رحلة المتعامل بين المكاتب لإنجاز معاملة واحدة
دخل رجل إلى إحدى المؤسسات لإنجاز معاملة ظن أنها لن تستغرق أكثر من دقائق. حمل أوراقه كاملة، وانتظر دوره، ثم وصل إلى الموظف الذي أخبره بأن عليه مراجعة مكتب آخر. وفي المكتب الثاني قيل له إن الموافقة تبدأ من المكتب الأول. عاد الرجل إلى المكان الذي بدأ منه، لكن الموظف كان قد غادر إلى استراحته، وبقيت المعاملة معلقة إلى اليوم التالي. لم يكن الرجل يبحث عن استثناء أو معاملة خاصة، وإنما كان يريد أن يعرف من أين يبدأ وإلى أين ينتهي.
الوقت الضائع جزء من تكلفة الخدمة
قد تبدو هذه الحكاية عادية، إلا أنها تفتح بابًا مهمًا في تقييم الخدمات. نحن نحصي أحيانًا عدد المعاملات المنجزة، ونقيس مدة بقاء الطلب لدى الموظف، لكننا لا نسأل بما يكفي عن الوقت الذي يقضيه المتعامل خارج تلك الحسابات، متنقلًا بين المكاتب أو محاولًا فهم تعليمات متباينة. هذا الوقت لا يظهر في تقارير الأداء، لكنه جزء من تكلفة الخدمة التي يدفعها الإنسان من يومه وعمله وراحته.
غياب المسؤول عن متابعة رحلة المتعامل كاملة
والمسألة لا تخص جهة حكومية دون أخرى، ولا تقتصر على القطاع العام أصلًا. فقد يواجهها المراجع في منشأة صحية، أو العميل في مصرف، أو صاحب مشروع صغير بين مكتب محاسبة وشركة توصيل ومورد. تختلف المسميات وتتشابه المشكلة: كل طرف يعرف الجزء الذي يخصه، ولا أحد يتولى مسؤولية الرحلة كاملة. وحين يتعطل الأمر تصبح الإجابة الأسهل هي إحالة الشخص إلى جهة أخرى.
ثلاثة أسئلة تكشف جودة الخدمة
ليس مطلوبًا أن يعرف الموظف جميع تفاصيل المؤسسة، ولا أن يتجاوز اختصاصه. المطلوب أن تكون هناك إجابة واضحة عن ثلاثة أسئلة بسيطة: من المسؤول عن الطلب الآن؟ ما الإجراء الناقص تحديدًا؟ ومتى يستطيع صاحبه معرفة النتيجة؟ إذا عجزت المؤسسة عن تقديم هذه الإجابات، فالمشكلة تتجاوز مهارة موظف واحد إلى تصميم الخدمة نفسها.
تضارب التعليمات يزيد معاناة المتعاملين
كثير من المشكلات تنشأ من تعليمات لا تُحدّث في الوقت المناسب. ورقة معلقة على الجدار تقول شيئًا، والموقع الإلكتروني يقول شيئًا آخر، والموظف يتبع تعميمًا وصل صباحًا. يتحمل المتعامل نتيجة هذا التباين، رغم أنه لا يملك وسيلة لمعرفة التعليمات الداخلية. هنا يصبح تصحيح المعلومة مسؤولية المؤسسة قبل أن يكون واجبًا على الشخص الذي جاء لإنجاز معاملته.
الخدمات الرقمية لا تنهي مشكلة الانتظار والغموض
وقد ساعدت الخدمات الرقمية في اختصار خطوات كثيرة، لكنها لا تحل المشكلة تلقائيًا. يستطيع المتعامل تعبئة نموذج في دقائق، ثم ينتظر أيامًا لأن الطلب انتقل إلى قسم لا يرد على الاستفسارات. وقد تصله رسالة مقتضبة تفيد بأن المعاملة غير مكتملة، دون تحديد النقص. نحن بذلك نقلنا الانتظار من الممرات إلى شاشة الهاتف، بينما بقي الغموض كما هو.
خطوات عملية لتقليل الوقت الضائع بين المكاتب
يمكن البدء بخطوات عملية لا تحتاج إلى مشروعات ضخمة. توحيد المتطلبات بين الموظفين، وإعطاء المتعامل رقم متابعة مفهومًا، وإتاحة وسيلة للاستفسار عن سبب التأخير، ومراجعة الحالات التي يضطر أصحابها إلى تكرار الزيارة. كما أن الاستماع إلى ملاحظات موظفي الاستقبال ضروري، فهم أول من يسمع الأسئلة المتكررة، وأقدر الناس على كشف التعليمات التي لا يفهمها الجمهور.
مسؤولية المؤسسة لا الموظف وحده
ومن الإنصاف كذلك أن نلاحظ ضغط العمل الذي يتحمله موظفون كثيرون. فقد يكون الموظف نفسه ضحية نظام لا يمنحه صلاحية الحسم أو الوصول إلى المعلومة الصحيحة. ولذلك فإن تحميله وحده مسؤولية كل تأخير لن يصلح الإجراء. الإصلاح الحقيقي يبدأ من توزيع المسؤوليات، وتوضيح مسارات القرار، ومنح العاملين أدوات تساعدهم على تقديم جواب صادق ومفيد.
احترام وقت الناس معيار لجودة المؤسسات
إن احترام وقت الناس ليس مجاملة تقدمها المؤسسات، بل جزء من جودة عملها. فالإنسان الذي يأخذ إجازة من عمله أو يقطع مسافة لإنجاز معاملة لا ينبغي أن يكتشف في كل زيارة شرطًا جديدًا. قد تنتهي المعاملة في النهاية ويظهر النظام أنها أُنجزت بنجاح، لكن ما خسره صاحبها في الطريق يبقى خارج السجل. والخدمة الجيدة هي التي تتذكر ذلك الوقت، وتعمل على ألا يضيع مرة أخرى.
نبذة عن الكاتب
عبدالله سعيد الحبسي، MIoL، كاتب وباحث إماراتي متخصص في الأمن والتراث والمخاطر وغرف العمليات، وعضو معهد القيادة البريطاني (Institute of Leadership – UK). حاصل على درجة الماجستير في القيادة والتطوير التنظيمي، وله مؤلفات وبحوث ومقالات منشورة. التوقيع الأدبي: A.S. Alhebsi.


آخر فيديو
تابع معنا تحليل قراءة الصحف اليومية مع الكاتب الصحفي هاني سلام عبر