توجهات السياسة التعليمية في مصر بعد جائحة كوفيد 19 (4 / 7)

وزير التربية والتعليم السابق
أ.د. الهلالى الشربينى الهلالى يكتب:
توجهات السياسة التعليمية في مصر
بعد جائحة كوفيد 19 (4 / 7)

السياسة التعليمية وتجويد التعليم وإصلاح أحوال المعلم:
هناك رؤىً متعددة حول قضية تجويد العملية التعليمية بكل أبعادها؛ منها ما كان يرفض تمامًا تطبيق إدارة الجودة الشاملة فى مؤسسات التعلـيم، ومنها ما كان -ومازال- يؤكد على أهمية الاستفادة منها فى هذه المؤسسات.

والواقع أن تطبيق إدارة الجودة الشاملة فى مؤسسات التعليم بات من المسائل الضرورية بل والملحة بسبب أمور كثيرة؛ منها: ارتفاع كلفة التعليم، والعجز التعليمي المتمثل في الاستثمار دون عائد؛ نظرًا لعدم استجابة المخرجات التربوية لاحتياجات أسواق العمل في كثير من الأحيان، ومن ثم ارتفاع معدلات البطالة، هذا بالإضافة إلى أن الواقع الدولي يشير إلى أن مؤسسات التعليم فى دول العالم التي حققت نجاحات ملموسة في مجال إعداد القوى البشرية لأسواق العمل وإنتاج وتوليد رأس المال المعرفي القادر على المنافسة وتحقيق قيم مضافة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية يشير إلى أنها قد استفادت بدرجة كبيرة من محاولات تطبيق مبادئ إدارة الجـودة الـشاملة التي بدأتها منذ ثمانينيات القرن الماضي ، ثم ضاعفتها عدة مرات منذ ذلك الحين حتى أصبح من الصعب الآن – كما يشير ” مارشـيز “- أن نجـد مؤسسة تعليم واحدة فى أمريكا أو اليابان لا تطبق مبادئ إدارة الجودة الشاملة.

وتتضمن المحاور الرئيسة لأى نموذج لتطبيق مبادئ إدارة الجودة الشاملة فى مؤسسات التعليم جودة كل من: الطالب، وعضو هيئة التعليم، والبرامج التعليمية، وطرق التدريس، والكتاب، وقاعات الدراسة وتجهيزاتها، والإدارة التعليمية، واللوائح والتشريعات، والتمويل ، و تقييم الأداء، ويتمثل الهدف الرئيس لفلسفة إدارة الجودة الشاملة فى التركيز على احتياجات العميل، والعمل على تحقيقها من خلال أساليب وأدوات متعددة؛ منها: المقابلات الشخصية مع العملاء والاستماع الفعال المتبادل، واستخدام الاستبيانات وعمليات المسح ، والعصف الذهني، والرسومات البيانية للاحتمالات المتوقعة.

وعلى الرغم من أن هناك أوجهًا للتشابه بين عملاء التعليم وعملاء الصناعة والتجارة، هناك أيضًا أوجه للاختلاف؛ فعملاء التعليم ليسوا بالضرورة الأفراد الذين يدفعون الأموال، كما أنهم ليسوا فقط الطلاب، لأن فهم عملاء التعليم علـى هـذا النحو قد يؤدي إلى اعتقاد الكثيرين داخل مؤسسات التعليم – وخاصة القيادات منهم – أنهم يعرفون احتياجات العملاء (الطلاب) أكثر منهم أنفسهم باعتبارهم أقل معرفة وإدراكًا، ومن هنا تتضح أهمية القيادة كعنصر من العناصر المهمة فى حركة الجـودة داخـل المؤسسة التعليمية؛ حيث إن كـل فـرد من أعضاء هيئة التعليم ومعاونيهم والإداريين في تلك المؤسسات يجب أن يتحول إلى قائد في موقعه، وهذا الشيء ينطبق على التعليم كما ينطبـق علـى أى قطاع آخر.

وأياً كان الحال تظل إدارة الجودة الشاملة مجرد وسيلة أو أداة نظرية في مؤسسات التعليم حتـى يـتم تطبيقهـا والاستفادة منها فى الواقع الميداني، ويمكن أن يتحقق ذلك مـن خـلال عدة إجراءات؛ منها: وضع رؤية شاملة للمؤسسة التعليمية تقودها مباشرة إلى بناء بيئة الجودة والتركيز بدرجة كبيرة على العميل، وتحديد البناء التنظيمي لتنفيذ الجودة بما يتضمنه من وجود مجلس ومدير للجودة وفريقٍ لتصميمها، وتقييم ذاتي، وكذلك توسيع الهيكل التنظيمى بما يضمن إنشاء قسم للجودة وتحديد قائد لفريق الجودة، وضمان استمرارية الجودة من خلال تدريب العاملين على تطويرها، والمراجعة الدورية للبرامج والعمليات المختلفة للمؤسسة التعليمية، والتطوير والتحسين، حيث تعد فرق تصميم الجودة بمثابة المحرك الرئيسي لعملية إدارة الجودة الشاملة، وهذه العملية لا يمكنها الاستمرار بدون وجود فرق للتطوير والتحسين الفعال، هذا بالإضافة إلى التخطيط الاستراتيجى للجودة؛ فعندما تقوم المؤسسة التعليمية بوضع وتحديد خطط قصيرة المدى، وأخرى طويلة المدى وكذلك رؤى وأهداف خاصة بها، يكون من الضروري إدراج برنامج الجودة ضمن هذه الاستراتيجيات والأهداف؛ حيث إن الجودة لا يمكن أن ينظر إليها كجزء منفصل عن هذه العناصر الحيوية فى إدارة المؤسسة التعليمية.

وعلى الرغم من أن هناك اعترافًا على المستوى الرسمي والشعبي في مصر وكثير من دول العالم بحاجة التعليم قبل الجامعي إلى إصلاح وتطوير، وأيضًا بالدور المهم للمعلم في العملية التعليمية وتجويدها، وبضرورة إصلاح أحوال المعلم من حيث الإعداد العلمي، والتربوي، والتدريب المهني، والاهتمام به ماديًا، واجتماعيًا، ومعنويًا انطلاقًا من نتائج دراسات علمية كثيرة مؤداها أن نجاح العملية التعليمية يعتمد بنسبة تفوق 50% على المعلم وحده وتتوزع النسبة المتبقية على المناهج، والكتب، والإدارة التعليمية، والأنشطة التربوية، والتقويم والامتحانات، وغيرها، على الرغم من كل ذلك إلا أننا في مصر ما زلنا نهمل المعلم ولا نوفيه حقه ولا نثق فيه، ونحمله مسئولية تدهور العملية التعليمية، بل والتربوية أيضًا، وهكذا الحال منذ عقود، الدولة تتظاهر بأنها تحترم المعلمين وتقدر دورهم وتوفيهم حقوقهم المادية والمعنوية، والمعلمون بدورهم يتظاهرون بأنهم يؤدون دورهم في العملية التعليمية والتربوية بأمانة وشرف ونزاهة.

عن هاني سلام

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: