الرئيسية / مجموعة الابراج / مآثر المسلمين فى علم الفلك

مآثر المسلمين فى علم الفلك

د محمد زكريا توفيق
أشهر وأهم كتب الفلك فى العالم القديم هو كتاب المجسطي (Almagest). مؤلف هذا العمل الرائع هو بطليموس القلوذي (Claudius Ptolemy) العالم السكندري (85 165م). هو لا ينتمي إلى أسرة البطالمة التى حكمت مصر بعد غزو الإسكندر الأكبر.

كتاب المجسطي هذا مكون من 13 جزءا, يعالج مسائل عديدة فى الرياضيات والفلك. منها تفسيره لحركة الشمس والقمر والكواكب والكسوف والخسوف. يحتوي على أزياج (جداول فلكية), وعلى مصنف (كتالوج) ل1022 نجما و48 برجا.

بعد حريق مكتبة القاهرة الشهيرة, وبعد انهيار الامبراطورية الرومانية, لم يشهد علم الفلك إضافات هامة، باستثناء شروح وتعديلات قليلة لكتاب المجسطي لعلماء مثل: سيرابيوم وأركاديوس وهيباتيا, ابنة ثيون العالم السكندري. يبدو أن هذه الشروح والتعديلات, كانت الوميض الأخير لمنارة المعرفة بمدينة الإسكندرية القديمة قبل أفولها.

فى عام 415م، قتلت هيباتيا عالمة الفلسفة والرياضة والفلك على أيدي الغوغاء أثناء مظاهرة احتجاجية, اعترضت على تدريسها للفلسفة والرياضيات والفلك. بحجة أن هذه العلوم تخالف تعاليم الديانة المسيحية التى بدأت فى الانتشار فى ذلك الوقت. سحلت هيباتيا فى شوارع الإسكندرية إلى أن توفيت. ثم نزعت ثيابها, وقطع جسدها إربا. ثم ألقيت أجزاء جسمها الممزقة في المحرقة.

لم يعرف العرب قبل العصر العباسي شيئا يذكر عن الفلك, إلا فيما يتعلق برصد بعض الكواكب والنجوم. لعلاقتها بالتنجيم ومعرفة المستقبل. لكن علم الفلك شهد تقدما كبيرا فى العصر العباسي، كغيره من فروع المعرفة.

كان تحديد أوقات الصلاة واتجاه القبلة, ومعرفة أوقات الكسوف والخسوف وظهور هلال رمضان, بالإضافة إلى حاجة السفن التجارية والحربية لتحديد مواقعها أثناء عبورها فى المحيطات, تقضي بالاهتمام بعلمي الفلك والرياضيات والتعمق فيهما. وقد أدى هذا الاهتمام إلى الجمع بين علوم اليونان والهند والفرس والمصريين, وإلى إضافات هامة لولاها لما أصبح علم الفلك على ما هو عليه الآن.

ترجم كتاب المجسطي إلى اللغة السريانية أولا ثم العربية. ومن حظ العلم والعلماء أن الخليفة المأمون كان مولعا بالعلوم والآداب بصفة عامة, وعلم التنجيم بصفة خاصة.

أنشأ المأمون دار الحكمة ببغداد لترجمة العلوم والآداب اليونانية والهندية والفارسية والمصرية. وأنشأ فى بغداد مرصدا لرصد الكواكب عام 829م. من شدة ولع المأمون بالفلك, يقال أنه طلب من إمبراطور بيزنطة نسخة من كتاب المجسطي فى معاهدة السلام بينهما.

فى القرن التاسع الميلادي, أصلح ثابت بن قرة, من سوريا, الأخطاء فى كتاب المجسطي وجعله سهل التناول. واستخرج حركة الشمس, وحسب طول السنة النجمية إلى درجة نصف ثانية. وحسب ميل دائرة البروج.

قام الخوارزمي, من فارس ومؤسس علمي الحساب والجبر, بوضع الجداول الفلكية الهامة, وتسمى بالعربي الأزياج. ثم جاء البتاني ليصلح مسار الشمس فى كتاب المجسطي.

فى عام 860م, ألف الفرجاني كتابا فى الفلك أسماه أصول الفلك بناءً على كتاب المجسطي. هذا الكتاب ترجم إلى اللغة اللاتينية وصار مرجعا هاما فى أوروبا فى القرون الوسطى.

فى القرن العاشر, ألف عبد الرحمن الصوفي كتاب “الكواكب الثابتة”, ويعني النجوم, على أساس مصنف النجوم فى كتاب المجسطي. لكن الصوفي استخدم قراءاته المبنية على الرصد, لتصحيح أخطاء كتاب المجسطي. كما أنه زين الكتاب بالرسوم والصور التى توضح مواقع النجوم داخل البروج. وما رسومات “باير” و”سيفيليوس” إلا اقتباس ونقل عن الصوفي.

استخدم البزجاني قراءاته فى مرصد شرف الدولة ببغداد لتصحيح جداول حساب المثلثات فى المجسطي, وألف كتاب “الكاتب الكامل” لشرح المجسطي.

الحسن بن الهيثم, فى القرن الحادى عشر الميلادي, الذى كان يعيش على دخله من نسخ الكتب, ألف 92 كتابا منها الشكوك على بطليموس. وهو عبارة عن 28 مقالة فى نقد كتاب المجسطي.

لكن كتاب المجسطي ظل منتشرا فى العالم الإسلامي. ففى الأندلس, فى القرن الثاني عشر, كان هناك مجموعة من الفلكيين. منهم جابر بن الأفلح ونور الدين البتروجي. قام كلاهما بنقد المجسطي, لكنهما لم يستطعا الإتيان بنظام بديل يفسر حركة النجوم والكواكب.

فى فارس فى القرن الثالث عشر, بنى الطوسي مرصدا في مراغة بمساعدة هولاكو قائد المغول وفلكي من الصين. وقام الطوسي بنقد المجسطي فى كتابه التذكرة. ثم قام تلميذه نظام الأعرج بنقد المجسطي أيضا.

فى سمرقند فى القرن الخامس عشر الميلادي, كان حفيد تيمورلنك وحاكم كردستان أولغ بك مولعا بالفلك, فبنى مرصدا ضخما جدا, ساعده فى اكتشاف أخطاء فى كتاب المجسطي. ثم قام بتدوين أول مصنف للنجوم بعد كتاب المجسطي يحتوي على 992 نجما. لكن لسوء الحظ, لم يكن أولغ بك يجيد السياسة كإجادته للفلك. فقد قام ابنه باعدامه ليستولى على الحكم. ولا تزال آثار مرصده باقية حتى الآن فى سمرقند.

من هنا يمكن القول أن الفلكيين المسلمين قد طهروا الفلك من التنجيم. وجعلوه علما مستقلا. ورصدوا النجوم والكواكب السيارة بدقة شديدة. وابتكروا آلات للرصد كثيرة. منها: الاسطرلاب واللبنة وذات الأوتار وذات الحلق وذات الشعبتين وذات السمت والارتفاع وذات الجيب والربع المسطري والبنكام الرصدي وغيرها.

وأطلقوا أسماء عربية على مئات النجوم. هذه الأسماء العربية لا يزال يستخدمها العالم إلى اليوم. وأحيوا كتاب المجسطي لمدة تزيد عن الألف عام. وقد انتشرت الترجمات العربية لكتاب المجسطي فى العالم طوال هذه المدة.

لقد قام الفلكيون المسلمون بنقد المجسطي وتصحيح أخطائه. لكنهم ظلوا أسرى لمركزية الأرض وحركة الكواكب فى دوائر كاملة حولها. إلا أن أعمالهم واكتشافاتهم وجهودهم فى عمل الجداول الدقيقة، أوحت لكوبرنيق وكبلر باكتشاف عدم مركزية الأرض للكون. وساعدتهم على إثبات أن الأرض والكواكب تدور كلها حول الشمس فى مدارات إهليليجية (بيضاوية). ولولا علماء الفلك المسلمين وجهودهم الجبارة في هذا المجال، لبدأ الأوربيون علم الفلك من حيث بدأ المسلمون له منذ أكثر من ألف سنة تقريبا.

عن هاني سلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *