عاجل

عندما لا يعود الذكاء الاصطناعي مساعدًا للحكومة بل جزءًا من عملها

ظل السؤال لسنوات: كيف يمكن للحكومة أن تستخدم الذكاء الاصطناعي؟ لكن هذا السؤال بدأ يفقد دقته. التطور الأهم الآن ليس في قدرة الموظف على سؤال نظام ذكي والحصول على إجابة أسرع، بل في انتقال بعض الأنظمة من تقديم الإجابة إلى تنفيذ سلسلة من المهام واتخاذ خطوات داخل العمل الحكومي نفسه.

الإمارات وضعت هدفًا لتحويل ما لا يقل عن نصف خدمات وعمليات الحكومة الاتحادية إلى نماذج قائمة على الذكاء الاصطناعي المساعد Agentic AI خلال عامين، بالتوازي مع تدريب 80 ألف موظف اتحادي. وفي سبتمبر أطلقت الحكومة نظام مستشار الذكاء الاصطناعي لمجلس الوزراء، الذي يعمل من خلال 32 مساعدًا متخصصًا لتحليل السياسات والتشريعات والاستراتيجيات وتقييم آثارها المختلفة وتقديم التوصيات.

هذه الأرقام مهمة، لكن الأهم بالنسبة لي هو ما وراءها. نحن أمام تغير في طبيعة العلاقة بين التقنية والإدارة. عندما كان الذكاء الاصطناعي يقدم معلومة أو ملخصًا، بقيت المسافة واضحة بين الأداة وصاحب القرار. أما عندما يستطيع النظام متابعة عملية، واستدعاء بيانات، وتنسيق خطوات، واقتراح قرار، وربما تنفيذ جزء منه، فإننا نقترب من منطقة جديدة: منطقة السلطة التشغيلية.

وهنا يبدأ السؤال الذي يجب أن يرافق أي تحول من هذا النوع: متى يعمل النظام وحده، ومتى يجب أن يتوقف ويعيد الأمر إلى الإنسان؟

في غرف العمليات، لا تكفي جودة المعلومة وحدها. قد تصل المعلومة الصحيحة إلى الشخص الخطأ، أو تصل في الوقت الخطأ، أو تصل إلى شخص لا يملك صلاحية التصرف. ولهذا فإن كفاءة غرفة العمليات لا تقاس بعدد الشاشات أو سرعة الأنظمة فقط، بل بوضوح مسار المعلومة ومسار السلطة معًا.

المنطق نفسه يجب أن ينتقل إلى الذكاء الاصطناعي الحكومي.

إذا كان النظام قادرًا على تنفيذ مهمة روتينية واضحة، فمن الطبيعي أن يؤديها بسرعة. لكن إذا ظهرت حالة استثنائية، أو تعارضت البيانات، أو تجاوز القرار أثره المعتاد، فيجب ألا تكون الاستجابة مجرد محاولة آلية أخرى. يجب أن توجد عتبة واضحة ينتقل عندها القرار إلى الإنسان المناسب.

أسمي هذا «أمن القرار». فالأمن السيبراني يحمي الأنظمة والبيانات من الاختراق والتلاعب، بينما أمن القرار يهتم بما يحدث بعد وصول المعلومة: كيف تم التحقق منها؟ كيف فُسرت؟ من يملك صلاحية التصرف بناء عليها؟ ومتى يجب تصعيدها؟

وهذه ليست قضية إماراتية وحدها. مصر، بحجم جهازها الإداري وعدد المتعاملين مع الخدمات العامة وتنوع قطاعاتها، لديها سبب قوي لمتابعة هذه التحولات. فكلما اتسعت الدولة زادت قيمة الأتمتة، لكن زادت أيضًا أهمية التمييز بين المعاملة الروتينية والحالة التي تحتاج إلى حكم بشري.

المستقبل لن يكون حكومة بلا موظفين، كما تصور بعض الخطابات المبسطة حول الذكاء الاصطناعي. الأرجح أننا نتجه إلى حكومة يتغير فيها دور الموظف. ستقل قيمة نقل البيانات يدويًا بين الأنظمة، بينما ترتفع قيمة التحقق والإشراف ومعالجة الاستثناءات وتحمل المسؤولية عن القرارات المعقدة.

وهنا يصبح تدريب البشر جزءًا من بنية الذكاء الاصطناعي نفسه. فالنظام المتقدم الذي يعمل داخل مؤسسة غير مستعدة لإدارته قد يزيد السرعة من دون أن يزيد الجودة. أما المؤسسة التي تعيد تصميم الصلاحيات والتدريب ومسارات التصعيد بالتوازي مع التقنية، فهي التي تستطيع تحويل الذكاء الاصطناعي من أداة مبهرة إلى قدرة مؤسسية حقيقية.

التحدي القادم للحكومات لن يكون إثبات أن الذكاء الاصطناعي يستطيع العمل. هذه المرحلة تتقدم بسرعة. التحدي الأصعب هو إثبات أن المؤسسة تعرف متى تسمح له بالعمل، ومتى تحد من سلطته، ومتى تعيد القرار إلى الإنسان.

عندها فقط يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من حكومة أذكى، لا مجرد حكومة أسرع.

مع خالص التقدير،

عبدالله سعيد الحبسي (A.S. Alhebsi)
كاتب وباحث متخصص في الأمن والتراث وإدارة المخاطر وغرف العمليات

هاني سلام
نُشر بواسطة هاني سلام

هاني سلاممؤسس ورئيس تحرير المجلة العلمية أهراممجلة علمية عربية مستقلة تعمل منذ عام 2008، وتهتم بتبسيط العلوم والتكنولوجيا والفضاء والظواهر الطبيعية والقصص العلمية للقارئ العربي.وتضم المجلة أقسامًا متنوعة مثل «مجموعة الأبراج» و«قصص وحكايات»، إلى جانب موضوعات علمية تجمع بين المعرفة وروح الاكتشاف.تعمل المجلة بشكل مستقل،ولا تتبع مؤسسة الأهرام الصحفية أو أي جهة حكومية.

أضف تعليق

أثبت أنك إنسان: 5   +   10   =  

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المقالات المحفوظة