رحلة العقد نحو الكوكب الغامض
بعد رحلة ملحمية قطعت مسافات شاسعة عبر الفضاء السحيق، تقترب مهمة “بيبيكولومبو” (BepiColombo)، ثمرة التعاون الوثيق بين وكالتي الفضاء الأوروبية واليابانية، من لحظة الحقيقة. فبعد ثماني سنوات من الانطلاق، والمناورات الجاذبية المعقدة حول الكواكب، باتت المركبة الفضائية على أعتاب كوكب عطارد
؛ أصغر كواكب مجموعتنا الشمسية وأكثرها قرباً من وهج الشمس، لتبدأ فصلاً جديداً من الاستكشاف العلمي غير المسبوق.
ليزر BELA: عينٌ دقيقة في قلب الجحيم
في قلب هذه المهمة، يقبع جهاز قياس الارتفاع بالليزر المسمى “BELA”. هذا الجهاز التكنولوجي الفائق ليس مجرد أداة قياس عادية، بل هو بمثابة مسّاح كوني دقيق. صُمم BELA ليقوم برسم خرائط تضاريسية ثلاثية الأبعاد لسطح عطارد بدقة متناهية، متجاوزاً ظروف الكوكب القاسية. بفضل نبضات الليزر، سيتمكن العلماء من سبر أغوار الفوهات البركانية، وتحديد تضاريس السهول الملساء، وفهم التغيرات الهيكلية التي شكلت سطح هذا العالم الصغير على مدى مليارات السنين.
لماذا عطارد؟ كشف أسرار التكوين
يعد عطارد أحد أكثر الكواكب غموضاً؛ فهو لا يمتلك غلافاً جوياً يحميه، ويتعرض لتأثيرات شمسية مباشرة تجعل استكشافه تحدياً تقنياً وعلمياً كبيراً. إن البيانات التي سيوفرها مقياس الليزر BELA ستساعدنا في فهم العمليات الجيولوجية الداخلية للكوكب، وكيفية تفاعله مع الرياح الشمسية. إنها ليست مجرد رحلة لالتقاط صور، بل هي محاولة للإجابة عن أسئلة وجودية حول كيفية نشوء الكواكب الصخرية في المراحل الأولى من عمر مجموعتنا الشمسية.
مستقبل الاستكشاف الفضائي
مع اقتراب المركبة من مدارها النهائي، يتأهب الفريق العلمي العالمي لتحليل البيانات الضخمة التي ستتدفق من الجهاز. إن نجاح هذه المهمة سيفتح الباب أمام جيل جديد من تكنولوجيا الاستشعار عن بُعد، مؤكداً أن التكنولوجيا البشرية قادرة على اختراق أكثر البيئات قسوة في الكون. ومع كل نبضة ليزر يرسلها BELA نحو السطح، نقترب أكثر من فك شفرة التاريخ السري لأصغر جيراننا في النظام الشمسي.
بقلم: هاني سلام
المصدر: phys.org
