الرئيسية / خبر رئيسي / نظرية جديدة لتفسير احوال الطقس الغير مستقرة

نظرية جديدة لتفسير احوال الطقس الغير مستقرة

يبدو الطقس هذا الصيف وكأنه قد جنّ جنونه: حرائق في روسيا وفيضانات في باكستان وانزلاقات تربة في الصين وبرد قارس في بيرو. في الشهر الماضي خرج العلماء بنظرية جديدة لتفسير هذه التغيرات تربط بين البرودة وضعف نشاط الشمس.

قالت هيئة الأرصاد الجوية الألمانية، إن كمية الأمطار التي هطلت على البلاد في شهر آب/أغسطس الماضي، كانت أكبر كمية تهطل عليها منذ بدء عمل الأرصاد الجوية في ألمانيا في عام 1881. فقد سقط في بعض المناطق 150 لترا من ماء المطر على المتر المربع الواحد. وربما تكون الحرارة الشديدة التي شهدتها دول الشرق الأوسط في الشهر الماضي، ومازالت تشهدها حتى اليوم، هي الأعلى أيضا منذ عشرات السنين.

ويبدو أن ما شهدته روسيا والصين وباكستان من حرائق غابات وانزلاقات تربة وفيضانات، قد فاجأ حتى خبراء الأحوال الجوية والطقس. من هؤلاء الفيزيائي الروسي فلاديمير ريابينين، الذي يعمل خبيرا لدى البرنامج العالمي للبحوث المناخية في جنيف والتابع للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية “لقد تم تحطيم الرقم القياسي لارتفاع درجة الحرارة في موسكو هذه السنة 22 مرة. وفي باكستان هطلت كمية من الأمطار لم يسبق لها مثيل. لذلك يحاول العديد من خبراء الطقس تفسير سبب هذه التغيرات، لكن وللأسف، لا نستطيع حتى الآن سوى التكهن بالأسباب”

عوامل شتى حالت دون حركة الهواء

وليس حال مكتب الأرصاد الجوية البريطانية بأفضل من حال العالم الروسي، فقد لاحظ المكتب أن “حاجزا كان يحول دون تدفق الهواء فوق أوروبا الشرقية وآسيا، وهذا أدى إلى بقاء تيار هواء الطبقات العليا من الجو(Jet Stream) يراوح في مكانه لعدة أسابيع”. هذا التيار الهوائي السريع يمر بين طبقة ستراتوسفير وطبقة تروبوسفير، وهما من طبقات الجو العليا، هو الذي يساعد الطائرات على تقصير مدة رحلاتها وهي تستغله لزيادة سرعتها. ويكون مساره عادة من الغرب إلى الشرق. لكن الأمر اختلف هذه السنة، حين اصطدم التيار بمنطقة ساد فيها مرتفع جوي، مما اضطر التيار الهوائي إلى الاتجاه جنوبا، فالتقى الهواء البارد القادم من خطوط العرض المتوسطة مع الرياح الموسمية الدافئة الرطبة، فنجم عن ذلك عواصف رعدية قوية مشبعة بأمطار إضافية فوق الأمطار الموسمية، التي هي في الأصل غزيرة.

ويشرح فلاديمير ريابينين هذه الظاهرة قائلا: ” لم يتمكن الهواء من تجاوز مناطق الحرائق الروسية وبقي فوق المناطق التي هطلت فيها أمطار موسمية طوفانية. فمن جهة هناك مرتفعات جبال الهملايا التي وقفت سدا أمام الهواء، وفي الجهة المقابلة كان هناك منطقة ساد فيها المرتفع الجوي، وفي اعتقادي أن الهواء لم يتمكن من التحرك نحو الغرب بسبب الهواء الساخن جدا فوق شبه الجزيرة العربية، وفي النهاية وصلت الأمطار الغزيرة إلى الصين”.

تغيير حجم الصورة

ظاهرتا إلنينيو و لا نينا

: شردت فيضانات باكستان الملايين من منازلهم وحولتهم بين عشية وضحاها إلى لاجئين
إضافة إلى ذلك كان هناك عامل آخر ساعد في زيادة كمية الأمطار الموسمية: ففي منطقة المحيط الهادئ الاستوائية تتبادل ظاهرتا إلنينيو (El Nino) ولا نينا (La Nina)السيادة على هذه المنطقة كل بضع سنوات. فإذا سادت ظاهرة الإلنينيو تسخن منطقة شرق المحيط الهادئ القريبة من أمريكا الجنوبية، كثيرا، في حين تبرد المنطقة الغربية القريبة من آسيا. والعكس صحيح في السنوات التي تسود فيها ظاهرة لا نينا.

وحاليا تسود لا نينا في المحيط الهادئ وتؤثر على الطقس في المحيط الهندي وعلى الأمطار الموسمية، كما يقول فلاديمير ريابينين “عادة ما تسبب لا نينا أمطارا غزيرة فوق الهند، فحين ترتفع درجة الحرارة في المحيط الهندي، يصبح الهواء مشبعا بالرطوبة، فتحمله الرياح الموسمية من البحر إلى اليابسة”.

إذن هناك ظاهرة طبيعية تسمّى لا نينا تساعد على زيادة كميات الأمطار الموسمية، لكن ماذا بالنسبة لما يقال عن ارتفاع درجة حرارة الأرض؟ هل لهذه التغيرات المناخية علاقة باحتراق مساحات شاسعة من الغابات في روسيا وبالفيضانات الهائلة التي اجتاحت باكستان؟

يقول فلاديمير ريابينين الخبير لدى البرنامج العالمي للبحوث المناخية: “وفقا لتقرير المناخ العالمي لعام 2007 زاد احتمال حدوث تقلبات جوية شديدة تكون أكثر تكرارا وأشد قسوة. وما نشاهده اليوم يتوافق مع تلك التوقعات. وأعتقد أننا يجب أن نستعد لأحداث مشابهة تكون أشد وتحدث بانتظام”.

كوارث طبيعية أكثر في المستقبل

: أحد شوارع مدينة هوانغجو الصينية بعد انحسار مياه الفيضانات
في عام 2003 ضربت موجة حرارة شديدة أوروبا، والآن كانت روسيا الضحية، وعادة ما تحدث موجات الحارة هذه مرة في كل ألف عام، كما يقول الخبراء. إلا أن هاينتس فانر، رئيس مركز أبحاث المناخ في جامعة بيرن، لا يبدو متفاجئا مما يحدث “طبعا هناك زيادة ملحوظة في درجات الحرارة القصوى. وتوزيع درجات الحرارة يمتد أفقيا، وهذا يعني أن الفجوة بين درجات الحرارة القصوى والدنيا سيزداد، وقد كان عام 2003 في وسط أوروبا مثالا على ذلك، وعلينا توقع المزيد من هذه التقلبات مع نهاية القرن”.

وحتى الأمطار الموسمية التي تدمر باكستان حاليا، قد تصبح في المستقبل أكثر دمارا. وهذا بالتحديد هو مجال بحث عالم الفيزياء أندرز ليفيمان، الخبير في معهد بوتسدام لأبحاث المناخ في ألمانيا، والذي يقول “في ظل ارتفاع درجة حرارة الأرض، نتوقع أن تصبح الأمطار الموسمية أقوى. هذا ما بيّنته تجارب المناخ في الكمبيوتر. فكمية الأمطار سوف تزداد، حتى يبدو الأمر وكأن المطر لن يتوقف، وطبعا سينجم عن ذلك انزلاقات في التربة”.

وهذا ما حدث في الصين وباكستان حين طمرت الانهيارات الطينية وانزلاقات التربة أحياء بأكملها. ورغم تراجع حدة الفيضانات في الأثناء، فإن العلماء مهتمون بدراسة ما شهده هذان البلدان وفهمه، لذا تمت دعوة عدد من خبراء الطقس والمناخ لحضور مؤتمرَين علميين في فرنسا والولايات المتحدة لتفسير سبب حالة الطقس في هذا الصيف، وإمكانية التنبؤ بهذه الأحداث قبل وقوعها في المستقبل.

فولكر مراسك / عبد الرحمن عثمان

مراجعة: طارق أنكاي

عن هاني سلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *