لم تقتصر جائحة كوفيد-19 على ترك آثارها العميقة على الجسد البشري فحسب، بل امتدت لتضرب في عمق الصحة النفسية والعصبية لملايين البشر حول العالم. وفي ظل موجات العزل، والخوف، وفقدان الدخل، تتزايد الحاجة الملحة للرعاية النفسية، بينما تتهاوى الخدمات المخصصة لتلبية هذه الاحتياجات تحت وطأة الضغوط الهائلة.
صدمة عالمية: انهيار خدمات الصحة النفسية
أظهر مسح عالمي حديث أجري في 130 دولة أن الجائحة عطلت أو أوقفت تماماً خدمات الصحة النفسية الحيوية في 93% من دول العالم. ولم يعد الأمر مجرد تراجع طفيف، بل شمل تعطل خدمات الاستشارة والعلاج النفسي بنسبة بلغت 67%، وتأثر خدمات التدخل الطارئ لحالات الهلوسة والنوبات العصبية الحادة بنسبة تجاوزت الثلث، مما يضع الفئات الأكثر هشاشة أمام مخاطر حقيقية غياب العلاج الدوائي والنفسي.
الفئات الأكثر هشاشة في دائرة الخطر
تدق المؤشرات القاتمة ناقوس الخطر حول مصير الفئات الضعيفة؛ فقد سجل المسح تضرراً واضحاً في خدمات الأطفال والمراهقين بنسبة 72%، وكبار السن بنسبة 70%، إضافة إلى الحوامل وحديثي الولادة بنسبة 61%. كما أن الأشخاص الذين يعانون مسبقاً من اضطرابات نفسية أو عصبية باتوا أكثر عرضة للإصابة بالفيروس وتبعاته القاتلة، بينما يواجه آخرون اضطرابات جديدة كالأرق، والاكتئاب، وإدمان المخدرات.
حلول رقمية وسط فجوة اقتصادية
في محاولة للتكيف مع الأزمة، لجأت نحو 70% من الدول إلى تقنيات التطبيب عن بُعد. إلا أن الفجوة الاقتصادية ظلت واسعة؛ إذ طبقت أكثر من 80% من الدول ذات الدخل المرتفع هذه الحلول البديلة مقارنة بأقل من 50% في الدول منخفضة الدخل، وهو ما يعكس أزمة التمويل المزمنة؛ حيث تنفق الحكومات أقل من 2% من ميزانيات الصحة على الدعم النفسي.
الاستثمار في النفس هو طوق النجاة
تؤكد الأرقام الاقتصادية أن تجاهل الصحة النفسية يكبد العالم خسائر طائلة تقارب تريليون دولار سنوياً من الإنتاجية بسبب الاكتئاب والقلق وحدهما. في المقابل، تشير الدراسات إلى أن كل دولار يُستثمر بحكمة في الرعاية النفسية يعود بخمسة أضعافه كعائد اقتصادي، مما يجعل الاستثمار العاجل في هذا القطاع ضرورة إنسانية واقتصادية لا تحتمل التأجيل.
بقلم: هاني سلام
المصدر: WHO


آخر فيديو
تابع معنا تحليل قراءة الصحف اليومية مع الكاتب الصحفي هاني سلام عبر