اعتدنا عند الحديث عن البنية التحتية الحيوية أن نسأل: هل لدينا بديل؟ خط آخر، مركز احتياطي، مورد ثانٍ، طريق مختلف أو نظام يمكن تشغيله عند تعطل النظام الأساسي. لكن الأحداث التي تتعرض فيها منشآت الطاقة والموانئ وشبكات النقل لضغوط متزامنة تطرح سؤالًا أكثر صعوبة: ماذا لو كان البديل معرضًا لنوع الخطر نفسه؟
وجود البديل لا يعني تلقائيًا وجود الاستمرارية. قد يكون لدينا مساران منفصلان على الخريطة، لكنهما يعتمدان على مركز تحكم واحد، أو شبكة اتصالات واحدة، أو مصدر طاقة واحد، أو مورد تقني واحد، أو آلية قرار واحدة. عندها تبدو المنظومة مزدوجة من الخارج، بينما تظل في داخلها مرتبطة بنقطة فشل مشتركة.
من النسخ الاحتياطي إلى هندسة الاستمرارية
في رأيي، تحتاج المؤسسات والدول إلى الانتقال من مفهوم «الخطة البديلة» إلى مفهوم أوسع يمكن تسميته «هندسة الاستمرارية». الفكرة ليست أن نمتلك نسخة ثانية من الأصل، وإنما أن نعرف مسبقًا ما الذي يمكن أن يعطل الأصل والبديل معًا.
هذا يتطلب رسم الاعتماديات لا الأصول فقط. فالمنشأة قد تكون محمية ماديًا، لكن تشغيلها يعتمد على الاتصالات. والاتصالات قد تكون محمية، لكنها تعتمد على الطاقة. والطاقة قد تكون متاحة، لكن قرار التحويل إلى المسار البديل قد يحتاج إلى جهة لا تعمل بالسرعة التي تتطلبها الأزمة. هنا تصبح الاستمرارية مسألة تشغيل وقرار بقدر ما هي مسألة هندسة.
مصر تعرف قيمة الممرات
بالنسبة إلى مصر، المسألة ليست نظرية. موقعها يجعل الممرات والنقل والطاقة عناصر مرتبطة مباشرة بالاقتصاد وبحركة التجارة الإقليمية. ولذلك فإن التفكير في استمرارية قناة أو ميناء أو شبكة طاقة لا ينبغي أن يقتصر على حماية الموقع نفسه، بل يجب أن يمتد إلى ما يعتمد عليه الموقع وما يعتمد عليه الآخرون بسببه.
والأمر نفسه مهم في الإمارات، حيث جعل الموقع والبنية اللوجستية والطاقة والموانئ مسألة الاستمرارية جزءًا من الأمن الاقتصادي. التجربتان مختلفتان في الحجم والجغرافيا، لكنهما تلتقيان عند حقيقة واحدة: الممر الحيوي لا يعمل منفردًا، بل داخل منظومة من القرارات والاتصالات والنقل والطاقة والمعلومات.
اختبار بسيط لكنه صعب
يمكن لأي مؤسسة أن تسأل خمسة أسئلة: إذا توقف الأصل، ما البديل؟ وإذا انتقلنا إلى البديل، ما الذي يحتاجه كي يعمل؟ وما العناصر المشتركة بين الاثنين؟ ومن يملك قرار التحويل؟ وكم يستغرق هذا القرار في الواقع لا في الخطة المكتوبة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة قد تكشف أن المشكلة ليست نقص البدائل، بل تشابهها أكثر مما ينبغي.
المرونة الحقيقية لا تظهر عندما يعمل كل شيء بصورة طبيعية، بل عندما يفشل جزء من المنظومة ولا تنتقل العدوى التشغيلية إلى بقية الأجزاء. لذلك فإن المرحلة المقبلة في حماية البنية التحتية ليست بناء المزيد من النسخ الاحتياطية فقط، وإنما تصميم بدائل لا تفشل بالطريقة نفسها.
مع خالص التقدير،
عبدالله سعيد الحبسي (A.S. Alhebsi)
كاتب وباحث متخصص في الأمن والتراث وإدارة المخاطر وغرف العمليات

آخر فيديو
استعرض معنا في هذا الفيديو الإبداع الفني الخالص من خلال عرض أعمال