حدود العقل

في داخل الإنسان قوة إدراكية كبيرة و لكن مدركتها لا تنبع من داخلها ولكن تأتيها من العالم الخارجي عنها.
و لهذه القوة الأدراكية منافذ تطل منها علي العالم الخارجي
ألا وهي ( الحواس الخمس): حاسة البصر ، حاسة السمع ، حاسة الشم ، حاسة التذوق، حاسة اللمس..
كما لها صلات أخري تطل منها علي عالم النفس و هي تتمثل بحاسة الانفعالات كالرضا و الغضب و حاسة الشهوات..
فبمقدار ما تنقل هذه الحواس من حقائق للقوة الأدراكية تستطيع أن تتخيل وتدرك ما حولها.
و إذا حدث أن تعطلت حاسة من الحواس الخمس علي حسب وظيفتها ودورها التي تقوم بها فإنها لن تستطيع أن تدرك شيء عن العالم الخارجي.
فالعميان مثلاً الذين يولدون و هم فاقدوا البصر لا يستطيعون مهما أوتوا من ذكاء أن يتصوروا أي شيء عن الألوان مهما حاولنا أن نشرح لهم حيث لم يسبق لهم أن أتصلوا بإدراك حقيقة أي لون من الألوان عن طريق البصر..
فلو قلت لهم: أبيض ،أحمر، أخضر، أزرق أو نحو ذلك لن يستطيعوا أن يتخيلوا صورة هذه الألوان أبداً ما لم تتفتح نافذة أبصارهم علي الوجود فيروا الأشياء الملونة معروضة أمامهم و بعد ذلك يدركونها ثم يتخيلونها.

وكذلك الذين يولدون صماً لا يستطيعون أن يتخيلوا عن الأصوات شيئاً مهما أوتوا من الذكاء حتي تتفتح نافذة أسماعهم علي الوجود فيستمعوا إلي الأصوات..

و أيضا الطفل الصغير قبل البلوغ لا يستطيع أن يتصور شيئاً عن الغريزة الجنسية حتي تدب فيه الغريزة.

و نحن جميعاً لا نستطيع أن نتخيل طعماً من الطعوم لم يسبق لنا أن تذوقناه حتي نأتي به و نتذوقه فعلاً و هكذا بقية الحواس في الإنسان..

ونستخلص مما سبق إنما ندرك الأشياء في هذا الكون عن طريق المنافذ التي تطل بها علي العالم و لولاها لم ندرك من الوجود الخارجي شيئاً.

وهناك أشياء كثيرة جداً في واقعنا نومن بها إيماناً قوياً دون أن نتصل بها عن طريق الحواس أتصالاً مباشراً، وإنما نؤمن بها عن طريق الاستنتاج.
فمثلا لا يمكن للموبايل او الكمبيوتر الذي تقرأ منه الآن خاطرتي ان تصنع هذه الآلة نفسها؟؟
ولكن عقلك يستنتج ان هناك أشخاص قاموا بصناعتها و كذلك لا يمكن السماء و الأرض و ما بينهما من المخلوقات المختلفة الكثيرة أن يخلقوا نفسهم بل يجب ان يكون هناك من خلقهم و بث فيهم الروح و الحياة لان لكل فعل فاعل و لكل شئ مصنوع حولنا هناك من صنعه و لكل شيء مخلوق حولنا هناك خالق له..

وما يدرينا لو منحنا بعض الحواس الأخري غير التي في تركيبنا لأكتشفنا من حولنا أشياء كثيرة هي مغيبة الآن عنا لأننا لا نحس بها إذ لا توجد لدينا حاسة خاصة نتمكن بواسطتها أن نكتشفها و ندركها..
أليس في الأجهزة التي تدل علي درجات الحرارة والأجهزة التي تكتشف المعادن في الجبال مثل الذهب والفضة والماس ونحوها من أجهزة مختلفة أخري ما يشير إلي نقص كبير في حواسنا؟؟

أليس في المخلوقات الأخري ما ليس فينا مثل الطيور التي تمتلك جناحات بواسطتها تستطيع أن تطير وتسافر من بلد إلي أخري وهي في الجو وانت لا تتمكن من ذلك إلا باستخدامك للطائرة  ،أليست الأسماك التي تعيش حياتها في البحار والذي لا يستطيع أمهر السباحين في العالم أن يغطس تحت الماء مثلها لمدة ساعات دون استخدامه لأنبوبة أكسوجين تساعده و تعطيه القدرة علي الغطس تحت الماء لعدة ساعات…
و نستنج مما سبق أن خيالنا وقدراتنا محصورة حصراً تاماً فيما تدركه حواسنا.. فلو كنا بجناحات لكنا مثل الطيور..
فما أكثر نقصنا علي أننا أكمل من غيرنا من الخلق..
من هنا ندرك أهمية الإيمان بالغيب أو الإيمان بما لم تتصل به حواسنا الخمس أتصال مباشر فما كل شئ يدرك.
و الغيب هو ما لا نتصل به اتصال مباشر ولكن نؤمن بوجوده لان هناك دليل قاطع علي وجوده حتي و إن لم نشاهده أو نسمعه..لأن مثل ما قلنا إن لكل فعل فاعل ولكل شيء مخلوق هناك من خلقه و اوجده..
و إذا قلت لك أوصف لي منطقة ما في نيويورك بإمريكا فإنك لن تستطيع أن تصفها لأنك لم تزورها بعد وبالتالي لم تشاهدها بحواسك فيدرك عقلك صورتها بالتفصيل ولكنها هي موجودة بالفعل،و أيضاً إذ تحدث لك شخص من الصين بلغته فإنك لن تستطيع أن تفهمه لأن إدراكك وفهمك للغة الصينية محدود ولكن لو أتيت بأحد من معارفك يفهم اللغة الصينية لفهم و ادرك كلامه وتحدث بها معه..
و هناك من الأمور الغيبية التي لا تستطيع حواس المخلوقات أن تدركها و قد تفرد الله بعلمها ولم يطلع عليها أحداً من خلقه في الأرض ولا في السماء..
وقد أشار الله في القرآن الكريم بهذا في قوله تعالي في ( سورة النمل )
{قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65)}…
فلا يستطيع العقل أن يعلم متي سيموت أو متي ستقوم الساعة وتنتهي الحياة علي الأرض فقد تفرد الله بعلمهما..

وقد قال الله تعالي لرسوله الكريم صلوات ربي و سلامه عليه {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (63)  ( سورة الأعراف )

ومن ذلك يستحيل علينا أن نتخيل الدار الآخرة والملائكة في صورة ما في خيالنا لأننا لم نتصل بأي شيء عنهما عن طريق أية حاسة من حواسنا ولكننا نؤمن بهما و بوجودهم ومثل ذلك حقيقة الذات الآلهية لا يمكن أن نتخيله سبحانه وتعالي لأننا لم ندركه بحواسنا.
وقد قال العلماء قديما “كل ما خطر علي بالك فالله خلاف ذلك”..
من هنا ندرك أهمية العقيدة أو ( الإيمان بالغيب ) التي يفتقدها الكافرين..
وذلك بسبب أنهم لم يستخدموا قلوبهم و عقولهم لفهم و إدراك الحقيقة الموجودة بيننا و المسلم بها حتي و إن لم تتصل بها مدركاتهم او حواسهم الادراكية الخمس فيشاهدوها و يسمعوها ويتصلوا بها اتصالا مباشرا…

و لقد أشار القرآن الكريم إلي هذه الحقيقة المسلم بها في قوله تعالي في سورة ( البقرة ):
{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}

وقوله تعالي في (سورة الأنفال)
{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ}..
عدم ادراك الشئ = نقص ما في قدراتنا
فالفرق بين المؤمن والكافر إن المؤمن صدق كلام الله فارشده للإيمان به و هداه اما الكافر بالله فكذب بآياته
بسبب عدم اعطاء حواسهم الفرصة للإيمان بما غاب عن حواسهم فكانت النتيجة إن الله أصمهم و أبكمهم واعماهم عن معرفة الحقيقة والتصديق بها ، و أيضاً بسبب تحريفهم لكتب الله السابقة  و الذي أدي إلي أن الله تعالي عاقبهم و ختم علي قلوبهم فلا يفقهون و لا يعقلون ايات الله بل هم كالأنعام أو أضل سبيلاً..

وفي الختام الحمد لله الذي أعطانا نعمة الإسلام والإيمان به من غير أن نسأله و نسأل الله أن يتوفنا على هذه النعمة العظيمة ويلحقنا بعباده الصالحين

محمد محسن

 

عن هاني سلام

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: