الرئيسية / مقالات حرة / كيف تصبح عبقرياً الجزء الرابع

كيف تصبح عبقرياً الجزء الرابع

كتب : محمد جوده
لم تكن العبقرية التى نرمى إليها فى كتاباتنا تلك جل ما تعنيه هو مجرد المفهوم الضيق الذى اعتدنا أن يكون حكراًعلى بعض القدرات العقلية فوق مستوى المتوسط مثلاً .. إنما هى العبقرية الإنسانية والتى يعيش صاحبها مسخراً لجميع قدراته متحركاً بكل ذاته لا يقف أمامه شئ البته منطلقاً نحو تحقيق معنى إنسانيته.
* كيف تصبح إنسان!؟
قد تظن أن السؤال غير مكتمل أو أن هناك خطأ فى الكتابة عندما ترى السؤال بهذه الصيغة كيف تصبح إنسان!؟ وقد تقول هناك كلمة ناقصة فكلمة إنسان موصوف فلابد أن تكون هناك صفة نسأل عنها فنقول كيف تصبح إنسان ناجح مثلاً، ولكن تراني دائماً أبحث عن المتاعب فى اللغة ولم نؤتى من التمكن فيها أو التخصص الشئ إلا اليسير جدا، وما نصبو إليه هنا فى سؤالنا بجعله كاملاً له معنى مكتمل ومنطقي فالإنسان هنا هو الموصوف ولكنه فى نفس الوقت هو الصفة والمعنى، فهو صفة وموصوف.. نعت ومنعوت.. هو السؤال والجواب.. هو المعنى الذى نعيش معاً فى هذا المقال نتلمس إشراقة فى القلب فتضئ داخله فيبصر فيرى الحق حقاً والباطل باطلاً فنعمل على حمايته فيظل مضيئاً فيقوى فيستطيع أن يقر بالحق بشجاعة وقوة أمام نفسه أولا،ً فيدرك معنى وجوده، فيدرك أنه إنسان!

هيا بنا لنذهب إلى رحلة صغيرة نتلمس فيها أحد معانى الإنسانية وإرتباطها بالعبقرية، العبقرية التى أخبرنا أنها ليست مجرد أن أحدهم سريع فى الإتيان بالجذر السابع لأحد الأرقام فى ثواني معدودة.. فالآلة الحاسبة تستطيع القيام بذلك بدقة، لكنها القدرة على تحقيق معنى الإنسان فتستطيع أن تكون مبدعاً وعبقرياً فى مجالك. يحكى أن غاندى وهو صغير سقطت منه فردة حذائه وهو يركب القطار فأسرع بإلقاء الفردة الأخرى بجانب أو بالقرب من الأولى.. فتعجب منه الآخرون فأخبرهم أنه أراد أن يستفيد من يجد الحذاء كاملاً ويكون نافعاً له.

فالإنسانية إذاً هي تلك القدرة التي تكون لدى المرأ لتمكنه من القيام بوظيفة الإنسان.. ألا تعلم أنها وظيفة وتكليف وهدف أنا وأنت خلقنا للقيام به.

نستطيع القول أنها مثل ( سوبر ماركت ) كبير به كل شئ والجميع متاح لهم الدخول وشراء ما يريدون طالما أنك ستدفع فاتورته، ولكن الفكرة أن أى شئ تأخذه نافع أو ضار غالى الثمن أو رخيص فلم تقضي إلا وقت قليل جدا لتذهب لتأخذ فاتوره بما جمعت وفيها مسجل كل شئ، هي تلك الدنيا مثل هذا السوبر ماركت كل شئ مسخر لك تقريباً وتظل تجمع فيها ما تجمع ليس هناك مشكلة غير أنك ستحاسب عليه. لسنا نتكلم هنا من منطلق ديني فليس هذا مقام ولسنا مؤهلين لذلك، إنما هو من منطلق إنساني أريدك أنت وأنا أن ندرك معنى إنسانيتنا أن تشرق فى قلوبنا إشراقة الإدراك التى نرى فيها حقيقة الدنيا وحقيقة خلافتنا فيها وأننا ما كنا يوماً مجرد كائنات تأكل وتشرب تنام ….الخ. إنما نحن خلفاء لله فى أرضه،

عليك أن تؤمن بقلبك وعقلك وكل خلايا جسدك بأن المرأ يولد على الفطرة طاهراً نقياً مكرماً ولكن ظروفه التى ينشأ فيها وبيئته تغير كثيراً مما كان لديه من مقومات الإنسانية فينطلق منحرفاً تائهاً عن إدراك معنى وجوده ويظل منحرفاً بزاوية مثل ذلك الوتر فى المثل القائم الزاوية يظل يبعد عن نقطة التقائه بالخط المستقيم الواضح الذى نسميه المجاور هى نقطة ميلاده، فيذهب منحرفاً قد تكون الزاوية فى بداية انحرافه صغيرة جدا لا يدركها هو أو من حوله ولكنه يظل يبتعد ويبتعد تائهاً فى عجزه عن الإدراك لمعنى إنسانيته قد فقد كثيراً من نقاء الفطرة السوية فلم يعد لديه تلك الذاكرة الغريزية الصحيحة التى يستلهم بها فهم الأشياء والأشخاص ولم يعد يفرق بين الحق والباطل إلا قليلاً فيقول أفعل ما يفعله الناس وأقول ما يقوله الناس فيعيش كأحد الأشياء ( وخلاص ) لا كإنسان!

تكمن المشكلة هنا أن هناك صراع لا يدركه ومعركة هى من أخطر المعارك وأشدها قوة وقسوة هى تلك معركة الإنسان مع نفسه، فعندما يبعد ويتوه فى تلك المظاهر القشورية والسعادات الظاهرية يكون على ذلك ظهير هي نفسه التى يروق لها ذلك كثيراً، قد لا تريد نفسه إهلاكه لكنها بالطبع تريد تلك السعادات وتغرها وتجذبها هذه القشوريات الواهية.

أكاد أشعر بك أخي تقول بلسان حالك الآن بل وقد يكون بلسان مقالك أريد أن أعود إلى تلك الإنسانية التى فقدت كثير منها أتمنى فعلاً أن أكون إنسان! صدقنى يا أخى ما زال هناك أمل ومازال لديك قلب أو بعض القلب طالما تمنيت هذا، وسنحاول معاً أن نتلمس طريقاً لإستعادة ما فقدناه من إنسانيتنا ونقاء فطرتنا، ما رأيك أن نذهب إلى رحلة سريعة لعلنا نجد فيها ما نريده فى هذا المقام؟ لكنها فى الحقيقة رحلة ليست سهلة لأننا سنضرب فى العمق وفى البعد إلى الزمن البعيد هى قصة البداية! جاهز؟.. أغمض عينيك! إنطلق…

نحن الآن فى زمان ومكان قصة البداية، نحن الآن فى فى وطننا الأصلى، نحن الآن فى الجنة نشاهد ذلك المشهد أبينا آدم وزوجته يحيون حياة طيبة سعيدة ولكن مثله مثلنا هو فى إختبار..ما هذا.. أنسيت أننا فى إختبار؟ آدم أيضاً ( نسي ولم نجد له عزماً ) وتطلعت نفسه إلى شئ قد نهاه الله عنه، ليس شئ عظيم مثلاً أو منعه حاجة يحتاجها، بل هي مجرد شجرة من الأشجار نهي عن الأكل منها، وتطلعت النفس وزين الشيطان فنسي العهد، العهد الذى وافق على بنوده ووافقنا معه ووقعنا جميعاً عليه، فلم يكن لديه من العزم والقوة ما يعينه على مخالفة هواه وكبح جماح نفسه لما تطلعت ومنعها تنفيذاً للأمر ووفاءً للعهد، ونفذ رغبته ووافق هواه فخالف فظهرت العورة، العورة هنا ليست فقط معناها المعروف ولكن العورة إشارة إلى كل عورة وعوار وعيب، فمثلاً أن يعلو صوت الباطل وينخفض صوت الحق هو عورة ومثلاً كثرة القمامة فى الشوارع بين الناس عورة.. وهكذا. فالعورة هى كل عيب وعوار صغير أو كبير فردي أو جماعي، وهنا كان لابد من عقاب لأنه خالف وابتعد ونسي عهده، ذلك هو المعنى الذى نريد أن نتلمسه من رحلتنا السريعة تلك أنك ما فقدت كثيراً من نقاء فطرتك السوية التى توافق صحيح قوانين الكون وما ابتعدت كثيراً عن القيام بمعنى إنسانيتك إلا بإبتعادك وموافقتك لهوى نفسك وتطلعها إلى تلك القشوريات والسعادات الظاهرية الواهية.

أراك قد إنزعجت وظهر عليك بعض الضيق متمنياً أنك لم تبتعد عن إنسانيتك ونقاء فطرتك الصحيحة التى ترى بها الحق حقاً ثم تحقه وترى بها الخطأ خطأَ وتبطله دون استحياء وتستطيع أن تدرك أن نفسك قد تعاديك وتريد أشياء تبعدك عن تحقيق إنسانيتك وأنها قد تسلبك بتنفيذ رغباتها كثيراً من مقومات هذه الإنسانية، ولكن مادمنا نتنفس فهناك أمل.. نعم هناك أمل! تستطيع أن تكتسب كثيراً مما فقدت وأن تدرك كثراً مما ابتعدت عنه، وتستطيع أن تكتسب علماً وحلماً، يظل نجاح الأمر من إخفاقه فى صدق إرادتك وسلوكك الطريق الصحيح لتحقيق ذلك، ألم نتفق فى الأجزاء السابقة أنك تستطيع أن تكتسب من الملكات والقدرات الإنسانية بكل أنواعها إلى الحد الذى قد لا تصدقه؟ بلى.. إتفقنا وأكدنا على ذلك بأمثلة واقعية.

إنتهى مقالنا هذه المرة.. لنؤهل قلوبنا وعقولنا خلال هذا الشهر إلى أن نلتقي فى المقال القادم لنتعلم كيف نستعيد بعض ما فقدنا إنسانيتنا ونقاء فطرتنا التى تتوافق مع صحيح قوانين الكون فنعلم وندرك فنبدع ونكون من بناة حضارة الأرض لا مجرد شئ أتى فى زمن ما ومضى ولم يشعر به أحد فهذا ليس إنسان.. فلتصدق إرادتك ولتسر فى الطريق تتلمس ما ينفعك على تأكيد معنى إنسانيتك كما قال أحدهم شريف الخطى.. عفيف السمع.. كريم النظر.. رجلاً إذا أتوا بعده يقولون مر هذا الأثر.
إلى اللقاء….
* محمد جوده:
طالب بكلية التجارة ويدرس الفيزياء.. له عدة إختراعات منها الخلية الليزرية 2011 وجهاز مكيف بدون ضاغط2012.
يكتب فى فلسفة العلوم والتنمية البشرية.. وله مقال شهري فى عدة جرائد فى هذا الجانب.
يدير المحتوى العلمى فى مؤسسة (نَفهَم) والتى تعنى بتبسيط وشرح المواد الدراسية لطلبة مراحل التعليم ما قبل الجامعي بطرق إبداعية غير تقليدية تؤصل معنى الإبداع والفهم لا الحفظ.
* مراجع:
كتاب بين الفيزياء والفلسفة ، كتاب فن التربية ، سلسلة عمر صانع حضارة ، كتاب أينشتين ضد الصدفة، كتاب كيف تصبح عالماً.
* شكر خاص إلى د.هاجر خليل

عن هاني سلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *