عاجل

الطاقة النظيفة تفتح أبوابًا رقمية جديدة

عبدالله سعيد الحبسي (A.S. Alhebsi)

كاتب وباحث متخصص في الأمن والتراث وإدارة المخاطر وغرف العمليات

من بعيد، تبدو توربينات الرياح وألواح الطاقة الشمسية بنية تحتية مادية مألوفة. لكن الصورة تغيرت. كثير من هذه الأصول أصبح جزءًا من منظومة رقمية يمكن مراقبتها وصيانتها، وأحيانًا التحكم بها، من مكان آخر. لذلك فإن التحول إلى الطاقة النظيفة لا يضيف قدرات توليد جديدة فقط؛ بل يضيف أبوابًا رقمية جديدة أيضًا.

الطاقة النظيفة.. بنية تحتية تفتح أبوابًا رقمية

هذا الأسبوع كشف باحثون هولنديون، بالتعاون مع المركز الوطني الهولندي للأمن السيبراني، عن آلاف أنظمة طاقة الرياح والطاقة الشمسية المكشوفة بصورة غير سليمة على الإنترنت في 35 دولة أوروبية. ووفق ما نقلته رويترز، ظهرت في بعض المواقع واجهات قد تسمح بمستوى من التحكم التشغيلي، بما في ذلك تشغيل توربينات أو إيقافها.

الخبر مهم، لكن الأهم بالنسبة لي هو السؤال الذي يتركه خلفه: هل نعرف فعلًا عدد الطرق التي يمكن من خلالها الوصول رقميًا إلى أصولنا المادية؟

التحول الرقمي لا يعني التخلي عن الطاقة المتجددة

لا أرى في ذلك حجة ضد الطاقة المتجددة أو ضد ربط المنشآت بالأنظمة الرقمية. الاتصال عن بعد يوفر سرعة في الصيانة والمراقبة، ويقلل التوقف، ويسمح للمتخصصين بفهم الأعطال قبل وصولهم إلى الموقع.

المشكلة تبدأ عندما تمر سهولة الوصول والسلطة التشغيلية من الباب الرقمي نفسه، من دون فصل واضح بين من يستطيع أن يرى ومن يستطيع أن يأمر النظام بالفعل.

الأمن السيبراني جزء من الجاهزية التشغيلية

في مصر، حيث تتوسع مشروعات الطاقة المتجددة وتزداد أهمية البنية التحتية الرقمية، لا ينبغي أن ننظر إلى الأمن السيبراني باعتباره طبقة تقنية منفصلة عن التشغيل.

فالمشروع قد يكون ناجحًا هندسيًا ويولد الطاقة بكفاءة، لكن جزءًا من جاهزيته الحقيقية يتوقف على معرفة من يستطيع الوصول إلى أنظمته عن بعد، وما الذي يستطيع فعله بعد الدخول.

وتجربة الإمارات في إنشاء بيئات لاختبار التقنيات في حالات استخدام واقعية تقدم هنا زاوية مفيدة للحوار بين بلدين يستثمران في بنية تحتية أكثر ذكاءً.

من يستطيع الوصول؟ وما الصلاحية بعد الدخول؟

لهذا أقترح أن نضيف إلى أسئلة الأمن السيبراني المعتادة ثلاثة أسئلة تشغيلية بسيطة:

من يستطيع الوصول؟ وما الصلاحية التي يحصل عليها بعد الوصول؟ وما الأثر المادي الذي يمكن أن ينتج عن تلك الصلاحية؟

يمكن اختصارها في مسار: الوصول، ثم السلطة، ثم النتيجة المادية.

فالحساب الذي يقرأ بيانات الأداء ليس كالحساب الذي يستطيع إيقاف معدة، حتى لو كان الاثنان يدخلان إلى المنظومة نفسها.

البنية التحتية الموزعة.. محيط حماية أكثر اتساعًا

تزداد أهمية هذا التفكير مع البنية التحتية الموزعة. المحطة التقليدية تجمع المعدات والأفراد والضوابط في نطاق معروف نسبيًا، بينما تنتشر أصول الطاقة الجديدة بين مواقع صناعية ومزارع وأسقف ومناطق بعيدة.

وهذا يمنح النظام مرونة في التوليد، لكنه يوزع معه محيط الحماية. فكل عاكس شمسي، ووحدة تحكم، وحساب مورد، ومسار صيانة عن بعد قد يصبح جزءًا من الحدود التشغيلية للمنشأة.

الاختبار في البيئة الحقيقية

وفي الإمارات أُعلن في 6 أكتوبر عن خطط لتطوير مركز للتميز في المرونة السيبرانية والتقنيات الموثوقة، بالشراكة بين مجلس الأمن السيبراني وSCC Middle East، مع تركيز واضح على اختبار حالات استخدام واقعية وفهم كيفية تبني التقنيات بصورة آمنة وعلى نطاق واسع.

ما يلفتني هنا ليس إنشاء مركز جديد بحد ذاته، بل فكرة الاختبار في البيئة الحقيقية قبل أن تتحول التقنية إلى اعتماد واسع.

فالأمن لا يُثبت في الكتيب التعريفي للمنتج، بل في اللحظة التي يتعرض فيها النظام لظرف لم يكن مثاليًا.

خطوات عملية لحماية المنشآت

يمكن لأي منشأة أن تبدأ بخطوات عملية: حصر الواجهات التشغيلية التي يمكن الوصول إليها عبر الإنترنت، وإغلاق ما لا توجد حاجة حقيقية لبقائه مكشوفًا، والفصل بين صلاحية المشاهدة وصلاحية إصدار الأوامر، وضبط وصول الموردين، واختبار قدرة غرفة العمليات على سحب الصلاحيات بسرعة.

والأهم أن تربط المؤسسة كل صلاحية رقمية بأثرها المادي المحتمل، حتى لا تعامل جميع الحسابات والواجهات كأنها متساوية.

الدقة أفضل من المبالغة

ولا أرى فائدة في تحويل كل ثغرة إلى قصة كارثة وشيكة. ما كشفه الباحثون خطير بما يكفي من دون مبالغة.

الأمن الجيد يحتاج إلى الدقة؛ لأن المبالغة المستمرة تضعف الانتباه، بينما الاستهانة بالوصول الرقمي قد تجعل المؤسسة تكتشف متأخرة أن أداة صيانة مريحة أصبحت طريقًا إلى سلطة تشغيلية.

من الطاقة النظيفة إلى البنية التحتية الذكية

التحول الأخضر سيجعل البنية التحتية أكثر ذكاءً واتصالًا، وهذا تطور طبيعي ومطلوب.

لكن النجاح لن يقاس فقط بكمية الطاقة التي ننتجها، بل بمدى فهمنا لكل اتصال جديد: لماذا هو موجود، ومن يستخدمه، وأين تنتهي صلاحيته، وماذا يمكن أن يحدث في العالم الحقيقي إذا أسيء استخدامه.

المصادر:

تقرير رويترز عن الأنظمة الأوروبية المكشوفة

إعلان مجلس الأمن السيبراني الإماراتي وSCC Middle East

هاني سلام
نُشر بواسطة هاني سلام

هاني سلاممؤسس ورئيس تحرير المجلة العلمية أهراممجلة علمية عربية مستقلة تعمل منذ عام 2008، وتهتم بتبسيط العلوم والتكنولوجيا والفضاء والظواهر الطبيعية والقصص العلمية للقارئ العربي.وتضم المجلة أقسامًا متنوعة مثل «مجموعة الأبراج» و«قصص وحكايات»، إلى جانب موضوعات علمية تجمع بين المعرفة وروح الاكتشاف.تعمل المجلة بشكل مستقل،ولا تتبع مؤسسة الأهرام الصحفية أو أي جهة حكومية.

أضف تعليق

أثبت أنك إنسان: 0   +   9   =  

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المقالات المحفوظة