن المعضلة الكبرى في الرحلة إلى عطارد في موقع الكوكب وقربه الشديد من النجم الأب. عندما يرسل العلماء مركبة فضائية نحو عطارد، فإنها لا تقطع مسافة مستقيمة فحسب، بل تنجذب بقوة شديدة نحو كتلة الشمس الهائلة. هذه الجاذبية الهائلة تزيد من سرعة المسبار بشكل جنوني أثناء اقترابه، مما يجعله كقطار سريع يندفع نحو منحدر خطر. ولكي يتمكن المسبار من الدخول في مدار حول عطارد أو حتى الاقتراب منه بما يكفي لالتقاط الصور، يجب عليه كبح هذه السرعة الهائلة، وهذا يتطلب كميات هائلة من الوقود تزيد بكثير عن قدرة الصواريخ التقليدية.

عبقرية المناورة والمساعدة الجاذبية

للتغلب على عقبة السرعة والوقود، اضطر علماء وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” إلى استخدام مناورات معقدة تُعرف بـ “المساعدة الجاذبية”. بدلاً من الطيران المباشر، تم توجيه المسبار “مارينر 10” ليمر بالقرب من كوكب الزهرة أولاً، مستخدماً جاذبيته كمكبح طبيعي وكموجه لتغيير مساره. هذه الديناميكا المدارية المعقدة تتطلب دقة متناهية تشبه إطلاق سهم وإصابة هدف متحرك على بعد أميال، حيث إن أي خطأ طفيف في الحسابات يعني ضياع المركبة في الفضاء السحيق أو احتراقها بنيران الشمس.

حرارة لا تطاق وإشعاعات قاسية

إلى جانب التحديات الميكانيكية، يواجه أي مسبار يقترب من عطارد بيئة قاسية ومميتة لأجهزة الكمبيوتر والإلكترونيات. يتعرض الكوكب لأشعة شمسية تفوق تلك التي تصل إلى الأرض بنحو سبع مرات، مما يرفع درجات الحرارة على سطحه إلى مستويات قادرة على إذابة الرصاص. هذا التباين الحراري الهائل، إلى جانب الإشعاعات الشمسية المدمرة، جعل تصميم مركبة قادرة على الصمود أمراً معجزة تكنولوجية. ورغم كل هذه العقبات، فتحت رحلة “مارينر 10” الباب أمام استكشاف أسرار النظام الشمسي الداخلي، لتظل واحدة من أجرأ المغامرات في تاريخ استكشاف الفضاء.

بقلم: هاني سلام

المصدر: universemagazine.com

عايز موقع بجودة موقع المجلة العلمية اهرام؟ اطلب تصميم موقعك الآن عبر واتساب
هاني سلام
نُشر بواسطة هاني سلام

هاني سلاممؤسس ورئيس تحرير المجلة العلمية أهراممجلة علمية عربية مستقلة تعمل منذ عام 2008، وتهتم بتبسيط العلوم والتكنولوجيا والفضاء والظواهر الطبيعية والقصص العلمية للقارئ العربي.وتضم المجلة أقسامًا متنوعة مثل «مجموعة الأبراج» و«قصص وحكايات»، إلى جانب موضوعات علمية تجمع بين المعرفة وروح الاكتشاف.تعمل المجلة بشكل مستقل،ولا تتبع مؤسسة الأهرام الصحفية أو أي جهة حكومية.

أضف تعليق

أثبت أنك إنسان: 3   +   9   =  

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المقالات المحفوظة