لامركزية التعليم قبل الجامعي والإصلاح المدرسي

كتب :  ايمن رزق

 

تعمل مختلف دول العالم على الارتقاء بالتعليم قبل الجامعى وتحسين خدماته، وإتاحة تلك الخدمات للجميع. ولما كانت التغيرات الاجتماعية والاقتصادية تتعاقب وتتلاحق سريعًا وبقوة،

مع اتساع أعداد المستفيدين من التعليم قبل الجامعي،ومع الضغوط الاقتصادية التي تواجهها دول العالم حتى المتقدمة منها،

فقد تحولت الكثير من الدول إلى الأخذ بالنظام اللامركزي سعياً إلى تحقيق أهدافها، وزيادة توجهها نحو إشراك المجتمعات المحلية ومؤسسات المجتمع المدني في تحمل مسئولية تقديم الخدمات التعليمية والمساهمة في تمويله.

 

ولكن ما هو المقصود باللامركزية؟ يمكن تعريفها بشكل مبسط على أنها عملية نقل سلطة أو مسئولية أو مهام صنع القرار من المستويات الإدارية الأعلى إلى المستويات الإدارية الأدنى.

وهناك حاجة ماسة وملحة لتفعيل اللامركزية في نظام التعليم قبل الجامعي في مصر، حيث أنه الأضخم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومن بين أضخم الأنظمة في العالم، مقدماً خدماته لأكثر من 22 مليون تلميذ، من خلال ما يزيد عن 55 ألف مدرسة، ويعمل به قرابة 2 مليون معلم وإداري. وعلى هذا فلا يمكن بحال من الأحوال إدارة مثل هذا النظام بفعالية مركزياً.

وفى حقيقة الأمر، يتسم نظام التعليم قبل الجامعي بالمركزية الشديدة، وتتخذ أغلب القرارات من جانب وزارة التربية والتعليم، وبذلك لم يخلف هذا النظام المركزي كثيراً من الصلاحيات للمستويات الإدارية الأدنى – المديرية، والإدارة التعليمية، والمدرسة.

 

ففى تلك المستويات المختلفة، دون المستوى المركزي، فإن سلطة اتخاذ القرار محدودة للغاية. وتقتصر وظائف مديرو المدارس على تنفيذ البرامج الدراسية، وتدريس المناهج الدراسية التي تقرر مركزياً، مع إعطاء القرارات والتعليمات الواردة من المستويات الإدارية الأعلى الأولوية العظمى.

ولا يوجد دليل أكبر على المركزية الشديدة التي يعانى منها التعليم قبل الجامعي فى مصر وسيطرتها على إدارته، من توافد أفواج من أولياء الأمور والمعلمين والإداريين والتلاميذ يوميًا من جميع أنحاء الجمهورية إلى ديوان عام وزارة التربية والتعليم، في محاولة لإيجاد حلول لبعض مشكلاتهم أو للحصول على موافقات وزارية أو موافقات من الإدارات المركزية أو العامة بديوان الوزارة لبعض الأمور أو المشكلات التي لم يتمكنوا من إيجاد حلول لها من خلال المستويات الإدارية الأدنى، والتي يمكنها بالفعل اتخاذ الكثير من القرارات وحل الكثير من المشكلات سواء على مستوى المدرسة أو الإدارة التعليمية أو المديرية.

ويقضي جانب كبير من العاملين بديوان عام وزارة التربية والتعليم، بمن فيهم الوزير وقيادات الصف الأول وقتاً طويلاً فى حل مشكلات كان من المفترض حلها على المستويات الأدنى، فهناك مئات الشكاوى التى ترد يوميا إلى مكاتب الوزير ومساعديه دون أى مبالغة، بخلاف ما يرد إلى الإدارة العامة لخدمة المواطنين، والإدارة العامة للإتصال السياسى. ويمكن القول بأن غالبية تلك المشكلات يمكن حلها داخل المدرسة، أو الإدارة التعليمية، أو المديرية.

 

ويمكن تقسيم ديوان وزارة التربية والتعليم فيما يتعلق بتفعيل اللامركزية فى التعليم، إلى معسكرين أساسيين: أحدهما يقاوم تفعيل اللامركزية، والثانى يؤيد بحماس تفعيل اللامركزية.

 

ويتكون المعسكر الأول من مجموعة محدودة جداً من كبار مسئولى الوزارة، وهم صانعو السياسة ومتخذو القرارات. ويمكن القول بأن بعض كبار المسئولين قد يعارضون تفعيل اللامركزية، وإن شاركوا فى مؤتمرات واجتماعات داعمة للتحول نحو اللامركزية، فهم فى حقيقة الأمر يستشعرون التهديد من فقدان بعض سلطاتهم وصلاحياتهم، ودأبوا على التدخل فى كل صغيرة وكبيرة، معتقدين أنهم بذلك يؤمنون أسباب وجودهم واستمرارهم، بل إن منهم من يحاول طوال الوقت الاستحواذ على المزيد من المسئوليات، حتى يتسع نطاق نفوذهم وصلاحياتهم، وبالتالى ما يحصلون عليه من مزايا مادية وأدبية.

أما المعسكر الثانى، فيتمثل فى الغالبية العظمى من العاملين بديوان عام وزارة التربية والتعليم، الذين يجدون فى المركزية ما يضيف إلى أعبائهم ويثقل عاتقهم، بل وإن كثيرين منهم قد تفرغوا لحل مشكلات المواطنين الذين يأتون يوميا إلى الوزارة سعياً لإيجاد حل لمشكلاتهم، ويرون فى اللامركزية مشكاة نور قد يتم من خلالها تخفيف عبء العمل عنهم، فهم لن يضاروا بأى شكل من الأشكال إذا ما تم تفعيل اللامركزية، وفى كلا الحالتين سيتقاضون ما يحصلون عليه من مرتبات وحوافز.  

وتدفع الكثير من المشكلات والأمور المواطنين إلى التوجه إلى مكتب الوزير بالقاهرة، متحملين مشقة وكلفة السفر، وهو ما قد يعد دلالة واضحة جلية على عجز السلطات التعليمية على المستوى اللامركزى عن اتخاذ القرار المناسب، أو التصدى حتى لأبسط المشكلات.

ساهم وشجع على ذلك فقدان المواطنين، على اختلاف مستوياتهم وانتماءاتهم الثقافية والتعليمية والمهنية والجغرافية، الثقة في المستويات الإدارية المختلفة بالمدارس والإدارات التعليمية والمديريات، بل وفى المستويات الإدارية الوسطى على المستوى المركزي بالوزارة، وهو الأمر الذي يدفع بهؤلاء المواطنين يومياً دفعاً إلى إلى ديوان الوزارة، طلباً لمقابلة الوزير أو أحد مساعديه، المفوضين بالتوقيع، وذلك لإدراكهم التام أن المستويات الإدارية الأدنى هي أعجز ما تكون عن تقديم يد العون لهم، وربما قد استنفذوا بالفعل جميع المحاولات مع المستويات الأدنى، سعياً لإيجاد حل لمشكلاتهم، أو وضع نهاية لشكواهم. فإذا ما نجح المواطن في مقابلة أحد المسئولين على قمة الهرم الإداري المركزي، فقد تزال أسباب شكواه، وإن لم ينجح فقد يحاول إعادة الكرة، كما قد يلجأ بعض المواطنين إلى الاعتصام داخل الوزارة.

كما ساهم في ذلك تلك الثقافة السائدة والمتجذرة بأن حلول المشكلات لا توجد إلا فى مكاتب الوزراء بالقاهرة، ورغبة المواطن فى الظهور بمظهر المنتصر، وأن يحسب له ألف حساب، من جانب العاملين فى المدرسة، أو السلطات التعليمية المحلية إذا ما عاد إلى مدينته أو قريته، بعد وصوله إلى أعلى الهرم الإدارى، والحصول على توقيع وختم الوزير.

واتذكر أن أحد السادة وزراء التربية والتعليم كان قد اقترح خلال أحد اللقاءات مع السادة أعضاء مجلسى الشعب والشورى فى وزارة التربية والتعليم، تفعيل اللامركزية فى التعليم، ومنح مديرى مديريات التربية والتعليم المزيد من الصلاحيات، وإعطائهم المزيد من التفويض للنظر فى شكاوى المواطنين، مما يمكن أعضاء المجلسين من قضاء طلبات المواطنين فى محافظاتهم، دون الحضور إلى مكتب الوزير فى القاهرة، فثار بعضهم بعد سماع ذلك المقترح، بالرغم من جدواه وطابعه العملى، بل إن أحدهم قد قال أن ما يهمه شخصياً أكثر من أي أمر آخر أن يعود إلى قريته، مع طلباته التى تحمل توقيع وختم الوزير.

وبالرغم من بعض الجهود التي بذلتها مصر على مدار عقود لتفعيل اللامركزية في التعليم، بالإضافة إلى إشادة المنظمات الدولية ببعض الجهود التي بذلت في هذا الشأن – والتي شملت على سبيل المثال تجربة الاسكندرية، ومجالس الأمناء، والمشاركة المجتمعية – ورغم وجود بعض التشريعات الداعمة لممارسة اللامركزية في التعليم، فإن تلك الجهود اتسمت بالتردد، ولم تؤت ثمارها المرجوة، وما زال تفعيل وممارسة اللامركزية على أرض الواقع يتطلب المزيد من العمل والتنسيق على كافة المستويات، للتغلب على التحديات التي تعوق تفعيلها في التعليم.

وتمتلك مصر رصيداً من الخبرة امتدت لعقود طويلة فى تبنى بعض أوجه اللامركزية في التعليم، يمكن البناء عليه، والافادة منه، مع رصد أهم الدروس المستفادة فى ضوء الخبرات الدولية فى هذا الصدد، قبل الإقدام على تبنى أي إجراءات تتعلق بتفعيل اللامركزية. كما يجب مراجعة وتحليل التحديات التى تحول دون التطبيق الفعال للامركزية، والنظر فى إمكانية التغلب عليها، وتعبئة الجهود لمواجهة ما قد يعترض تفعيلها فى التعليم.

ويمكن البدء بتحديد الصلاحيات التي يمكن نقلها إلى المستويات الإدارية الأدنى بهدف تحسين فعالية وكفاءة النظام التعليمي، وتبني نموذج الإصلاح المتمركز حول المدرسة والتوسع فى تطبيقه. ففى ضوء انتشار ثقافة الاعتماد التربوى للمؤسسات التعليمية، وتشجيع المدارس على وضع خطط التحسين الذاتى، يمكن لمصر أن تحقق التطوير والتحسين داخل المدارس، بمنهجية الإصلاح من أسفل إلى أعلى. ويمكن النظر إلى تلك الاصلاحات التى تستهدف تطوير المدارس ومساعدتها على تحسين أدائها، بأنها تمثل مدخلاً لتحسين النظام التعليمى ككل، من خلال إصلاح النظام المدرسى، والعمل على تحسين كل من عمليتى التدريس والتعلم، اللتان تمثلان أكثر العمليات أهمية فى المنظومة التعليمية، إذا ما أخذ فى الحسبان أن الهدف الأسمى لأى إصلاح تعليمى هو تحسين نواتج تعلم التلاميذ، الأمر الذى يتأثر بشكل مباشر وكبير بتحسين عمليتى التدريس والتعلم.

هذا ويجب العمل على محاور مختلفة، من أجل تحقيق تحسن ملموس فى النظام التعليمى، على كل من مستوى ديوان الوزارة والمديريات والإدارات التعليمية والمدارس، مع حسن اختيار القيادات، ووضع الرجل المناسب فى المكان المناسب، والارتقاء ببرامج التنمية المهنية للمستويات والوظائف الإدارية المختلفة. فكثير من مشكلات النظام التعليمى يمكن ردها إلى عجز بعض القيادات عن استخدام صلاحياتها بفعالية، وتحمل مسئولياتها على الوجه الأكمل.

ويمكن القول أن نجاح تفعيل اللامركزية في التعليم مرهون بالاعتماد على القيادات المؤهلة والفعالة في جميع المستويات الإدارية، من المدرسة إلى الوزارة، وأن يولى الأمر إلى أهله، وأن تسند المسئولية إلى من هو جدير بحملها، مع العمل على إرساء قواعد ومعايير واضحة فى التعيينات والترقيات، على أن تتسم الإجراءات المرتبطة بتلك العمليات بالشفافية والعدالة.

 

عن هاني سلام

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: