عاجل

من القاهرة إلى أبوظبي… الأمن العربي يحتاج إلى لغة تشغيل مشتركة

يمكن لدولتين أن تمتلكا مؤسسات أمنية قوية، وخبرات متقدمة، وتقنيات حديثة، ومع ذلك تخسران وقتًا ثمينًا عندما يعبر التهديد الحدود. المشكلة هنا لا تكون بالضرورة في نقص القدرة لدى أي من الطرفين، بل قد تكون ببساطة أن التعاون التشغيلي يبدأ بعد ظهور الأزمة، بدلًا من أن يُصمم بوصفه جزءًا من الجاهزية قبل وقوعها.

هذه الفجوة تستحق اهتمامًا أكبر في عالم تتحرك فيه الجريمة والأموال والبيانات والهجمات السيبرانية واضطرابات سلاسل الإمداد عبر الحدود بسرعات لا تنتظر الإجراءات المؤسسية التقليدية.

ومن واقع خبرتي في الأمن والعمليات وإدارة المخاطر، أرى أن السؤال لم يعد ما إذا كانت المؤسسات تستطيع التعاون؛ ففي حالات كثيرة هي تستطيع ذلك بالفعل. السؤال الأكثر فائدة هو: كم يستغرق انتقال التعاون من مجرد اتصال بين مؤسستين إلى معلومة قابلة للتنفيذ، ثم إلى قرار يُتخذ بينما لا يزال قادرًا على تغيير النتيجة؟

قابلية التشغيل الأمني المشترك.. من الاتصال إلى الفعل

هنا تظهر أهمية مفهوم قابلية التشغيل الأمني المشترك. وهذا لا يعني أن تستخدم المؤسسات المختلفة الأنظمة نفسها، أو أن توحد الدول قوانينها وإجراءاتها. لكل دولة سيادتها وتشريعاتها وبنيتها المؤسسية.

الهدف ليس إزالة هذه الاختلافات، بل جعلها قابلة للاتصال والعمل معًا عند الحاجة.

فالتهديد العابر للحدود لا يتوقف ليسأل أي هيكل تنظيمي سيتولى التعامل معه. ولهذا يبدأ التعاون الحقيقي قبل الحاجة إليه.

العلاقة التي تعتمد فقط على معرفة الأشخاص بعضهم ببعض قد تنجح بصورة ممتازة في حالة معينة، لكنها تبقى عرضة لتغير الموظفين والمسؤوليات والهياكل.

أما العلاقة المؤسسية فتبقى لأنها تحدد مسبقًا من يتصل بمن، وما المعلومات التي يمكن مشاركتها، وما مستوى الثقة المطلوب، وما المسار الذي تسلكه المعلومة العاجلة، ومن يملك صلاحية التصعيد عندما يصبح الوقت عاملًا حاسمًا.

مصر والإمارات.. اختلاف البيئات يصنع معرفة مشتركة

وهذا مهم بصورة خاصة في العلاقة بين مصر والإمارات.

فمصر تمتلك حجمًا بشريًا وجغرافيًا ومؤسسيًا كبيرًا، وخبرة طويلة في العمل داخل بيئة أمنية معقدة، بينما تعمل الإمارات في بيئة شديدة الارتباط بالعالم عبر الطيران والموانئ والخدمات المالية واللوجستيات والحكومة الرقمية.

والقيمة ليست في القول إن دولة تملك ما تفتقده الأخرى، بل في أن اختلاف البيئتين التشغيليتين يمكن أن ينتج معرفة مشتركة أوسع من تجربة كل دولة منفردة.

عندما تتحرك الجريمة أسرع من المؤسسات

تخيل شبكة احتيال يبدأ اتصالها بالضحية في دولة، وتتحرك الأموال عبر حساب في دولة أخرى، وتوجد بنيتها الرقمية في دولة ثالثة، بينما يديرها أشخاص من مكان مختلف.

قد تمتلك كل جهة جزءًا صحيحًا من الصورة، لكن أحدًا لا يرى الصورة كاملة في البداية.

المشكلة ليست فقط غياب المعلومات، بل الزمن الذي تحتاجه الأجزاء حتى تلتقي.

ومن هنا يمكن اقتراح مقياس مفيد للجاهزية: زمن التعاون الدولي.

كم تستغرق المعلومة المهمة حتى تنتقل من الجهة التي اكتشفتها إلى الجهة القادرة على اتخاذ إجراء بشأنها؟ وكم من هذا الزمن ضروري فعلًا لحماية القانون والخصوصية وسلامة الإجراءات والأدلة، وكم منه مجرد احتكاك يمكن تجنبه بسبب تصميم مؤسسي ضعيف؟

السرعة لا تعني تجاوز القانون

ولا ينبغي الخلط بين السرعة وتجاوز القانون.

فالإجراء القانوني ليس عقبة أمام الأمن، بل جزء مما يمنح الإجراء الأمني شرعيته ويحمي الأدلة والحقوق والقرارات.

لكن هناك فرقًا بين الوقت الذي تتطلبه عملية مخولة قانونًا فعلًا، والوقت الذي يضيع لأن المعلومة وصلت إلى المكتب الخطأ، أو بصيغة غير قابلة للاستخدام، أو من دون توضيح الإجراء المطلوب.

لغة تشغيل مشتركة تحت ضغط الأزمات

لذلك تحتاج المؤسسات التي تتعاون بصورة متكررة إلى لغة تشغيل مشتركة.

لا أقصد لغة منطوقة، بل طريقة مشتركة لوصف الموقف: ماذا نعرف؟ ماذا نرجح؟ ماذا لا نعرف بعد؟ ما درجة الثقة في المعلومة؟ ما الإجراء المطلوب؟ وما مدى حساسية الوقت؟

تحت الضغط تصبح هذه الفروق شديدة الأهمية.

عبارة مثل «لدينا تهديد محتمل» قد تحمل معاني مختلفة لدى مؤسستين، بينما تصبح المعلومة أكثر فائدة إذا تضمنت درجة الثقة، وحالة المصدر، وما تم التحقق منه، وما بقي غير مؤكد، وما الذي ينبغي فعله خلال فترة زمنية محددة.

اختبار رحلة المعلومة بدلًا من اختبار تبادلها فقط

وهذا يقود إلى اقتراح عملي آخر: لا نختبر فقط قدرة الجهات على تبادل المعلومات، بل نختبر رحلة المعلومة نفسها.

يمكن لتمرين مشترك أن يبدأ بإشارة ضعيفة داخل مؤسسة، ثم يتطور السيناريو حتى يحتاج إلى جهة وطنية أخرى، ثم يمتد إلى مؤسسة شريكة في دولة ثانية.

الهدف ليس إثبات أن الجميع يمتلك أرقام الهواتف الصحيحة، بل قياس الزمن والدقة ونقاط الاحتكاك.

أين تباطأت المعلومة؟ هل أدرك الموظف الأول أنها تستحق التصعيد؟ هل وصلت إلى شخص يملك الصلاحية؟ هل فهم الطرف المستقبل ما المطلوب؟ هل كان السياق كافيًا للتحرك؟ وهل احتفظت المعلومة بمعناها أثناء انتقالها بين الأنظمة والمؤسسات؟

تمارين من هذا النوع تحول العلاقات الجيدة إلى قدرة يمكن قياسها وتحسينها.

الذكاء الاصطناعي يسرّع الاكتشاف.. لكنه لا يحل مشكلة التشغيل

ويضيف الذكاء الاصطناعي طبقة أخرى إلى هذه المسألة.

فالأنظمة الحديثة تستطيع تحليل كميات كبيرة من البيانات واكتشاف روابط بين معاملات أو أحداث أو أنماط يصعب على الإنسان اكتشافها بالسرعة نفسها.

قد تصبح إشارة في مصر أكثر دلالة عند ربطها ببيانات موجودة في الإمارات، أو العكس.

لكن التقنية وحدها لا تحل مشكلة التشغيل المشترك. قد تكتشف الخوارزمية العلاقة خلال ثوانٍ، بينما تحتاج المؤسسات ساعات أو أيامًا لتحديد ما يمكنها فعله بها قانونيًا وتشغيليًا.

ولهذا فإن الاستثمار في الخوارزميات من دون الاستثمار في مسار القرار قد ينتج معرفة أسرع من قدرة المؤسسة على استخدامها.

ويجب كذلك أن يبقى واضحًا أن الارتباط الإحصائي ليس دليل إدانة. يستطيع الذكاء الاصطناعي الإشارة إلى نمط يستحق التحقيق، لكنه لا ينبغي أن يحول الاشتباه الحسابي إلى حكم.

الخبرة البشرية والتحقق والقانون تبقى عناصر أساسية.

التعاون لا يعني فتح قاعدة بيانات واحدة للجميع

كما أن التعاون الأمني الحديث لا يحتاج إلى قاعدة بيانات عملاقة يملك الجميع حق الوصول إليها؛ فهذا قد يخلق مخاطر أمنية وقانونية وخصوصية كبيرة.

النموذج الأفضل هو وضع قواعد واضحة تحدد ما الذي يُشارك، ومتى، ومع من، ولأي غرض، وتحت أي حماية.

الثقة بين المؤسسات لا تعني إزالة الحدود، بل جعل هذه الحدود مفهومة وقابلة للعمل.

التعاون الأمني يتجاوز الجريمة

والمنطق نفسه يتجاوز الجريمة.

فهو ينطبق على الحوادث السيبرانية، حيث قد يكون الهجوم المكتشف في مؤسسة جزءًا من حملة أوسع، وينطبق على الطيران والموانئ والطاقة وسلاسل الإمداد، حيث يمكن لاضطراب في مكان واحد أن ينتقل إلى قطاعات لم تكن طرفًا في الحدث الأصلي.

التهديدات الحديثة تتحرك أفقيًا بين القطاعات والحدود، بينما تعمل المؤسسات بالضرورة داخل هياكل رأسية من السلطة والمسؤولية.

التحدي ليس إلغاء هذه الهياكل، بل بناء جسور بينها تعمل بالسرعة التي يتطلبها التهديد.

من التنسيق وقت الأزمة إلى الجاهزية قبل الأزمة

ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى العلاقة بين القاهرة وأبوظبي باعتبارها فرصة لتطوير نموذج أكثر تقدمًا للتعاون الأمني العربي؛ نموذج لا ينتظر قضية أو أزمة حتى يبدأ التنسيق، بل يتدرب مسبقًا على كيفية انتقال المعلومات والقرارات والمسؤولية بين المؤسسات.

الإنجاز الحقيقي ليس مجرد الإعلان عن وجود التعاون، فهو موجود بالفعل بأشكال متعددة.

الخطوة التالية هي جعل التعاون أسرع، وقابلًا للاختبار، وأكثر قدرة على الاستمرار حتى مع تغير الأشخاص والتقنيات والظروف.

ففي الأمن لا تكفي العلاقات القوية إذا كانت معرفة كيفية استخدامها محفوظة فقط في ذاكرة عدد محدود من الأفراد.

يجب أن تتحول العلاقات إلى ذاكرة مؤسسية: إجراءات وتمارين وقنوات واضحة ومعايير يستطيع من يأتي لاحقًا استخدامها.

الاختبار الحقيقي.. من يسبق الآخر؟

التهديدات أصبحت ماهرة في البحث عن الفجوات: بين الأنظمة والجهات والاختصاصات والدول.

وكل دقيقة تضيع في تحديد من ينبغي أن يتحرك قد تتحول إلى مساحة يتحرك فيها التهديد.

لذلك يحتاج الأمن العربي إلى أكثر من معلومات إضافية؛ يحتاج إلى قدرة أقوى على إيصال المعلومة الصحيحة إلى المكان الصحيح، بصيغة مفهومة، وفي اللحظة التي لا يزال فيها القرار قادرًا على تغيير النتيجة.

المعلومة تستطيع عبور الحدود في ثانية، وكذلك التهديد. والاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت الجسور بين مؤسساتنا قادرة على التحرك أسرع من الفجوات التي يحاول الخصم استغلالها.

عبدالله سعيد الحبسي
كاتب وباحث متخصص في الأمن والتراث وإدارة المخاطر وغرف العمليات.

هاني سلام
نُشر بواسطة هاني سلام

هاني سلاممؤسس ورئيس تحرير المجلة العلمية أهراممجلة علمية عربية مستقلة تعمل منذ عام 2008، وتهتم بتبسيط العلوم والتكنولوجيا والفضاء والظواهر الطبيعية والقصص العلمية للقارئ العربي.وتضم المجلة أقسامًا متنوعة مثل «مجموعة الأبراج» و«قصص وحكايات»، إلى جانب موضوعات علمية تجمع بين المعرفة وروح الاكتشاف.تعمل المجلة بشكل مستقل،ولا تتبع مؤسسة الأهرام الصحفية أو أي جهة حكومية.

أضف تعليق

أثبت أنك إنسان: 6   +   3   =  

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المقالات المحفوظة