عاجل

مليارات الذكاء الاصطناعي تحت الاختبار

مليارات الذكاء الاصطناعي تحت الاختبار.. من يدفع ثمن الوعود التي لا تتحقق؟

بقلم: عبدالله سعيد الحبسي

استثمارات الذكاء الاصطناعي تحت اختبار العائد الاقتصادي

لم تكن الخسائر التي شهدتها أسهم التكنولوجيا الأمريكية في نهاية أكتوبر مجرد أرقام حمراء على شاشات البورصة. فقد أعادت إلى الواجهة سؤالًا ظل لسنوات يتوارى خلف الحماس للذكاء الاصطناعي: إلى أي مدى تستطيع الاستثمارات الضخمة أن تتحول إلى فوائد اقتصادية حقيقية؟

في جلسة الجمعة 30 أكتوبر 2026، تراجع مؤشر ناسداك بنحو 2.86%، وسط مخاوف تتعلق بالإنفاق الكبير على تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وقدرة الشركات على تحقيق عوائد تتناسب مع تلك النفقات. ولا يعني ذلك انهيار هذه الصناعة أو انحسار مستقبلها، وإنما يكشف تغيرًا في نظرة المستثمرين، الذين لم يعودوا يكتفون بحجم الإنفاق دليلًا على النجاح.

ولعل هذا التحول يستحق اهتمامًا يتجاوز حدود الولايات المتحدة، خصوصًا في البلدان التي تسعى إلى تطوير اقتصاداتها من خلال التكنولوجيا، لكنها تواجه في الوقت نفسه تحديات تتعلق بالإنتاج والتوظيف والطاقة والموارد المالية.

كيف يشعر المواطن بعوائد استثمارات الذكاء الاصطناعي؟

لقد أصبح من السهل أن نسمع عن مشروع بمليارات الدولارات، أو مركز بيانات ضخم، أو اتفاقية لتطوير أنظمة ذكية. لكن المواطن الذي يتابع هذه الأخبار من منزله قد لا يجد إجابة واضحة عن سؤال بسيط: كيف سينعكس ذلك على حياته؟

فإذا كانت إحدى المؤسسات تنفق مبالغ كبيرة على نظام ذكي، ثم يظل المتعامل ينتظر بالساعات لإنجاز معاملته، فإن المشكلة لم تُحل. وإذا استخدم مصنع أدوات تحليل متقدمة، بينما بقيت معدلات الهدر والأعطال مرتفعة، فإن امتلاك التكنولوجيا لم يتحول بعد إلى إنجاز اقتصادي.

الفرق هنا بين الاستثمار في الوسيلة والاستثمار في النتيجة.

الذكاء الاصطناعي بين احتياجات الاقتصاد المصري والإنتاج

في الاقتصاد المصري، كما في اقتصادات كثيرة، توجد مجالات يمكن أن تستفيد من التطبيقات الذكية بصورة ملموسة. فقد تساعد نظم التحليل على تحسين إدارة المخزون، وتخطيط النقل، وترشيد استهلاك الموارد، ودعم القرارات الصناعية والزراعية. غير أن جدوى هذه التطبيقات لا تُقاس بأسمائها أو بحداثتها، بل بقدرتها على معالجة مشكلة محددة كانت تكلف المؤسسة وقتًا أو مالًا أو جهدًا.

وقد يكون من المفيد تخيل مصنع متوسط الحجم قرر شراء نظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بأعطال المعدات. إذا نجح النظام في تقليل التوقفات المفاجئة وتحسين الإنتاج، فقد يكون استثمارًا مجديًا حتى إن كانت تكلفته الأولية مرتفعة. أما إذا احتاج إلى اشتراكات مستمرة، وتدريب مكلف، وصيانة معقدة، دون أن يحقق تحسنًا يمكن قياسه، فإن المشروع يصبح عبئًا جديدًا على المصنع.

وليست المشكلة في التقنية نفسها؛ فقد تكون ممتازة في منشأة أخرى. المشكلة في اتخاذ قرار الشراء قبل تحديد الحاجة الفعلية ومعايير النجاح.

الشركات الصغيرة والمتوسطة وتكلفة التكنولوجيا

ويزداد الأمر أهمية لدى الشركات الصغيرة والمتوسطة. فهذه المؤسسات لا تمتلك دائمًا الموارد التي تسمح لها بتحمل تجارب مكلفة. وكل مبلغ يُخصص لنظام غير مناسب قد يُسحب من ميزانية العمالة أو الصيانة أو التوسع أو تحسين جودة المنتجات.

ومن غير المنطقي أن تشعر هذه الشركات بأنها متأخرة عن العصر لمجرد أنها لم تشترِ أحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي. التقدم الحقيقي لا يعني أن تستخدم كل مؤسسة التكنولوجيا نفسها، وإنما أن تختار ما يناسب طبيعة أعمالها.

التكاليف الخفية بعد شراء أنظمة الذكاء الاصطناعي

وهناك جانب آخر لا يحظى بما يكفي من الاهتمام، وهو التكلفة التي تظهر بعد توقيع عقد الشراء.

فالنظام الجديد قد يحتاج إلى بيانات منظمة، وشبكات أكثر كفاءة، وموظفين مدربين، ودعم تقني مستمر. وربما يعتمد على مزود خارجي يستطيع تغيير الأسعار أو شروط الخدمة. وقد تكون المؤسسة قد حسبت تكلفة البداية، لكنها لم تحسب جيدًا تكلفة السنوات التالية.

لذلك ينبغي أن تتجاوز دراسات الجدوى قيمة التعاقد إلى التكلفة الكاملة للتشغيل، بما يشمل التدريب والصيانة وحماية المعلومات وإمكانية الانتقال إلى نظام آخر عند الحاجة.

مسؤولية الحكومات في تقييم مشروعات التحول الرقمي

أما الحكومات والمؤسسات العامة، فتتحمل مسؤولية إضافية. فالموارد التي تخصصها للمشروعات التقنية ترتبط بخدمات يعتمد عليها الناس، ولا يجوز أن يُختزل نجاح المشروع في حفل تدشينه أو في عدد الأنظمة التي أُطلقت.

الخدمة العامة الذكية ينبغي أن تكون أكثر دقة وسهولة وعدالة، وأن تسمح للإنسان بالاعتراض على القرار الخاطئ والوصول إلى مسؤول يستطيع تصحيحه. وإلا فقد تتحول السرعة التقنية إلى وسيلة جديدة لتعقيد المشكلات القديمة.

الاستثمار الواعي بدلًا من الاندفاع وراء التكنولوجيا

ولا يعني هذا الطرح الدعوة إلى تقليل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي أو تأجيل التحول الرقمي. فالتأخر عن اكتساب القدرات الحديثة قد يحمل هو الآخر تكاليف اقتصادية كبيرة. لكنه دعوة إلى الاستثمار الواعي الذي لا يخلط بين الطموح والاندفاع.

وقد يكون القرار الأكثر حكمة في بعض الحالات هو البدء بمشروع محدود، واختبار نتائجه، والاستماع إلى العاملين الذين يستخدمونه يوميًا، ثم التوسع إذا ثبت نجاحه. كما ينبغي أن تكون هناك شجاعة للاعتراف بأن بعض التطبيقات لم تحقق أهدافها، وأن تعديلها أو إيقافها أفضل من الاستمرار في تمويلها حفاظًا على الصورة المؤسسية.

من مليارات الإنفاق إلى نتائج يلمسها الناس

وإذا كانت أسواق المال قد بدأت تسأل شركات التكنولوجيا الكبرى عما ستجنيه من مليارات الإنفاق، فمن الطبيعي أن تسأل المؤسسات والحكومات والشركات نفسها السؤال ذاته.

فالاقتصاد لا ينمو بمجرد امتلاك أدوات أكثر تطورًا، وإنما ينمو عندما تساعد تلك الأدوات على إنتاج قيمة أكبر بموارد أقل، أو تقدم خدمات أفضل، أو تفتح فرصًا جديدة للعمل والاستثمار.

لقد أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من المستقبل الاقتصادي، لكن هذا المستقبل لا ينبغي أن يُكتب بلغة الأرقام المعلنة وحدها. يجب أن يُكتب كذلك بلغة النتائج التي يستطيع الناس رؤيتها.

فالمليارات التي تُنفق على الوعود قد تصنع عناوين كبيرة، أما المليارات التي تتحول إلى إنتاج وخدمة ومعرفة، فهي التي تصنع اقتصادًا أقوى.

عن الكاتب

عبدالله سعيد الحبسي، MIoL

عضو معهد القيادة البريطاني (Institute of Leadership – UK)

كاتب وباحث متخصص في القيادة والأمن والتراث وإدارة المخاطر وغرف العمليات

A.S. Alhebsi

أعلن الآن على المجلة العلمية اهرام - اضغط للتواصل وحجز إعلان عبر واتساب
هاني سلام
نُشر بواسطة هاني سلام

هاني سلاممؤسس ورئيس تحرير المجلة العلمية أهراممجلة علمية عربية مستقلة تعمل منذ عام 2008، وتهتم بتبسيط العلوم والتكنولوجيا والفضاء والظواهر الطبيعية والقصص العلمية للقارئ العربي.وتضم المجلة أقسامًا متنوعة مثل «مجموعة الأبراج» و«قصص وحكايات»، إلى جانب موضوعات علمية تجمع بين المعرفة وروح الاكتشاف.تعمل المجلة بشكل مستقل،ولا تتبع مؤسسة الأهرام الصحفية أو أي جهة حكومية.

أضف تعليق

أثبت أنك إنسان: 8   +   8   =  

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المقالات المحفوظة