اقرأ المزيد
لغز الوراثة النفسية
لطالما تساءل العلماء عن الأسباب الحقيقية التي تجعل بعض الأشخاص أكثر عرضة من غيرهم للإصابة بالاكتئاب أو القلق. هل هو مجرد ضغوط الحياة؟ أم أن هناك شيئاً أعمق يتخفى داخل حمضنا النووي؟ كشفت دراسة حديثة ومثيرة أجراها باحثون في جامعة برشلونة عن إجابات قد تغير نظرتنا للصحة النفسية، حيث تم تحديد ما يقرب من 20 جيناً تلعب دوراً محورياً في جعل الأفراد أكثر عرضة للاضطرابات النفسية وصفات مثل العصبية الزائدة والاضطراب العاطفي.
مايسترو الجينات في الدماغ
المثير في هذا الاكتشاف ليس مجرد تحديد هذه الجينات، بل العثور على “المركز الجيني
” الذي يدير هذه المنظومة المعقدة. لقد تبين أن جين يُدعى RBFOX1 يعمل كقائد أوركسترا أو “مركز تحكم” لهذه الشبكة الجينية. هذا الجين ينظم العمليات الحيوية داخل الدماغ، ويؤثر بشكل مباشر على كيفية استجابة خلايا الدماغ للمؤثرات المختلفة. عندما يضطرب هذا المركز، فإنه يؤدي إلى تداخل وظيفي قد يُترجم سريرياً إلى أعراض نفسية متنوعة.
لماذا تتلازم الاضطرابات النفسية؟
قد يلاحظ الكثيرون أن الشخص الذي يعاني من الاكتئاب غالباً ما يشكو أيضاً من القلق أو سرعة الانفعال. هذه الدراسة تقدم تفسيراً بيولوجياً لهذا التلازم؛ فبما أن هذه الاضطرابات تشترك في نفس الشبكة الجينية الخاضعة لسيطرة RBFOX1، فإن وجود خلل في هذا المسار يؤدي بالضرورة إلى ظهور أعراض مركبة لدى الشخص نفسه. هذا التقاطع الجيني يوضح أن الاضطرابات النفسية ليست مجرد حالات منفصلة، بل هي في كثير من الأحيان انعكاس لاضطراب في شبكة جينية واحدة مشتركة.
آفاق جديدة للعلاج النفسي
يمثل هذا الكشف العلمي خطوة فارقة نحو فهم أدق للأمراض النفسية بعيداً عن التشخيصات السطحية. إن فهمنا للدور الذي يلعبه هذا المركز الجيني يفتح الباب أمام الطب الشخصي، حيث يمكن مستقبلاً تطوير علاجات تستهدف تصحيح الخلل في هذه المسارات الجينية بدقة أكبر. نحن بصدد مرحلة جديدة في الطب النفسي، حيث ينتقل العلم من التعامل مع الأعراض الظاهرة إلى معالجة الجذور البيولوجية الكامنة في شيفرتنا الوراثية، مما يبشر بتقديم حلول أكثر فاعلية لمن يعانون في صمت من وطأة هذه الاضطرابات.
بقلم: هاني سلام
المصدر: medicalxpress.com
المجلة العلمية اهرام مجلة مستقلة تحت إشراف هاني سلام